قمّة الجفون المغمضة.. والتثاؤب المُعدي
قمّة الجفون المغمضة.. والتثاؤب المُعدي لم تختلف قمّة الخرطوم عن أخواتها في التعبير عن العجز العربي وتمادي الأنظمة في التنكّر للشعوب العربيّة وقضاياها المصيريّة. ولكنّها تميّزت بحضور أجساد مجْهدة منْهكة. فقد بدا أمير وهو يتثاءب تثاؤبا طويلا جـــــدّا ولا يستر فمه بيده.. وبدا زعيم وهو يكتم تثاؤبا يلحّ عليه، ويغالب نعاسا يلازمه ويَشِي بعيْنيْه من تحــــــت نظّارة ذكيّة سوداء لا تشـــــفّ عمّا وراءها.. وبدا رئيس تزاهد الرئاسةَ أخيرا ضَجِرا قلقا، فجعل يدحرج رأسه بين كفّيه حيــــــنا وينظر إلي ساعته حينا، والله أعلم بما كان يقول في نفسه. وأبدي رئيسُ حكومة مثّل رئيسه الغائب يقظةً نادرة، ثمّ لم يلبث أنْ ملأ كفّه بخدّه. وكأنّ النوم هجم عليه فرأيناه يمضع بسرعة عجيبة، ويزدرد شيئا أظّنه شكلاطة تطرْد النوم ، فهذه طريقة معروفة عندنا في شمال إفريقيا. ونامَ ممثّلا ملِكين غائبين بهدوء وطمأنينة، إلاّ أنّ أحدهما كان أعمق نوما… لقد كانت قمّة الخرطوم قمّة الجفون المغمضة .. أغمَــــــضوا جفونهم لتقـــــتحم ديارَنا العجمُ والعلوجُ وكلُّ البرامج الاستعماريّة، حتّي الضيف اليقـــظ رأيناه يغمض عينيه ايضا.. ولا ندري هل كان ذلك من الــــعدوي؟ ولمّا تكلّم استيقظت جوارحه وعلا صوته فتنشّط من كان نائما.. وهذا مــــن العجب: لماذا ينام الزعيم العربي كلّما تكلّم نظيره العربي، فإذا تكلّم الأجنبي استيقظ؟ وأعجب من هذا كلّه أنّ زعيما قديما يُوصف بالمهمّ والكبير وبما شئتَ من أوصاف التعظيم غاب عن القمّة. ودافع عنه أحد الرسميّين في برنامج ليلي في فضائيّة عربيّة معروفة فقال: إنّ الرئيس منكبّ علي قضايا داخليّة تتعلّق بحزبه الوطني. وأشهدُ علي نفسي أنّني صدّقته لسلامة نيّتي أو سذاجتي أو لأخدع نفسي. فلمّا أصبح الصبح، والقمّة معقودةٌ، أخبرتنا فضائيّات عربيّة أنّ الرئيس الذي غاب عن القمّة جمع متاعه وطار إلي حدود بلده الغربيّة البعيدة، ليرْقب كسوف الشمس مع ستّين ألف سائح وكثيرٍ من أهل البلد لا نعرف عددهم، لأنّه لا يُحصي بدقّة في أوطاننا إلاّ الأجانب. ولقد ظننتُ بسلامة نيّةٍ أنّه سيمنع الشمس من الكسوف لتظلّ مشرقة علي الوطن العربيّ؛ وظننتُ أنّ الزعيم القائد المعلّم الخبير الرياضيّ ينبغي أنْ يكون فلكيّا ليكون إنسانا كاملا؛ وظننتُ أيضا أنّه يريد أنْ يشاهد حدثا نادرا يخشي أنْ لا يشهد مثيله الذي سيكون سنة 2027م؛ وظننتُ أنّ الانكباب علي همّ التوريث يُورِث إرهاقا لا يروّحُ منه إلاّ المشاهدُ النادرة؛ وظننت أنّ من أغمض جفنيه عن مصالح أمّة خائفة ادَّخَرَ عينيْه ليتسلّي بشمس كاسفة.. وكما تشرق الشمس بعد غيابها، تستفيقُ الأمّة بعد خوفها. وللجفون المغمضة الكسوف. عبدالله المؤدّب تونس6