انضم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مؤخراً إلى الألبوم المحترم للزعماء المرضى، الذين يضللون المحللين بمرضهم. في مقال نشره ستيفن كوك في موقع “فورن بوليسي” في بداية الشهر الحالي، وصف عدداً من أفلام الفيديو القصيرة المقلقة التي يستنتج منها أن أردوغان مريض، وهو وضع يلزم تركيا والولايات المتحدة ودول المنطقة بفحص إمكانية أن ليس باستطاعة رئيس تركيا قيادة الدولة أو التنافس في الانتخابات الرئاسية المتوقع إجراؤها في 2023.
شوهد أردوغان في الأفلام القصيرة وهو يستصعب السير وحده، ويستعين بزوجته أمينة، وهو يعاني من عدم التوازن أثناء زيارته لضريح أتاتورك، وظهر مشوشاً في الخطاب الذي ألقاه أمام رؤساء حزب “العدالة والتنمية”، بل ظهر أنه غفا أثناء ألقاء الخطاب. مقال كوك أثار عاصفة؛ فقد تم اقتباسه في وسائل الإعلام الدولية والتركية، وكتبت آلاف الكلمات عن “تركيا بعد أردوغان” ونشرت تقارير عن معركة وراثة حزب العدالة والتنمية التي أصبحت حديثاً يومياً.
مجلس الإعلام التركي الذي يملك مبنى من 27 طابقاً، تجند على الفور ونشر أفلاماً ظهر فيها أردوغان يلعب كرة السلة. في موازاة ذلك، اتهمت “جهات في محيطه” الغرب والولايات المتحدة وأعداء من الداخل، بالأساس حركة الواعظ الديني فتح الله غولن، بالمبادرة لهذا المقال بهدف تقويض استقرار النظام في تركيا. مع ذلك، لا وثيقة طبية تبدد ادعاءات حول مرض لم يتم عرضه على الجمهور. وفي هذا السياق، ليس من نافل القول التذكير بتقارير “موثوقة” تقوم على أسس سليمة أعلنت أن حسني مبارك مريض بسرطان البنكرياس وأن حياته قصيرة. يبدو أن هناك شخصاً أجري معجزة طبية للرئيس المصري، الأكثر إدهاشاً منذ أحيا المسيح الولد الميت.
لا يظهر أردوغان أي إشارة على الانسحاب المبكر أو نية عدم التنافس في الانتخابات القادمة. بصفته شخصاً أوتوقراطياً، جمع في يديه معظم صلاحيات الذراع التنفيذية وسيطر على البرلمان وتجنب حتى الآن تعيين نائب له. ألغى منصب رئيس الحكومة في إطار تعديل الدستور الذي حول النظام في تركيا إلى رئاسي. ولمنع صعود أي منافس محتمل، يقمع أعضاء البرلمان والشخصيات الرفيعة في الحزب الذين يطرحون الأسئلة حول السياسة، مثلما قمع وسائل الإعلام الحرة.
يرى أردوغان أن كل يوم يمر يعدّ حملة انتخابية. بعد خطابه أمام الجمعية العمومية في الأمم المتحدة في أيلول الماضي، وعد بتغيير قانون الانتخابات، بالأساس خفض نسبة الحسم من 10 في المئة (النسبة الأعلى في العالم) إلى 5 – 7 في المئة. ولكن من الجدير عدم نسيان هذا الوعد، وهو نية اتخاذ خطوات دمقرطة. وقد استهدفت خفض نسبة الحسم مساعدة شريكه في الائتلاف، الحزب الوطني الراديكالي ام.اتش.بي، الذي تتوقع له استطلاعات الرأي عدم اجتياز نسبة الحسم الحالية.
يعرف أردوغان استطلاعات الرأي العام الأخيرة التي بحسبها يتوقع أن يتلقى حزبه ضربة في الانتخابات على خلفية الأزمة الاقتصادية الشديدة التي خفضت قيمة الليرة التركية في الأسبوع الماضي إلى حضيض غير مسبوق، وتدخل تركيا في حرب سوريا ومواجهة معيبة لوباء كورونا. وهو سيجد صعوبة في تشكيل حكومة من حزب واحد، بالتالي تأتي الحاجة إلى تعزيز قاعدة دعم شريكه في الائتلاف.
في الوقت نفسه، يعزز أردوغان الخطاب الوطني عندما يهدد بعملية عسكرية جديدة في سوريا، وهو تهديد يهز أعصاب كبار شخصيات الإدارة الأمريكية والروسية. تصريحه “نصمم على تصفية التهديد الذي يأتي من سوريا، سواء بواسطة القوات الموجودة في المكان أو بواسطة قواتنا”، في أعقاب إطلاق الصواريخ على قافلة تركية عسكرية في شمال سوريا في 11 تشرين الأول الحالي. وهي الحادثة التي قتل فيها جنديان تركيان. أرسل الرئيس الأمريكي جو بايدن رسالة لرئيس الكونغرس قال فيها إن “عملية تركية في شمال سوريا ستقوض الحملة لهزيمة داعش وستواصل كونها تهديداً غير عادي للأمن القومي الأمريكي والسياسة الخارجية.
سمع أردوغان عن موقف فلادمير بوتين في 29 أيلول الماضي عندما التقيا في سوتشي. روسيا تعارض أي عملية عسكرية تركية في سوريا. وقد أوضحت ذلك عندما هاجمت طائراتها في أيلول قاعدة لمليشيا سورية تؤيد تركيا قرب مدينة عفرين التي احتلتها تركيا. ولكن أردوغان يواصل السير على حبل دقيق ويعزز صورته كزعيم وحيد يمكنه إحداث أزمات إقليمية لها تأثيرات دولية. في هذا الشهر، يتوقع أن يطلب من الرئيس الأمريكي شراء 40 طائرة “اف16” جديدة و80 منظومة لتحديث الطائرات التي بحوزة تركيا. الإدارة الأمريكية والكونغرس، اللتان تعارضان صفقات السلاح الكبيرة مع تركيا بسبب شراء صواريخ روسية مضادة للطائرات من نوع اس400، يتوقع أن ترفض هذا الطلب، أو على الأقل تعويقه. ولكن هذا القرار قد يجعل تركيا تعزز علاقاتها العسكرية مع روسيا أكثر. لعبة القوى العظمى التي يلعبها أردوغان توفر له ذخيرة سياسية مهمة يمكنه من خلالها تقديم نفسه في الساحة الداخلية كرجل دولة عظمى لا يمكن الاستغناء عنه. زعيم مريض وضعيف وعلى وشك الانسحاب؟ في الوقت الحالي لا.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 18/10/2021