وهم الحل المفروض

حجم الخط
0

يدفع المأزق الذي علقت فيه المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية الكثيرين إلى التفكير ببدائل اخرى. ومثلما يحصل احيانا، فان اليأس كفيل بان يدفع حتى الناس المتوازنين والفهيمين لان يقعوا في الاوهام. وهكذا تطرح مجددا، في مقالات في وسائل الاعلام وفي الساحة السياسية، فكرة الحل المفروض من الخارج – من الولايات المتحدة، أو الامم المتحدة، أو ربما الاتحاد الاوروبي. حزب يتوخى أن يجتاز نسبة الحسم في الانتخابات القادمة نشر بيانا يدعو البرلمان الاوروبي – الهيئة التي يصعب عليها حل مشاكل اوروبا – لان يعترف من طرف واحد بدولة فلسطينية. ونال هذا التوجه تأييد أشخاص كثيرين، ولا سيما في مجالات الفن، بما في ذلك ثلاثة من كبار الكتاب في اسرائيل – والترفيه، ممن على ما يبدو ليسوا ضالعين في سياسة الاتحاد، وغير واعين لاخفاقات اوروبا الموحدة في قبرص، في البوسنه وفي كوسوفو، ولهذا يعتقدون بان من ستراسبورغ او بروكسل سيأتي الخلاص.
خطوات ميرتس هذه اشكالية سواء من ناحية اخلاقية أم من ناحية عملية. فهل المبادرين إلى التوجه سألوا أنفسهم اذا كانت معروفة حالة اخرى توجه فيها حزب برلماني في نظام ديمقراطي، لم ينجح في اقناع جمهور ناخبيه بتأييد مواقفه، لبرلمانات اجنبية بطلب المساعدة؟
ما الذي بالضبط يتوقعه اولئك الساعون إلى حل مفروض؟ هل يعتقدون حقا بان الرئيس الامريكي سيبعث بالجنود ليفرض حلا لا يقبله الاسرائيليون والفلسطينيون؟ أم لعلهم يتقدون بان براك اوباما وفلاديمير بوتين، اللذين لا ينجحان في الاتفاق في شؤونهما مثل اوكرانيا، سوريا وبضعة مواضيع هامشية اخرى – سيبلوران سياسة مشتركة في مسألة أين ستمر الحدود في القدس؟ فهل يعتقدون بأن قوة ارسالية امريكية – روسية، وربما بمساعدة جنود صينيين، سيخلون المستوطنات وسيحرصون على الأمن في الحرم او في البلدة القديمة في القدس؟ ان فكرة اقامة شيء ما يشبه نظام الانتداب البريطاني من جديد لا يناسب حقا القرن الـ 21.
الحقيقة القاسية والوحشية هي أنه لم تحل في أي مكان في العالم نزاعات بين حركات قومية من خلال الاكراه الخارجي. فالاكراه الخارجي يمكنه أن يوقف القتال الجاري – هكذا حصل في قبرص وفي البوسنة – ولكنه غير قادر على أن يحقق اتفاق سلام، او يفرض تطبيقه. ومنظومة دولية غير قادرة على حل مشاكل المدن المنقسمة مثل نيقوسيا في قبرص او ميتروبيتسا في كوسوفو، لن تتمكن من أن تحل مشكلة معقدة باضعاف مثل مشكلة القدس. اذا كان هناك حل فهو يوجد فقط في ايدي طرفي النزاع؛ واذا كانا غير جاهزين، او كانت الفجوات بينهما عميقة للغاية، فان اي جهة خارجية لن تتمكن من أن تحل مكانهما. وهذا صحيح بالتأكيد حين لا يكون النزاع اقليميا فقط، بل يرتبط بمسائل الشرعية، الروايات المتناقضة، الحقوق التاريخية، اللاجئين من هنا والاحتلال والمستوطنات من هناك، الجوانب الدينية المركبة والإرهاب الاجرامي.
ليس لطيفا الاعتراف، ولكن توجه ميرتس إلى البرلمان الاوروبي يذكر بقدر ما بمبادرة زعيم «بريت شالوم» (تحالف السلام)، يهودا لييف ماغنس، الذي في ضوء معارضة العرب لمشروع التقسيم وتدهور الوضع في البلاد، توجه في بداية 1948 إلى وزارة الخارجية الامريكية باقتراح لتدخل امريكي – بما فيه التدخل العسكري – لفرض شيء ما مشابه لنظام الوصاية الدولية على الطرفين الصقريين.
هذا التوجه المثير للشفقة الذي تم حين كانت الحاضرة اليهودية تكافح في سبيل حياتها وفي سبيل الفرصة التاريخية لاقامة دولة اليهود، قضت – وعن حق، على «تحالف السلام». ينبغي الامل الا يلحق بميرتس في حملة الانتخابات الحالية ضرر مشابه، لان له دور هام في المساعي لاقامة حكومة وسط – يسار بعد 17 اذار.
ان السبيل الوحيد للوصول إلى حل الدولتين للشعبين هو، بادىء ذي بدء، اقناع جمهور الناخبين في البلاد، وليس الهرب إلى الوهم الحلو المتمثل بحل مفروض من الخارج. ليس سهلا اقناع أغلبية الجمهور اليهودي في البلاد بقبول ما ينطوي عليه مثل هذا الحل: كثير من اولئك الذين يؤيدون حل الدولتين يترددون عندما تطرح مسائل صعبة حول مستقبل المستوطنات او وحدة القدس، ويهربون إلى الصياغات التي تسمع على نحو جميل، ولكن ليس فيها اساس في الواقع («تبادل الاراضي»، «عاصمة مشتركة للدولتين»، «القدس كمدينة مفتوحة»، «انعدام السيادة في الحوض المقدس»). ولكن البديل لذلك ليس جيش الامم المتحدة الذي يخلي المستوطنين أو يتصدى لإرهاب حماس والجهاد الإسلامي.
واضح أنه حتى لو قامت حكومة هرتسوغ – لفني، لن يتحقق بين عشية وضحاها اتفاق مع الفلسطينيين: مؤخرا باتت لفني هي الاخرى تميل لأن تفهم بان العائق ليس فقط سياسة حكومة نتنياهو، بل وايضا الرفض الفلسطيني العنيد للوصول إلى اتفاق. واستعدادها للاعتراف بذلك بعد سنوات ادعت فيها بأنه يمكن الوصول بسهولة إلى اتفاق نهائي («لا حاجة الا إلى الدخول إلى الغرفة»)، هو دليل على الاستقامة والواقعية: فالفوارق بين المواقف الاسرائيلية الأكثر اعتدالا والمواقف الفلسطينية الأكثر اعتدالا عميقة جدا، في كل مسألة من المسائل الجوهرية.
السبيل الوحيد لمواجهة هذه المعاضل هو تطوير سياسة لا تقل في الأوهام ومستعدة، في غياب احتمال حقيقي لحل شامل – لاتخاذ خطوات شجاعة جزئية نحو الحل: وقف تام للبناء في المستوطنات، حل فوري وناجع للبؤر الاستيطانية غير القانونية، الامتناع عن خطوات تصريحية استفزازية، استئناف الحوار مع الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، تغيير مكانة اجزاء من المناطق ج.
إذا ما استجيب لهذه الخطوات الجزئية بخطوات موازية من الطرف الفلسطيني يكون احتمال للتقدم نحو حل متفق عليه. وبالمقابل، اذا استمر الفلسطينيون في محاولاتهم لفرض حل من الخارج، من خلال التوجه إلى مؤسسات الامم المتحدة، يجدر بهم أن يعرفوا – هم ومؤيدوهم – بأنهم يقعون في وهم تاريخي مرير: فهم كفيلون بأن يلحقوا باسرائيل ضررا سياسيا واعلاميا جسيما، ولكن دولة فلسطينية لن تقوم كنتيجة لذلك.
دولة فلسطينية واتفاق سلام لن يقوما الا بالمفاوضات مع اسرائيل، ولهذا فمهم جدا أن تكون في اسرائيل حكومة مستعدة لخطوات كهذه. ليس صدفة هي أنه خلافا لاولئك الذين يعتقدون بانه يوجد احتمال لتسوية مفروضة، ترفض الادارة الامريكية الانجرار إلى مثل هذا الطريق: في واشنطن على ما يبدو يفهمون جيدا قيود القوة الامريكية ومبنى السياسة الدولية، اكثر مما تفهمها دوائر معينة في البلاد.
الحل لا يوجد الا في ايدي طرفي النزاع، وهذا يستدعي من كل المؤيدين لحل الدولتين للشعبين الا يقعوا في الاوهام وان يجتهدوا بكل قوتهم لاقناع جمهور الناخبين الاسرائيليين للسير بشكل واقعي نحو مثل هذا الحل، حتى اذا كان الطريق صعبا، معقدا وطويلا. في ايدينا الامر. هذه هي طبيعة الاستقلال، هذه هي طبيعة حق تقرير المصير الوطني، هذه هي طبيعة السيادة.

هآرتس 18/1/2015

شلومو افينري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية