لا نستطيع أن ننكر أن مقابلة رابعة الزيات في برنامج «شو القصة» مع المنتج التلفزيوني ورجل الأعمال والبرلماني السوري السابق محمد قبنض ممتعة، إلى حدّ القهقهة مرات.
تتعجّب لمسيرة رجل فرجة، تراه أمامك بالعين المجردة أمياً، من دون أي مجاز أو مبالغة، لا يلوي على كلام معقول، ولا على تجربة تغنيه عن التعلّم. كل ما هنالك، إنْ صدقَ في حديثه، أنه سلّم نفسه للظروف فساقتْه إلى الثراء، من شاب معدم مات أبوه باكراً، فتولى مسؤولية العائلة، عمل هنا وهناك (من دون أن يوحي كلامه بأنه بذل جهداً غير عادي) إلى أن وصل بريطانيا فأصبح صاحب عقارات ومطاعم ورابحاً في مزادات، قبل أن يعود إلى سوريا فيضع كل ما عنده في سلّة النظام، ثم يتولى مسؤولية إنتاج أعمال تلفزيونية بعقل لا يميّز ولا يعرف كيف يفكّ الخط أساساً، ومع ذلك يستطيع أن يضع السيناريو الذي يريد لمسلسل مثل «باب الحارة» فإذا خطرَ له أن يهدّ حارة الضبع لن يردّ له المخرج وفريق العمل طلباً، وبالطبع سيكون متحكماً بمصائر مخرجين وممثلين وكتاب سيناريو، ومن بعدهم ملايين المتفرجين.
مثل هذا سيصبح نائباً يصدح تحت قبة البرلمان، مطالِباً بالطبل والزمر لغةً رسمية لإعلام النظام. عندما يُسأل عن لغته الركيكة سيبدو فخوراً بأمّيته: «الناس اللي بسوريا ما بيعرفوا يقروا ويكتبوا ما بدهم نائب؟ أنا نائب الناس الفقرا..»!
مثل هذا سيصبح نائباً يصدح تحت قبة البرلمان، مطالِباً بالطبل والزمر لغةً رسمية لإعلام النظام. عندما تسأله الزيات عن لغته الركيكة (يبدو أنها أرادت أن تسأله عن أمّيته) سيبدو فخوراً بأمّيته: «الناس اللي بسوريا ما بيعرفوا يقروا ويكتبوا ما بدهم نائب؟ ما بدهم حدا يحكي باسمن؟ أنا نائب الناس الفقرا..».
ويبدو أنه أعجب بصدى العبارة الأخيرة في صدره، فراح يكررها، ويعيد. نعرف طبعاً أن لا سبيل إلى إفهامه أن الفقراء والأميين، ولأنهم كذلك، في حاجة إلى لسان وعقل فصيح أكثر من اللازم، لا لمن يذلّهم في مشهد تاريخي على مدخل غوطة دمشق بالهتاف لرئيسه مقابل سندويشة فلافل!
إنك تضحك حقاً وأنت تشاهد واحدة من مهازل هذه البلاد. تضحك، وتقول انظر من يتحكّم، وكيف يصلب الناس ساعات أمام شاشة التلفزيونية، ويشغل الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي والأقلام، والقضاء أحياناً.
«إنها حكاية، يحكيها (حقاً) معتوه».
تلخّص هذه الحلقة من «تريندنغ» على «بي بي سي» جزءاً من أزمة التعليم في مدارس مصر، والتي اشتعل الجدل حولها أخيراً إثر وفاة تلميذ على يد زملائه الطامحين إلى مقعد للجلوس. الجدل تحوّل إلى تهكّم من وزير التعليم في البلاد بعد إصداره قرارات من بينها منع التصوير في المدارس «حفاظاً على هيبة المؤسسات التعليمية». صيغة تذكّر بـ «إيهان نفسية الأمة» وربما بالوظيفة نفسها التي تؤديها العبارة، إذ لطالما استُخدمت «الوطنجية» لمنع الحديث عن مصائب تجهد الأنظمة ومؤسساتها لإخفائها تحت السجّادة.
تعرض «بي بي سي» صوراً انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي: تلاميذ يجلسون على الأرض في صفوف بلا مقاعد. آخرون استبدلوا خطأً العلم الفرنسي بالعلم المصري. الزحام الرهيب في المدارس، بحيث يصبح التباعد المطلوب في أزمة الكوفيد 19 حلماً بعيد المنال، كل هذا مقابل نقص كبير في أعداد المعلمين.
يحاول وزير التعليم المصري استثمار أصول النشر وحق الخصوصية، ولكن ليوظفها في الإساءة إلى حق الطفل في تعليم أفضل، وفي مقعد، ومدرسة، وفضاء أرحب، وحياة.
«تريندنغ» استعاد أيضاً جواب وزير التعليم طارق شوقي لإحدى القنوات المصرية: «هناك تركيز ممنهج لإعطاء صورة سلبية، أو إظهار المنظومة بشكل سلبي، لأن في ناس تعطّلت مصالحها تماماً بالتطوير»! بهذا التصريح يؤكد الوزير أننا أمام نموذج مكرر لطريقة تعاطي الاستبداد مع أزمات البلاد: ممنوع الاقتراب والتصوير، حذار نفسية الأمة، ومن تسوّل له نفسها الانتقاد هو مندسّ، أو متآمر كونيّ.
يحاول الوزير المصري استثمار أصول النشر وحق الخصوصية، وهي هنا في الغرب تقاليد راسخة، ولا يمكن حتى التقاط صورة المدرسة السنوية من دون موافقة الأهل، ولكن ليوظفها في الإساءة إلى حق الطفل في تعليم أفضل، وفي مقعد، ومدرسة، وفضاء أرحب، وحياة.
تتحدث الأخبار عن انسحاب نجوم مصريين الغاضب أثناء عرض الفيلم المصري «ريش» أخيراً في مهرجان «الجونة» السينمائي. شريف منير وأحمد رزق وأشرف عبد الباقي والمخرج عمر عبدالعزيز.. اعتبروا أن الفيلم يحتوي مشاهد لا تعكس حقيقة مصر. الفقر كما يظهر في الفيلم لا يعكس حقيقة المصريين!
هكذا يصبح الفيلم، الذي كان منذ حصوله الجائزة الكبرى لمسابقة أسبوع النقاد في مهرجان «كان» السينمائي الدولي مفخرة المصريين، إلى محلّ سخط بعض النخبة.
وأيّ فقر وقهر وذلّ وظلم لا يتوفر في العاصمة المقهورة!
هذه الغضبة أمام عمل فني ليست فريدة من نوعها، إنها مكررة على نحو متوقع ومملّ إزاء كل انتقاد حقيقي لواقع المدن العربية.
الفيلم الذي كان مفخرة المصريين بات محلّ سخط بعض النخبة، لأنه يعرض حقيقة الفقر في البلاد.
نتذكر عرضاً مسرحياً العام 2009 على مسرح العمال في دمشق، إخراج وكتابة بريطانيين (المخرج فيليب هاورد والكاتب ديفيد غريغ). حملت المسرحية عنوان «دمشق» وأثارت فزع بعض الحضور حينذاك، من بينهم مخرجون لامعون وأساتذة مسرح، لم يغفروا أن تقدّم دمشق على نحو سيىء، حسب زعمهم، على الرغم من افتتان العرض في جانب منه ببرتقال المدينة وأسواقها وألوانها، وتكراره مرة تلو مرة إعلان حبَّه لهذه المدينة.
لو ذهبتَ إلى كتابات وأحاديث هؤلاء لوجدتَ هجائيات لا ترحم بحق مدنهم وأحيائهم وحياتهم، لتجد في جعبهم هم من المظالم ما يكفي ويفيض، إنما ممنوع فقط أن تصدر عن غريب بحق مدينتهم.
إنها «الوطنجية» ذاتها، تلك التي تجعلهم هم أيضاً يحملون، على نحو ما، سيف «ممنوع الاقتراب والتصوير» خشية إيهان نفوسهم كما نفسية الأمة.
كاتب فلسطيني سوري