شارلي ايبدو في لندن.. المسلمون بين حس الحصار والولاء

حجم الخط
2

عندما بدأت الأخبار تتوالى من العاصمة الفرنسية باريس وبدأ يتكشف أن منفذي العملية مسلمون شعر المسلمون في بريطانيا بثقل الأزمة وأنهم لن يكونوا قادرين على التعامل مع الحادث الجديد، بل وسيطلب منهم التعبير عن شجبهم بأقسى الكلمات لعلهم يرضون في هذا الإعلام، الرأي العام والمؤسسة السياسية الذين سارعوا للتضامن مع شارلي ايبدو وخطها التحريري وحقها في حرية التعبير عن الرأي، وإن بدا الموقف أكثر تحفظا من فرنسا، فقد امتنعت الصحف البريطانية عن إعادة نشرها للصور المسيئة للرسول التي كانت وراء قيام الأخوين سعيد وشريف كواشي بالهجوم على المجلة الفرنسية الساخرة التي اتخذت الإسلام ومنذ عام 2011 هدفا للسخرية والتهكم والحط من قيمة رموزه باسم «الضحك» و»الحرية المقدسة للتعبير» .
كان رفض المسلمين البريطانيين للهجوم على المجلة متساوقا مع موقف الرأي العام البريطاني، فالمتحدثون باسمهم وما أكثرهم هذه الأيام اعتبروا ما جرى جريمة لا علاقة لها بالإسلام ودعت أصوات منهم المسلمين لضبط النفس وعدم الإنجرار وراء العواطف الجياشة والقيام بأفعال غير محمودة.

من برادفورد إلى باريس

ولعل للسياق البريطاني الذي يعيش فيه المسلمون والقائم نظريا على فكرة التعدد الثقافي أثر في نوع ما على ردود فعلهم، كما أن مستويات الحرمان والتهميش التي يتعرضون لها أقل بدرجات من الواقع الفرنسي الذي اعتبره الكثيرون دافعا لجريمة كل من الأخوين كواشي وأحمدي كوليبالي الذي هاجم متجرا يهوديا وأحتجز فيه رهائن.
وهناك عامل آخر مهم في قراءة رد الفعل المسلم في بريطانيا، فقد واجه المسلمون مشكلتهم مع الإستفزاز والإهانة قبل باريس 7 كانون الثاني/يناير 2014 بعقدين من الزمان وفي 14 كانون الثاني/يناير 1989 عندما قام مسلمون في مدينة برافورد بحرق رواية سلمان رشدي المسيئة للرسول والإسلام في ميدان عام.
واعتبر الحادث نقطة تحول ليس في مواقف المسلمين من الرواية ولكن في علاقتهم مع الفضاء العام والإعلام بالتحديد، وأدت لاحقا لخروج مؤسسات وهيئات ورموز بدأت في التحدث باسمهم.
ومن هنا نرى أن تعدد أصوات المتحدثين باسم الإسلام اليوم في بريطانيا قد أسهم في تقديم موقف يتوافق مع المزاج العام من جهة وحجم الأصوات الغاضبة التي اعتبرت أن الهجوم على الرسول وهو الفعل الآثم الذي قامت به المجلة الفرنسية «كبيرة الكبائر». ومع ذلك ظهرت أصوات وتساءلت إن كان يجب على المسلمين في بريطانيا الإعتذار عن هجوم لا علاقة لهم به فقط لان من نفذوه كانوا مسلمين. كان الهجومان بالتأكيد جريمة، وليس كما أكدت معظم الصحف خاصة من يسار الوسط «حربا» بين البربرية الإسلامية والغرب ولا صدام حضارات ولم يكونا أيا من هذا. وبناء عليه حذرت الصحف الرصينة مثل «الغارديان» و «إندبندنت» من مغبة الوقوع في أخطاء جورج دبليو بوش في رده على هجمات 9/11 حيث أعلن حربا كارثية على الإرهاب أي الإسلام، وهي حرب انتهت بالفشل وكانت مسؤولة عن خروج بعبع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.

هامش معقول

وفي الوقت الذي لم يسمح الفضاء العام الفرنسي بأي صوت مخالف يربط بين مغامرات فرنسا في الشرق الأوسط ومعاملة الدولة الفرنسية للمسلمين فيها وعددهم يتفوق على عدد المسلمين البريطانيين، وربط الفعلين الإجراميين بتاريخ العنف الكولونيالي الفرنسي في الجزائر، إلا أن المعلقين البريطانيين كانت لديهم مساحة واسعة لتقديم فهم أعمق لما جرى، حيث ربطت التعليقات التي كتبها المسلمون منذ اليوم الأول الفعل بجذور الحرمان وثقافة الجريمة والسجن في فرنسا، بل وبتاريخ العنف الفرنسي في الجزائر، فصحف اليسار واليمين أكدت على هذا الواقع، وأصوات مثل الفرنسية نبيلة رمضاني وغاري يونغ، وديفيد هيرست ومهدي حسن وأسماء كيثرة أخرى. وركز باتريك كوكبيرن في «إندبندنت» على الحرب الفاشلة ضد الإرهاب، وفي السياق نفسه تساءل أكاديميون مثل طارق رمضان وجون كين، وبريان كلغ من جامعة أوكسفورد حول مدى حرية التعبير التي لا تعني بالضرورة واجب القيام باستفزاز وإهانة اتباع دين آخر كما صار ديدن «شارلي ايبدو». وكان لدى البعض مجال للتذكير بازدواجية المعايير التي آمنت بها المجلة الساخرة، وذكروا بأنها تجنبت الحديث عن جماعات أخرى وركزت باسم حرية التعبير على الإسلام.
والغريب في قراءة التعامل وردود الأفعال في بريطانيا أن تتلاقى أصوات معادية للإسلام مع ممثلين أو داعين «لإصلاح» الإسلام لتخليصه من أزمته الداخلية وكأنهم يرددون مقولة توماس فريدمان، المعلق في «نيـويورك تايمز» الذي أخذ على عاتقه بعد هجمات 9/11 دعوة المسلمين الإعتذار عن الإرهاب النابع من داخلهم.
فصوت الناقدة الدائمة للإسلام أعيان حرسي- وهي هولندية من أصل صومالي- التي تعاونت مع المذيع ثيو فان غوخ للهجوم على المسلمين الهولنديين والإسلام مما دفع بهولندي من أصل مغربي لاغتياله، انسجم مع صوت ماجد نواز- وهو عضو سابق في حزب التحرير- والذي تحول إلى سياسي ومعلق يدعو لتحرير الإسلام وإصلاحه ويقدم رؤية اعتذارية ممجوجة. كما وكتب صديقه إد حسين مؤلف كتاب «الإسلامي» والزميل في معهد العلاقات الخارجية الأمريكي والذي بدا أخف من نواز حيث دعا لمواجهة العنف بالإنفتاح والتعددية.

مدن إسلامية كاملة

وبرزت هذه الأصوات في الإعلام المرئي الذي استضاف جلسات نقاش و»خبراء» في الإسلام. وللتذكير هنا أن البريطانيين ضحكوا كثيرا على ما ورد على لسان «خبير» أمريكي وهو ستيفن إيمرسون عندما زعم أن مدينة بيرمنغهام «مدينة إسلامية» لا يسمح لغير المسلمين بدخولها. صحيح أن المدينة فيها نسبة 20٪ من المسلمين وأنه اعتذر عن الخطأ الفاحش فيما بعد إلا أن الفضاء السايبري والتويتر لم يرحمه. وانتقد ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني جهل من يسمون بالخبراء وعدم تحققهم من معلوماتهم. وكان إيمرسون يردد بالضرورة مقولات اليمين المتطرف عن سيطرة المسلمين على مدن، لم يعد يسمح للبيض وهم الغالبية بدخولها. ولأن لندن لديها تاريخ مع الجهاديين حيث عاش فيها ناشطون إسلاميون في العقد الأخير من القرن الماضي، فقد تم التركيز على الربط بين منفذي الهجومين ولندن، فذكرت تقارير أن حياة بومدين زوجة كوليبالي مرت من لندن. كما أن مرشد المنفذين جمال بيغال مر من العاصمة البريطانية أيضا، ولا تزال زوجته تعيش في مدينة ليستر. وكان بيغال يتردد على مسجد فينزبري بارك في شمال لندن والذي كان مركز نشاط أبو حمزة المصري قبل أن تسترده الحكومة وتسلمه لإدارة معتدلة نجحت في إعادة بنائه وسمعته وفتحته للجميع.
ومع ذلك أكدت صحف شعبية مثل «دايلي ميل» أن شريف كواشي التقى جمال بيغال فيه. وإن حدث لقاء كهذا فقد تم قبل إخراج المتشددين منه كما قالت إدارة المسجد الحالية، ولكن التشويه كان باديا في محاولة الربط. ولا بد من الحديث عن موقف اليمين المتطرف، فما جرى في باريس كان فرصة ليس لليمين المتشدد الفرنسي والجبهة الوطنية للتحذير من «الخطر» الإسلامي، بل في عــمـوم أوروبا، ألمانيا والسويد وبريطانيا أيضا حيث ســارع نايجل فاراج زعيم حزب الإستقلال المعادي للهــجـــرة للحديث عن «طابور خامس» وراء الهجمات.

صلاحيات أمنية

كان هجوم باريس تعبيرا عن فشل أمني وسياسي وجريمة في الوقت نفسه ولهذا السبب سارعت المؤسسات الأمنية للمطالبة بتعزيز دورها، وبعد يوم من الهجوم ألقى مدير الإستخبارات الداخلية البريطانية «أم أي فايف» اندرو باركر كلمة تحدث فيها عن المشاكل التي تواجه مؤسسته المالية خاصة متابعة ما يجري على الإنترنت، فيما تعالت أصوات لإعطاء المؤسسة الأمنية سلطة للتلصص على الإتصالات الخاصة. ووقع عدد من محرري الصحف البريطانية على عريضة تطالب بالحد من سلطة الأمن والتلصص على المصادر الخاصة للصحافيين كذريعة لمحاربة الإرهاب. فديدن السلطات الأمنية أنها وبعد كل هجمات كباريس تطالب بتشريعات وقوانين لمكافحة الإرهاب تحرم المواطنين حقوقهم الأساسية في التعبير. ومنذ 2001 وحتى الآن استخدمت الحكومة البريطانية تشريعات باسم مكافحة الإرهاب لمراقبة وتوسيع صلاحيات الشرطة والأمن في الرقابة والملاحقة والتضييق. وكان كاميرون قد اقترح سلسلة من الإجراءات لمواجهة الخطر الجهادي المقبل من سوريا نظرا لوجود عدد من الشبان الذين يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة هناك ولأنهم سيشكلون خطرا على الأمن حال عودتهم إلى بريطانيا.
لا بد من الإشارة إلى أن المؤسسة التقليدية والمعروفة بـ «اليريولية» التي تبجل النبي وترى فيه نورا دائما اتسمت مواقفها بالحذر ورفضت الصور المسيئة ولكنها قامت بشجب مقتل طاقم شارلي ايبدو، وكل ما قامت بعمله هو أنها نظمت اجتماعا للتعبير عن رفضها للقتل وحبها للنبي. والجماعة مقربة من المؤسسة السياسية حيث برزت بعد تراجع أهمية المجلس الإسلامي البريطاني كفاعل مهم في دعم مواقف حكومية تريد تمريرها بين الشارع المسلم. ولدى الطبقة السياسية الحاكمة عدد من النواب المسلمين وهم وإن شجبوا ما جرى في باريس ووقفوا ضد التطرف إلا أن صوتهم يعبر عن ملمح آخر من الدينامية التي تعيشها الأقلية المسلمة. وصلت أعداد مجلة شارلي ايبدو التي بيع منها أكثر من 5 ملايين نسخة في فرنسا، وقبل وصولها وزعت قيادات مسلمة رسالة عامة للمسلمين تطالبهم بالحكمة والتصرف بعقلانية. وفي النهاية يخشى المسلمون مع كل هجوم حالة حصار جديدة وأصواتا تتعالى بتحميلهم المسؤولية وأخرى تذكرهم أن اعتذارهم لا يكفي.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية