النظام الديمقراطي في تاريخنا العربي

حجم الخط
0

يحدثنا التاريخ عن دار قالوا إنها كانت بمكة سموها (دار الندوة) ونسبوها إلى جد قريش ومجمعها (قصي)، قالوا إن قريشا كانت إذا همت بأمر ما أو أرادت رأيا أو رغبت باتخاذ قرار اجتمعت في تلك الدار لتتدارس ذلك بغية التوصل إلى قرارها. فهي إذن مجلس يشبه المجالس التي كانت في مدن اليونان قديما وقد كونوها لتشكل حكومة المدينة المشرفة على شؤونها، المديرة لأمورها، الناظرة فيما يقع فيها من خصومات وخلاف.
ويذكر بعض أهل الاخبار أنه لم يكن يدخل تلك الدار من قريش إلا ابن أربعين سنة للمشورة لما كان قد قر في نفوس أكثر الناس من أهمية السن في تقديم الرأي ومن أن النضوج العقلي يبدأ في الأربعين من العمر، ولكنهم يذكرون أيضا أن قريشا كانت تتساهل في موضوع السن أحيانا فتسمح بمشاركة من هو دون الأربعين من العمر إذا كان الشخص معروفا بسداد الرأي.
وفي القرآن الكريم توجد لفظة (ملأ) بمعنى جماعة يجتمعون على رأي. وتعبر هذه اللفظة عن (الغالبية)، أي عن الرأي العام الغالب لمكان ما أو لجماعة من الجماعات، ومعنى ذلك اتخاذ أهل الرأي والحل والعقد من الملأ رأيا يكون ملزما للآخرين.
أما أهل الرأي والحل والعقد فهم السادة أصحاب الجاه والعقل والسن.
ولذلك كانوا يفضلون في أخذ رأي أصحاب العقل والخبرة وهم المتقدمون في السن في الغالب. ففي صغر السن، كما كانوا يرون، طيش وتسرع بينما البت في الأمور يحتاج إلى نضج وصبر وأناة وحلم، لهذا كان أكثر رجال (دار الندوة) من البالغين المتقدمين في السن.
وكانت العرب تحمد التأني في الرأي واختمار الفكرة وعدم التسرع والأخذ بالرأي والمشورة حتى لا يقع المرء في الخطأ والتهلكة. و(الرأي) هو النظر والتدبير والتفكير وقد قدمه العرب حتى على الشجاعة فجعلوه قبلها لأن الشجاعة لا تنجح ما لم يكن للشجاع رأي ونظر في كيفية التغلب على الخصم وبهذا يقول الشاعر العربي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
وقد كرهت العرب مشاورة من اعترته الشواغل وألمت به النوازل مع وفور عقله وحزمه، فقال قس بن ساعدة لابنه «لا تشاور مشغولا وإنْ كان حازما ولا جائعا وإنْ كان فهما ولا مذعورا وإنْ كان ناصحا ولا مهموما وإنْ كان عاقلا فالهم يعقل العقل فلا يتولد منه رأي ولا تصدق به روية».
وكانت للمدن الأخرى أيضا دور ندوات يستشيرون فيها ذوي الحل والعقد، وكذلك كانت تفعل القبائل فقد كان سيد القبيلة يطلب من وجوه قبيلته إبداء رأيهم في القضايا المهمة من الحرب والسلم، وكان سادة كل قبيلة يجتمعون للنظر في اختيار رئيس إذا مات وليس له وريث أو وقع خلاف بين أعضاء بيت الرئيس على الرئاسة.
ونجد مثل هذه المجالس عند جميع القبائل فإذا حدث للقبيلة حادث تجمع سادتها للتباحث في الأمر ولاتخاذ ما يرون اتخاذه من رأي، وفي هذا يقول الشاعر:
فقلدوا أمركم لله دركمو رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ولا إذا عض مكروه به خشعا
وفي القرآن الكريم نجد تأييدا لموضوع الشورى الذي هو أساس التفكير الديمقراطي وذلك في سورة الشورى (أمرهم شورى بينهم ) والآية من آل عمران (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر).

د. فـؤاد حـداد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية