القاهرة ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي ترددت فيه أنباء عن بدء إثيوبيا وضع الحوائط الخرسانية استعدادا للملء الثالث لسد النهضة، حذر وزير الري المصري، محمد عبد العاطي، أمس الخميس، من أن إنشاء سد بهذا الحجم الضخم ودون وجود اتفاق قانوني عادل وملزم لملء وتشغيل هذا السد، وإدارته بشكل منفرد من جانب اثيوبيا، سيتسبب في حدوث ارتباك كبير في نظام نهر النيل بأكمله. وأضاف، في جلسة عقدت عبر تقنية الفيديوكونفرانس عن «تأثير التغيرات المناخية على الموارد المائية في منطقة شرق المتوسط» ضمن فعاليات «المؤتمر الثاني الدولي لتغير المناخ في شرق المتوسط» أمس: «ستتكلف دول المصب مبالغ ضخمة تقدر بمليارات الدولارات لمحاولة تخفيف الآثار السلبية الناتجة عن هذه الإجراءات الأحادية، خاصة مع قيام الجانب الاثيوبي بإصدار العديد من البيانات والمعلومات المغلوطة التي تزيد من حالة الارتباك في منظومة النهر».
الزيادة السكانية
وبيّن أن «الزيادة السكانية تمثل تحديا رئيسيا للموارد المائية في مصر» مشيرا إلى أن «من المتوقع أن يصل إجمالي السكان في مصر لأكثر من 175 مليون نسمة في عام 2050 ما يمثل ضغطا كبيرا على الموارد المائية». وتناول، في كلمته، تحديات الموارد المائية التي تواجهها بلاده، ومنها «التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية في ظل الارتفاع الملحوظ لدرجة الحرارة، وما تشهده مصر وغيرها من دول العالم من ظواهر جوية متطرفة وغير مسبوقة مثل الأمطار الشديدة التي تضرب مناطق متفرقة من البلاد، بالإضافة لارتفاع منسوب سطح البحر وتأثير ذلك السلبي الخطير على المدن والمناطق الساحلية وخاصة دلتا نهر النيل وغيرها من دلتاوات الأنهار والمناطق المنخفضة حول العالم».
وأوضح أن «الندرة المائية التي تعاني منها مصر بالإضافة للتأثيرات السلبية للتغيرات المناخية تجعل الموقف المائي في مصر شديد الحساسية تجاه أي مشروعات أحادية يتم تنفيذها في دول حوض النيل، دون وجود اتفاقيات قانونية عادلة وملزمة لتنظيم هذه المشروعات والحد من تأثيراتها السلبية على المياه في مصر».
وجدد «تأكيده أن بلاده ليست ضد التنمية في دول حوض النيل» قائلا: «على العكس مصر تدعم التنمية في دول حوض النيل والدول الافريقية من خلال العديد من المشروعات التي يتم تنفيذها على الأرض، وأن مصر أنشأت العديد من سدود حصاد مياه الأمطار ومحطات مياه الشرب الجوفية لتوفير مياه الشرب النقية في المناطق النائية البعيدة عن التجمعات المائية مع استخدام تكنولوجيا الطاقة الشمسية في عدد كبير من الآبار الجوفية بما يسمح باستدامة تشغيلها».
وأضاف، أن «مصر نفذت مشروعات في دول حوض النيل لتطهير المجاري المائية والحماية من أخطار الفيضانات، وإنشاء العديد من المزارع السمكية والمراسي النهرية، ومساهمة الوزارة في إعداد الدراسات اللازمة لمشروعات إنشاء السدود متعددة الأغراض لتوفير الكهرباء ومياه الشرب للمواطنين في الدول الافريقية، بالإضافة لما تقدمه مصر في مجال التدريب وبناء القدرات للكوادر الفنية من دول حوض النيل». ولفت إلى أن «مصر وافقت على إنشاء العديد من السدود في دول حوض النيل مثل خزان أوين في أوغندا، الذي قامت مصر بتمويله والعديد من السدود في إثيوبيا مثل سدود تكيزي وشاراشارا وتانا بلس، التي لم تعترض مصر على إنشائها، ولكن إنشاء سد بهذا الحجم الضخم، ودون وجود اتفاق قانوني عادل وملزم لملء وتشغيل هذا السد، وإدارته بشكل منفرد من جانب إثيوبيا، سيتسبب في حدوث ارتباك كبير في نظام النهر بأكمله.
موارد مصر
وقارن وزير الري المصري، بين حجم الموارد المائية في مصر وغيرها من دول منابع حوض نهر النيل، لافتا إلى أن بلاده «تعتمد بنسبة 97 في المئة على المياه المشتركة من نهر واحد فقط هو نهر النيل، في حين تتمتع دول منابع النيل بوفرة مائية كبيرة حيث تصل كمية الامطار المتساقطة على منابع النيل إلى 2000 مليار متر مكعب سنويا من المياه، مشددا على أن مصر تعد من أكثر دول العالم التي تعاني من الشح المائي، حيث يصل نصيب الفرد من المياه في مصر إلى 570 متر مكعب في السنة، وهو ما يقترب من خط الفقر المائي».
وأوضح أن «بعض هذه الدول تمتلك أنهارا أخرى غير نهر النيل مثل دولة إثيوبيا التي يوجد فيها 12 نهرا، كما تمتلك هذه الدول عشرات الملايين من الافدنة التي تروى مطريا، في وقت تتكلف مصر مبالغة طائلة للاستفادة من كل قطرة مياه وإعادة استخدام المياه، بإعداد استراتيجية للموارد المائية حتى عام 2050، ووضع خطة قومية للموارد المائية حتى عام 2037 بتكلفة تصل إلى 50 مليار دولار من المتوقع زيادتها إلى 100 مليار دولار».
ولفت إلى «حجم المياه الخضراء (مياه الأمطار) في إثيوبيا والذي يصل إلى أكثر من 935 مليار متر مكعب سنويا من المياه، وأن 94 ٪ من أراضي إثيوبيا خضراء، في حين تصل نسبة الاراضي الخضراء في مصر إلى 6٪ فقط، موضحا أن إثيوبيا تمتلك أكثر من 100 مليون رأس من الماشية تستهلك 84 مليار متر مكعب سنويا من المياه، ما يساوي حصة مصر والسودان مجتمعين».
وأوضح أن «حصة إثيوبيا من المياه الزرقاء (المياه الجارية في النهر) تصل إلى حوالي 150 مليار متر مكعب سنويا منها 55 مليار في بحيرة تانا و10 مليار في سد تكيزى و3 مليار في سد تانا بالس و5 مليار في سدود فنشا وشارشارا ومجموعة من السدود الصغيرة بخلاف 74 مليار في سد النهضة».
وأشار إلى أن «المشروعات المائية التي تم تنفيذها أو الجاري تنفيذها في مصر تهدف لزيادة قدرة المنظومة المائية على التعامل مع مثل هذه التحديات بدرجة عالية من المرونة والكفاءة».
إلى ذلك، علق أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية في مصر عباس شراقي، عن ما تردد عن بدء إثيوبيا وضع الحوائط الخرسانية استعدادا للملء الثالث لسد النهضة. وكتب على صفحته على «فيسبوك» أن «سد النهضة خرساني، ويتم الصب مباشرة على جسم السد» مضيفا أن «المياه تفيض حتى الآن من أعلى الممر الأوسط، وسيستمر ذلك حتى نهاية الشهر الجاري على الأقل». وتابع: «بعد ذلك، سيتم إما تشغيل توربين أو اثنين لإمرار المياه بدلا من أعلى الممر الأوسط، أو في حالة استمرار فشل التشغيل سيتم فتح بوابتي التصريف السفلى، التي تم فتحهما في أبريل/نيسان حتى منتصف أغسطس/آب الماضي، ثم تجفيف الممر، وإنهاء الأعمال الهندسية على جانبي السد حتى منسوب 595 مترا على الأقل».
ومنذ عام 2011، تتفاوض مصر والسودان وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة الذي تبنيه أديس أبابا ليصبح أكبر مصدر لتوليد الطاقة الكهرمائية في افريقيا بقدرة متوقعة تصل إلى 6500 ميغاواط. وفي مارس/ آذار 2015، وقّع رئيسا مصر والسودان ورئيس وزراء إثيوبيا في الخرطوم اتفاق إعلان مبادئ الهدف منه تجاوز الخلافات.