عبد الرزاق غورناه… الكاتب ومصيره الفردي

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
1

جاء الإعلان عن فوز الكاتب البريطاني ـ زنجباري الأصل ـ عبد الرزاق غورناه (قرنح كما تحلو تسميته بالعربية) بجائزة نوبل للآداب، وقد هلل العرب، لكونه عربي الأصل ـ تعود أصوله إلى اليمن السعيد ـ وكذلك مُسلماً تعلّم القرآن في طفولته وصباه، لكنه في الواقع نسيّ العربية تماماً، ولم يعد لها وأساطيرها أي أثر في كتاباته أو تكوينه الثقافي، الذي يُعد إنكليزياً بامتياز، اللهم إلا خلفية لمجتمع سقط في جب النسيان. وحتى إن كان الاحتفاء ـ انتقامياً ـ بما أن الرجل يكتب عن افريقيا المنسيّة ومآسيها في ظل الاستعمار، والذي لم ينته حتى الآن، ككتابة تستمد وجودها من الذاكرة بالأساس، ومن تجارب ذاتية تكتمل من خلالها الصورة الكبيرة لهذا الأدب، الذي تم تتويجه مؤخراً بنوبل 2021.
ورغم أن الرجل افريقي الأصل وعربي ومسلم، إلا أنه لم يُترجم له أي عمل أدبي، روائياً أو قصصياً أو حتى مقالاً نقدياً إلى العربية ــ زار غورناه القاهرة عام 2016 ــ فلابد أن يكون الكاتب معروفاً عالمياً ولو بقدر ما، وأن يكتب بالضرورة إما بالإنكليزية أو الفرنسية، حتى يُلتفت إليه عربياً، فهناك نظرة تعال غير منكرة من العرب أو مَن يتحدثون العربية للكتابات الافريقية، وهي آفة تعويض النقص في مواجهة الغرب، لذا نستند إلى بعض الحوارات التي سبق أن نشرها لغورناه في بعض الصحف والمواقع المهتمة بأدب القارة السوداء وكُتابها، إضافة إلى بعض الترجمات التي جاءت في عُجالة لبعض من هذه الحوارات، كمتابعة للحدث، ربما نستشف منها فكر الرجل وعالمه الروائي، انتظاراً لن يطول بالطبع لترجمة عمل كامل أو عدة أعمال من أعماله. مع ملاحظة أن أول حوار تم مع الرجل لصحيفة عربية أجراه سعيد فرحات لجريدة «المدى» العراقية في مايو/أيار 2008.

اللغة

«لا أعتقد أن هناك تأثيراً عربياً في طريقة كتابتي. لا أتكلم العربية رغم أنني تعلمت قراءة القرآن في طفولتي، والكثير من القصص التي سمعتها طفلاً، والتي تتنقل في رواياتي لها أصل عربي، فارسي وهندي بوجه الاحتمال». هكذا يقول غورناه في ما يخص اللغة العربية. أما عن الإنكليزية التي يُعبّر من خلالها عن أفكاره، يقول في أحد حواراته رداً على سؤاله.. عن مدى انحيازة لرأي (أتشيبي) دون (نجوجي) في سجالهما بشأن لغة الكتابة والتعبير، يقول غورناه: «لا أعتقد أنني أنحاز إلى أحدهما، يزعم أتشيبي، الإنكليزية يمكن توظيفها في مناهضة الاستعمار، لكن نجوجي يعارضه بأن اللغة مُتغلغلة في كل شيء نفعله. لكنني أرى أن اللغة لا تعمل بهذه الطريقة، خاصة بالنسبة للكاتب، وأعترف بأن بعض الأسباب التي دفعتني للكتابة بالإنكليزية لها علاقة بالطبع بالاستعمار، وأيضاً بما قرأته، والذي كان معظمه مكتوباً بالإنكليزية، ومتعلقا بمكان وجودي حينما بدأتُ الكتابة».

الذاكرة

«الماضي حاضر، لأننا نعيش في خيالنا ونعيش كذلك في الواقع، فالماضي ما زال حياً بالنسبة لنا، ولن ينتهي قط». من هذه الرؤية تنطلق كل أعمال غورناه، مُستندة إلى ذاكرة حاولت أن تؤسس عالماً يواجه أو يُناقض الاستعمار، لكنها ذاكرة ملتبسة، تعمل من خلال هذا الاستعمار أو من خلال عالم صاغه الغرب. وعن تفاصيل العملية الإبداعية يذكر الرجل أن هذه (الذاكرة) تتحوّر وتتشكل وفق أفق معرفي يتطور باستمرار، فيقول .. «الأمر لا محالة يتعلق بالذاكرة، لكنها ليست بالضرورة الذاكرة بمعنى تذكّر أشياء وقعت لي أو لأفراد من عائلتي. لا أعتقد أنني كتبت فعليا أي قصة تصف حقيقة وفق ذاكرة محددة، لكنها شذرات بسيطة قد تشير إلى شيء وقع بالفعل لقريب أو لشخص أعرفه. والقصة في النهاية لا تصور الحقيقة، بل تفصيلة بسيطة قد تكون شيئاً مرّ بي وعرفته أو سمعت به… خلال تلك العملية قد يحدث أن تفقد الإحساس بما حدث فعلياً أو ما تخيلت أنت أنه حدث، وفي بعض الأحيان قد تتصور أن أشياء معينة حدثت وهي في الواقع لم تحدث، وإنما أنت اختلقتها، أو يقول لك الناس إن أشياء معينة حدثت وتنفي لهم ذلك، لأنك غيرت ذاكرتك في ما يتعلق بها… وهكذا يعمل الخيال والذاكرة، الذاكرة شديدة الأهمية، تجعل الأشياء حقيقة، لكنها لا تمنحك قصة كاملة يمكنك إدراجها في نص».

النشأة والهجرة

ولد عبد الرزاق غورناه في جزيرة زنجبار في 20 ديسمبر/كانون الأول 1948 لأب ينحدر من أصول يمنية، وأم تنزانية. وفي أواخر ستينيات القرن الفائت، على وقع الأحداث التي شهدتها زنجبار بعد ثورة 1964 التي أطاحت بسلطانها العُماني (جمشيد بن عبد الله البوسعيدي) وحكومته، بعدها اندلعت الاضطرابات بين الأفارقة والعرب في الجزيرة واستولى الحزب الشيوعي على السلطة وبدأ اضطهاد كل مَن له أصول عربية، وبسبب ذلك غادر غورناه باتجاه المملكة المتحدة، حيث حصل على الدكتوراه في الأدب الإنكليزي من جامعة كنت عام 1982 وهي الجامعة التي درّس فيها الأدب الإنكليزي والدراسات ما بعد الكولونيالية منذ عام 1985 وحتى تقاعده منذ فترة قصيرة.
بدأ غورناه الكتابة الأدبية بعد نحو عام من وصوله إلى بريطانيا. حينها، لم تكن لديه تصورات مسبقة عما يريد الحديث عنه بالضبط، إذ يقول: «بدأت أكتب بلا مبالاة وبشيء من الخوف دون أي تصور مدفوعاً برغبة في الإفصاح عن المزيد». وتوالت رواياته وأعماله الإبداعية، التي تدور كلها حول الرحيل والهجرة والمنفى والشتات والتمييز ضد اللاجئين الأفارقة، كأن كل أعماله تعيد إنتاج القصة نفسها بأشكال وحكايات مختلفة.

المصير الفردي

ونعود في النهاية إلى الفصام العربي، ومحاولة التباهي بآخر لا نعرفه إلا عند إعلان اسمه ـ هذا الاسم المختلف في صياغته عربياً حتى الآن ـ بل وصل الأمر إلى الاستنكار لما قاله الرجل، دون ذكره لموطن أجداده (اليمن) واقتصاره في الحديث عن افريقيا، هذا الجزء المنسي من العالم. لكن .. هل يفكر الرجل في كل ذلك؟ لا يهم بالطبع، المهم أن نشجب ونستنكر ونناضل على الورق، دون معرفة الرجل وأفكاره، الذي أكد في أحد حواراته أن «الكاتب هو مصير فردي لا علاقة له بمكان محدد». نافياً بذلك أي أفضلية أو مكانة لمكان ما، وقد خط مصيره بيده، ومن خلال وجوده في الجانب الآخر من العالم. وهنا نتوقف عند الملاحظة اللافتة للأكاديمية والكاتبة المصرية شيرين أبو النجا، التي أدارت حواراً مع غورناه عند زيارته للقاهرة في 2016 ذاكرة أنه «نموذج مثالي للدرس النقدي الخاص بسياسات الهوية في النقد ما بعد الكولونيالي.. مهاجر من افريقيا بسبب اضطهاد عنصري، اختيار مكان المستعمر السابق، اضطهاد مرّة أخرى بسبب العرق واللون، عدم القدرة على القطع مع الجذور، اندماج في المجتمع الجديد بشكل مغاير للذات وللآخر، الكتابة بلغة المستعمر، من أجل التذكير بما فعله الاستعمار، ثم نهاية سعيدة تعلن فيها لجنة نوبل أن أعمال غورناه تُظهر بوضوح ولاءه للحقيقة، ونفوره من التبسيط». (راجع شيرين أبو النجا، مقال بعنوان: عبد الرزاق قرنة أثناء زيارته إلى مصر.. كاتب لم يسمع به أحد «النهار العربي» 9 أكتوبر/تشرين الأول 2021). فهل لنا في النهاية أن نكف عن أفعال (عواجيز الفرح) أو كما يُقال في المثل الشعبي المصري «القرعة تتباهى بشَعر بنت أختها».

‏كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية