المعطى الجندري في تشكيل الحكومة التونسيّة استثناء أم مناورة؟

د. منية العلمي
حجم الخط
0

أرجعت معظم التّقارير الدوليّة، ومنها برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ المعوقات الهيكليّة التّي تعاني منها مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة إلى مجالات ثلاثة تشهد سلبيّات عميقة، أولّها وأساسها النّقص في إنتاح المعرفة، وثانيها النّقص في الحريّات، وثالثها النّقص في المساواة بين الجنسين. وهو ما يعزّز فكرة أن المساواة ليست ترفا فكريّا وحقوقيّا بل ضرورة حيويّة لكافة المجتمعات.
ولقد عملت تونس منذ دستور1959 على تجاوز كلّ العراقيل المعطلة لمدنيّة المجتمع ولتقدّمه وازدهاره، بأن أرست مقوّمات الجمهوريّة النّاشئة، على الحريّة والعدالة والنّظام، بما تتضمنّه تلك القيم من بداهة المساواة بين الجنسين في مستويات العدالة والحريّة، والحقوق والواجبات، وفي هذا الصدّد، لا يخفى ما أقدمت عليه تونس منذ الاستقلال من انشغال باكر بالمستوى التّعليمي من خلال إجباريّته، ومجانيّته، وتعميمه، من دون فصل بين الذكور والإناث، وذلك لسبق وعيها على كثير من الدّول العربيّة والإسلاميّة بالمسألة التعليميّة كرهان حضاريّ يضمن لها السيّادة والرّيادة، وكان دستور 2014 محافظا على تلك القيم، معزّزا لها، إذ صرّح في الفصل21 منه، بالمساواة التّامة بين المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات، فهم سواء أمام القانون من غير تمييز، كما ركزّ على مسألة المساواة في المهام والمسؤوليّات السياسيّة، بل وقرّر مفهوم المناصفة في القوائم الانتخابيّة. ومن الحقوق والحريات العامّة الحق في المشاركة السياسيّة عبر الانتخاب والترّشح، وتقلد المناصب في الدّولة، وهي حقوق ضمنها الفصل 34 في فقرته الأولى، حيث قرّر أنّ «حقوق الانتخاب ولاقتراع والترّشح مضمونة طبق ما يضبطه القانون، وفي فقرته الثانية عمل نفس الفصل على أن «تعمل الدولة على ضمان تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة» وفي الفصل42 وتحديدا في فقرتيه الثانية والثالثة التزمت الدّولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، والعمل على دعمها، وذلك بأن تضمن الدّولة تكافؤ الفرص بين الرّجل والمرأة في تحمّل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات.

كسب معركة المعرفة

وبعيدا عن هذه السرديّة القانونيّة الدّافعة نحو تقليص الفجوة بين الجنسين عبر الدستور، وفي عود على بعض رموز الاستثناء التونسي، فحريّ بنا أن نذكر ما خاضته تونس لأجل كسب معركة المعرفة على اعتبارها المقوّم الرئيس لإرساء المساواة خارج الدّستور، بل في مجالها الحيويّ النّابض داخل المجتمع، فلقد دفعت تونس نحو إنتاج المعرفة، والأمثلة كثيرة على ذلك في مختلف المجالات، ومنها اليوم مرّشحنا لجائزة نوبل في الكيمياء، منجي باوندي، ولو عدنا إلى التّاريخ المعاصر، فإنّنا لا يمكن أن نلتفت عن أوّل طبيبة عربيّة مسلمة وهي الدكتورة توحيدة بن الشيخ والتّي بدأت تزاول مهنتها في تونس غداة حصولها على أوّل دكتوراه في الطب من فرنسا سنة 1936.
وتعتبر بشيرة بن مراد رائدة الحركة النسويّة، إذ أسّست أوّل اتحاد نسائي في سنة 1936 كذلك، مع نساء أخريات باسم «الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي» وظل الاتحاد ينشط بدون رخصة وفي ظروف قاسية إلى حدود سنة 1951 ولقد كانت مطلبيّة تعليم النساء في مقدمة نضالاته.
وتعدّ ميّة الجريبي أوّل امرأة تترّأس حزبا سياسيّا في تونس، ولقد عرفت بشراستها في النضال منذ الثمانينات. وفي مجال الأعمال، لا تكاد تخلو قائمة للتّتويج من فائزات تونسيّات في عوالم السيّاسة، والمال والأعمال، وكذلك النشاط السياسي والجمعياتي، في إشارة إلى مجال المبادرة الواسع والمفتوح أمام المرأة التونسيّة في إطار تكافئ الفرص بينها وبين الرّجل. ولقد برزت راضية النصراوي رئيسة الجمعية التونسية لمناهضة التعذيب، في إطار حقوق الإنسان والدفاع عن ضحايا التعذيب، وكشفت بجرأة عن تواصل عمليّات التعذيب في مراكز الاحتفاظ وفي السّجون، وتمّ ترشيحها لجائزة نوبل للسّلام.
وإن كانت هذه المقدّمة تبدو شعاراتيّة أكثر منها عاكسة لحقيقة الأرقام، ذلك أنّه وبرغم المكتسبات الهامة التي حظيت بها المرأة التونسيّة، فإنّ بعض المجالات تحتاج إلى سدّ الفجوة الجندريّة التي لازمتها، إذ نجد مثلا فقط 9.1 في المئة من مجمل رؤساء المؤسّسات المسجلين في الاتّحاد التونسي للصناعة والتّجارة والصناعات التقليدية من النّساء، ويعتبر وصولهن إلى مصادر التمويل أصعب بالمقارنة مع الرّجال، وما زالت نسبة انخراط النساء في النّقابات ضعيفة، كما أنّ حضورهن في هيئات القرار لا يتجاوز 9 في المئة داخل النّقابات الأساسية والمكاتب الجهويّة، كما أنّ النساء يشتغلن عادة في القطاع الفلاحي ضمن إطار العائلة، بدون أجر، وفي القطاع غير المنّظم، أو في المصانع والخدمات، في ظروف هشّة. كما أنّه و برغم أن 62 في المئة من طلبة الجامعات إناث ولكن في المقابل، فإنّ البطالة مرتفعة لدى النّساء 5.16 في المئة أكثر من الرّجال 9.61 في المئة، ما يبيّن أنّ المساواة ليست قضيّة نسويّة، بل قضيّة مجتمع وكرامة إنسانيّة لا يمكن معالجتها إلا في إطار مشروع سياسي حقوقي شامل يقع من خلاله تجاوز التّناقضات والتوتّرات بين المفاهيم الأساسية للحداثة السياسيّة.
فتقليص الفجوة الجندريّة، ينّمي الموارد البشريّة، ويضمن تكافؤ الفرص في مجالات العمل والإبداع، ويؤسّس لعقد اجتماعيّ وتشاركيّ.

استثناء تونسيّ

ويعتبر انتقاء رئيس الجمهوريّة التونسيّة قيس سعيّد نجلاء بودن على رأس الحكومة التونسيّة، مبعثا على الأمل في إرساء ثقافة المساواة في تقلد النّساء للمناصب العليا بالبلاد، في استثناء تونسيّ مجدّد على الصّعيدين العربي والإسلاميّ، وعلى نفس التصوّر الدستوري والحقوقيّ، وفي خضمّ توّفر الكفاءة النسائيّة التونسيّة أعلنت رئيسة الحكومة نجلاء بودن يوم الاثنين 11 تشرين الأول/أكتوبر 2021 عن تركيبة حكومتها، والتي شهدت تمثيلية واسعة للمرأة في دوائر القرار، فلقد شهدت حكومة بودن حضور 10 نساء من بين 26 عضوا بين وزراء وكتاب دولة وبذلك سجلت تمثيلية المرأة 38 في المئة، في حين سجلت حكومة المشيشي السّابقة تنصيب 8 نساء من بين 31 عضوا، وبذلك سّجلت تمثيليّة النّساء نسبة 26 في المئة، أمّا الحكومة التي أشرف عليها إلياس الفخفاح، فقد ضمت 6 نساء من بين 32 عضوا، أي بنسبة 19 في المئة، ولقد سجلت هذه التمثيليّة ارتياحا لدى غالبيّة فئات الشّعب التونسي ولدى عموم المهتمين بالشأن السياسي في الداخل والخارج، والملاحظ أنّ هذه المرّة الأولى التّي تسند للنساء فيها مثل هذه التمثيليّة التي قاربت المناصفة، في وضع صعب تعيشه البلاد وبعد تعاقب عشر حكومات على تونس منذ الثورة، بما خلفته تلك الحكومات من ملفات شائكة وقضايا راكدة وموروث تصعب إدارته من أفضل الساسة المحنكين، فهل هو انتقال سعيّد بالمعنى السياسي والسلطوي للتّأنيث بعد أن فشلت حكومات الذّكور؟ أم هو تفعيل لفصول دستوريّة وتعزيز لمكاسب النساء على أرض القرار إيمانا بنضالاتهنّ الطويلة، وبنجاحاتهنّ الثابتة، أم هو تلميع لصورة تونس أمام الدوائر الخارجيّة الأمميّة في وضع تحتاج فيه تونس لكلّ العلامات المستنيرة والإيجابيّة حتّى تخرج من مأزق ماليّتها المنخرمة، واقتصادها الهزيل، ونسبة نموّها الضعيفة؟
الواقع إنّنا نعتقد، وفي قراءة موضوعيّة للمشهد الحكومي المنصف في رأينا وليس المؤنث، أنّه قد آن الأوان لتفعيل نهج سارت عليه تونس كاختيار جمهوريّ ودستوريّ مدنيّ منذ استقلالها، وإن كانت المرأة فيه وفي عديد المراحل السياسيّة التي مرّت بالبلاد، موظفة بمكاسبها وإنجازاتها للتلميع ولتحقيق السّبق وللدّعاية الحزبيّة والسياسية بحضور محتشم في مختلف المواقع، فإنّها اليوم ومهما كانت دواعي هذا الحضور، تستعيد في رأينا مكانتها الدستوريّة والحقوقيّة كمواطنة فاعلة في لحظات عسيرة تعيشها البلاد، بل إنّنا نشكر لها قبولها بهذا التنصيب الذي هابته عديد الأسماء البارزة في عوالم السياسة والاقتصاد، ونحن على ثقة في أنّه مهما كانت دوافع هذه الاختيارات المقلصة للفجوة الجندريّة، فإنها سوف تعود بالنفع على البلاد. وأنّ هذه التجربة سوف تزداد نجاحا كلما ازدادت إيمانا بالكفاءة سواء كانت تلك الكفاءة مذكرة أو مؤنثة. فهل انتصر الجندر في مقابل سقوط آلة المحاصصات، وهل بإمكاننا التهليل لذلك الانتصار دون القضاء على الفجوة الجندريّة بالعمل على تغيير في البنى الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة التسلطيّة، التّي توّلد الاضطهاد والتمييز ليس ضدّ النساء فقط، بل ضدّ كلّ الفقراء والفئات الهشّة .
فالمساواة بين الجنسين تُنتج قيم الاحترام والتوافق، وتساهم في التنمية المستدامة المنشودة، وتزيد في مؤشر التّماسك المجتمعي وكذلك مؤشّر السّعادة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية