هل يعيش تحالف المعارضة التركية صراعاً داخلياً مبكراً حول مرشح الرئاسة المقبل؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول-“القدس العربي”: تنتعش آمال المعارضة التركية بدرجة كبيرة بالفوز في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة بسبب ما ترى أنه تراجع في حظوظ حزب العدالة والتنمية الحاكم متأثراً بالظروف السياسية والاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها البلاد لا سيما الآثار الاقتصادية الصعبة لجائحة كورونا والانخفاض التاريخي في قيمة الليرة التركية وهو ما خلف ضغوطا اقتصادية قاسية على شريحة كبيرة من المواطنين.
ومع انتعاش هذه الآمال، تتزايد جدية تحالف المعارضة في حسابات الانتخابات المقبلة التي بات يؤمن أنه قادر على الفوز فيها بعد سلسلة انتخابات كان يتم خلالها اختيار المرشح دون حسابات معقدة لعدم وجود آمال واقعية بالفوز وهو ما كان يعتبر بمثابة مرشح شكلي أو برتوكولي للبقاء في دائرة المنافسة مع الفرصة شبه المعدومة للفوز بالانتخابات التي كان أردوغان يجتازها بسهولة وبحظوظ شبه مضمونة، وهي معطيات تغيرت إلى درجة كبيرة ولن تكون كذلك في الانتخابات المقبلة المقررة في منتصف عام 2023 وتضغط المعارضة لإجرائها بشكل مبكر.

فالمعارضة نجحت في إعادة ترتيب صفوفها وتطوير خطابها السياسي والإعلامي واستطاعت تشكيل تحالف مهم تحت اسم “تحالف الأمة” ضم حزبي الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة وحزب الجيد الصاعد ويتلقى دعماً غير معلن من حزب الشعوب الديمقراطي أكبر حزب كردي في البلاد، كما يسعى تحالف المعارضة لضم مجموعة جديدة من الأحزاب الصغيرة لتعزيز فرصه بالفوز.
فرص الفوز هذه والتي كانت شبه معدومة في الانتخابات المتتالية التي جرت منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2003 لم تعد كذلك مؤخراً، حيث شكل فوز المعارضة بانتخابات رئاسة عدد من البلديات الكبرى في انتخابات 2019 ومنها بلديات إسطنبول وأنقرة وأنطاليا وغيرها صفحة جديدة في الحياة السياسية التركية وأعطت دافعاً كبيراً للمعارضة التي اكتسب ثقة افتقدتها على مدار عقدين من الزمن وباتت تؤمن بأنها قادرة من خلال “تحالف الأمة” على الفوز في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.

تحالف “الأمة” الذي يسعى لتقديم مرشح توافقي قوي قادر مواجهة أردوغان المرشح المحسوم مسبقاً لـ”تحالف الجمهور” لم ينجح حتى اليوم في تحديد مرشحه للانتخابات التي تصفها كافة الأحزاب السياسية التركية بأنها الأهم منذ أكثر من 20 عاماً، حيث بات يظهر تنافس كبير داخل التحالف حيث يسعى عدد من الشخصيات لتصدر المشهد بعضها لم يكن يقبل سابقاً خوض المواجهة لانعدام فرص الفوز لكنه اليوم ينافس بقوة على ذلك.
وبينما يرى مراقبون أن مؤشرات تنافس وربما خلافات وصعوبات تواجه التحالف في تحديد المرشح، تقول مصادر في المعارضة إن التحالف لا يرغب في الكشف المبكر عن اسم مرشحه للانتخابات المقبلة خشية من أن يكون أمام إعلام الحكومة والحزب الحاكم مساحة زمنية واسعة لتقليل فرصة بالفوز حيث تتهم المعارضة الحكومة بالسيطرة على أكثر من 80 بالمئة من وسائل الإعلام التقليدية.
لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود تنافس شديد وربما خلافات داخل أطر الحلف لم تظهر بعد حول المرشح المتوقع للانتخابات الرئاسية المقبلة، فزعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو الذي تهرب من خوض أي انتخابات بشكل مباشر منذ وصوله لرئاسة الحزب قبيل 11 عاماً يبدو اليوم مستعداً بقوة لخوض المحاولة بعدما شعر بأن فرصه اليوم أقوى من أي وقت مضى.
وفي السنوات الأخيرة، طور كليتشدار أوغلو من خطابه السياسي وكثف حراكه الحزبي والسياسي والشعبي حتى بات الحزب الحاكم يتهمه بالتصرف وكأنه “رئيس البلاد”، وفي الأسابيع الأخيرة لم يغادر كليتشدار أوغلو الشارع، متجولاً بين المحافظات التركية الـ81 مستمعاً لمشاكل المواطنين وينشر مقاطع فيديو بشكل منتظم يخاطب فيها كافة شرائح المجتمع ويقدم وعود وخطط عمل الحزب عقب فوزه المفترض للانتخابات، وهو ما دفع الكثير من المراقبين للتكهن بأن كليتشدار أوغلو اتخذ قراراً حاسماً بخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.
كليتشدار أوغلو الذي ما زال يرفض تأكيد أو نفي هذه التكهنات، كان قد ألمح أكثر من مرة إلى استعداده لخوض الانتخابات الرئاسية وقبل أسابيع في كلمة له أمام الجمعية العامة للبرلمان التركي، هتف نواب حزب الشعب الجمهوري لزعيم الحزب لحثه على الترشح لمواجهة أردوغان في الانتخابات المقبلة، قبل أن يرد عليهم “ومن أين تعلمون إن كنت سوف أترشح أم لا”. وعقب ذلك قال كليتشدار أوغلو إنه مستعد وجاهز لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة “في حال طلب تحالف الأمة منه ذلك”.

وبالتوازي مع نشاط كليتشدار أوغلو الواضح نحو الرئاسة، يظهر أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول عن الحزب نفسه وكأنه في سباق مع زعيم الحزب على نيل الترشيح للانتخابات الرئاسية، حيث يُتهم إمام أوغلو الطامح للرئاسة بتجاهل مهامه كرئيس لبلدية إسطنبول وبأنه يمارس الأنشطة السياسية ويجهز نفسه للانتخابات الرئاسية.

ومنذ أشهر، يقوم إمام أوغلو بجولات سياسية داخلية وخارجية، حيث زار العديد من الدول ومنها اليونان مفجراً جدلاً سياسياً كبيراً في الداخل التركي، كما يقوم بجولات في الأحياء والأسواق بمحافظات تركية مختلفة ويعقد لقاءات سياسية مع قادة الأحزاب السياسية ويلتقي شخصيات سياسية مختلفة وخاصة زعماء حزب الشعوب الديمقراطي الكردي حيث يعتقد أنه يسعى للحصول على أصوات الحزب في حال خوضه الانتخابات الرئاسية وهي الأصوات التي كانت حاسمة في إيصاله لرئاسة بلدية إسطنبول.

كما أن الغموض ما زال يلف إعلان ميرال أقشينار زعيمة حزب الجيد أنها لن تكون مرشحة للانتخابات الرئاسية المقبلة، مؤكدة أنها ستكون مرشحة لمنصب رئيس الوزراء الذي ألغي بموجب النظام الرئاسي الجديد، في إشارة إلى أنها تعمل ضمن خطة لدعم فوز تحالف المعارضة بالانتخابات المقبلة مقابل تغيير نظام الحكم لاحقاً وتقديم نفسها كمرشح أبرز لرئاسة الوزراء، وهو سيناريو معقد يمكن أن يزيد من صعوبة الحسابات السياسية بين أقطاب تحالف المعارضة.

وإلى حين إقرار انتخابات مبكرة، أو اقتراب موعد الانتخابات الأصلي منتصف 2023 سوف يتضح تدريجياً مدى تماسك المعارضة أو فشلها في تقديم مرشح موحد سواء من داخل أطر حزب الشعب الجمهوري أو مرشح توافقي مع الأحزاب الأخرى ومدى انصياع جميع الطامحين للمنافسة بهذا القرار، وهو ما من شأنه إعطاء مؤشرات أوضح حول مدى حظوظ هذا المرشح في منافسة أردوغان بالانتخابات الأكثر تعقيداً منذ أكثر من عقدين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية