العراق بعد 3 أعوام من الغزو الأمريكي: إعادة إعمار… أم مزيد من الدمار؟
البلد صاحب أكبر احتياطي بترول في العالم يعاني من أزمة نفط خانقة… أين ذهبت مليارات الشعب العراقي؟تنافس سياسي علي وزارة النفط وعمليات اغتيال بالبصرة مرتبطة بتهريبه في اطار سرقة منظمةالعراق بعد 3 أعوام من الغزو الأمريكي: إعادة إعمار… أم مزيد من الدمار؟د. أيمن الهاشميہ كما ان (الاحتلال) و(الحرية) لا يجتمعان، فالاحتلال والنزاهة ايضا علي طرفي نقيض، فجميع ما ادعاه الاحتلال في العراق جاء زائفاً، بدءاً من ذرائع الحرب، ومروراً بوعوده وتبريراته لاعماله التي استبدلت ظلما بظلم، ولن يخرج من رحم الاحتلال وحلوله المطروحة، الا وضع يديم مصالح الاحتلال ويغطي علي جرائمه، وتجاوزاته علي سيادة العراق ومقدراته. ومنذ حلت كارثة غزو العراق، وما نجم عنها من تفكيك وتخريب لدولة العراق، ونهب وتدمير للممتلكات الحكومية أمام أعين الغزاة ورضاهم، ومن ثم تسارع ميليشيات (الأحزاب المناضلة) في نهب ما تبقي من ممتلكات دولة العراق وتهريبها للخارج، والعراق يعيش في محنة الاحتلال ومأساة النهب المنظم لثروات البلاد. أما ما أسموه بـ(إعادة إعمار العراق وتخصيص المليارات من الدولارات من أمريكا ومن الدول المانحة لإعمار العراق) فقد تبين أنها كذبة كبيرة وصفقة سرقة كبري، إذ حصر توقيع العقود مع شركات أمريكية لها صلة وثيقة بأركان الحكومة الامريكية، ولم ير العراقيون لحد اليوم وبعد 3 سنوات من الاحتلال، شيئا إسمه إعادة إعمار العراق، فالخدمات علي حالها السيء، بل من سيء الي أسوأ، والعراق صاحب أكبر احتياطي نفطي في العالم صار يعيش أزمة وقود خانقة لا بنزين ولا نفط ولا كهرباء، وصار يستورد البترول من دول الجوار في صفقات طفح عليها الفساد والشبهات!أما أموال العراق المحجوزة لدي الأمم المتحدة والبالغة بحدود الـ 20 مليار دولار في (ما يسمي صندوق إدارة موارد العراق النفطية) فقد تعرضت لأكبر عملية نصب وفساد من أطراف عديدة، والأمم المتحدة تتكتم علي نشر وثائق هذه الفضائح، كما أن سلطة بريمر تصرفت بعوائد البترول وباعته بأثمان بخسة لصالح شركات معينة وإلي حد رحيل بريمر (أو بالأحري هروبه من العراق) لم تكشف سلطة الاحتلال أية معلومات عن موارد النفط وأين تصرفت بها؟في تقرير نشرته صحيفة امريكية مؤخرا ان البيت الابيض صرف لحد الآن أكثر من عشرة مليارات دولار لإعادة إعمار العراق؟ فأين صرفت هذه المبالغ؟ كما أن هناك مليارات الدولارات صودرت من بنوك مختلفة في أنحاء العالم بذريعة أنها أرصدة (النظام السابق)… ولكن أين ذهبت هذه المليارات؟ الأخبار المؤكدة من وزارة النفط العراقية أن حصيلة مبيعات النفط العراقي من ايار (مايو) 2003 إلي ايار (مايو) 2004 بلغت (12) مليار دولار لم تتلق الحكومة العراقية الانتقالية منها شيئا. يضاف الي ذلك ملايين الدولارات التي (نهبتها) مليشيات الأحزاب العراقية التي قدمت مع الغزاة من البنك المركزي العراقي وباقي المصارف العراقية، ولا أحد يعلم أين مصيرها، وأين مصير عشرات ألوف السيارات الحكومية التي سيطرت عليها تلك المليشيات ونقلت جزءها الأكبر الي إيران وشمال العراق. لقد تعرض العراق منذ 9 نيسان (ابريل) 2003 ولحد الآن الي أكبر عملية نهب وسطو في التاريخ، والمطلوب من حكومة الدكتور إياد علاوي أن تكون جريئة في كشف كل الحقائق أمام الشعب العراقي وأمام العالم وتقدم المسؤولين عن تلك الجرائم الي العدالة.منظمة الشفافية الدولية:إعادة إعمار العراق أكبر أكذوبة في التاريخمؤخرا أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها السنوي عن (مؤشر مدركات الفساد في العالم لعام 2005)، في 158 دولة، وقد احتل العراق المحتل مرتبة متقدمة بين أكثر البلدان فسادا. الأمر الأكثر خطورة هو ما اشتمله التقرير من إفراد جزء كبير لموضوع (الفساد في العراق في ظل الاحتلال)، وتفشي الفساد في عقود ما تسمي بإعادة إعمار العراق والعقود البترولية.. فقد حذرت منظمة الشفافية الدولية في تقريرها السنوي من أن عملية إعادة إعمار العراق يمكن أن تتحول إلي أكبر فضيحة فساد في التاريخ !!. وقالت المنظمة إن هناك خطوات رئيسية يجب أن تتخذ بصورة عاجلة قبل أن يتحول الفساد المحيط بالعملية إلي وباء لا يمكن التخلص منه. وقال التقرير إن هناك دلائل علي وجود فساد علي مستوي عال في عراق ما بعد الحرب. وحثت المنظمة الدول المانحة وقوات التحالف علي أن تكون أكثر حزما في التعامل مع تلك الظاهرة. وقالت إن المقاولين الدوليين العاملين في العراق لا يلتزمون بقوانين منع انتشار الفساد، وإن ادارة ريع النفط العراقي يجب أن تكون أكثر شفافية وأن تخضع للمحاسبة. وقال التقرير إن خطوات جادة يجب أن تتخذ حيال ذلك الموضوع قبل أن تبدأ الأموال الحقيقية في التدفق علي العراق ، حيث أن معظم الدول المانحة (أو الواعدة بمنح العراق مساعدات لإعادة الإعمار) تتردد في تقديم الأموال الحقيقية بسبب التخوف من تفشي الفساد الإداري.. وقال التقرير إن العراق فشل في الاستفادة من دروس إعادة الإعمار في كل من كمبوديا والكونغو وأفغانستان. وأضاف التقرير العالمي أن وجود حكومة ضعيفة وسوق سوداء وميراث من السلطوية تعد توليفة خطيرة جدا بالنسبة لانتعاش الفساد . كما أكد التقرير انتعاش الرشوة علي كافة المستويات منذ غزو العراق واعترف بعض المقاولين وبعض موظفي الوزارات بوجود الفساد بين ظهرانيهم. وانتقد التقرير سياسة الولايات المتحدة في منح عقود الاستثمار في العراق، ووصفها بأنها سرية ومنحازة لبعض الشركات الكبري. وتتفق منظمة الشفافية الدولية مع بعض هيئات الأمم المتحدة مثل الهيئة الاستشارية الدولية للأمم المتحدة التي سبق أن قالت في تقرير لها صدر في كانون الاول (ديسمبر) الماضي إن الولايات المتحدة أعطت عقودا للاستثمار في مجال النفط لشركة هاليبرتون وشركات أخري دون إجراء مناقصة. وكانت الإجراءات التي حاولت الحكومة العراقية بما فيها سن قوانين جديدة قد فشلت في منع انتشار الفساد في العراق. ويؤكد التقرير علي استمرار الفساد في العراق، ويقول إنه يهدد التنمية والتقدم في البلاد التي تعاني منه.2 بالمئة فقط لإعمار العراق !!أعلن البيت الأبيض أنه صرف 2% فقط من مبلغ 18.4 مليار دولار الذي رصدته الولايات المتحدة عام 2003 لإعادة إعمار العراق. وأوضح تقرير وضعته أجهزة الموازنة في البيت الأبيض أن 366 مليون دولار صرفت بتاريخ 22 حزيران (يونيو) الماضي من أصل المبلغ الكامل الذي تسلمه صندوق مساعدة العراق وإعادة إعماره . لكن التقرير اعتبر أن جهود إعادة الإعمار تتقدم. وقال التقرير إن عمليات إعادة الإعمار تعرقلت بسبب استمرار العنف الذي تميز باعتداءات وخطف أجانب. وكان من المفترض أن يستخدم هذا المبلغ لتأهيل القوات المسلحة العراقية وقوات الشرطة والمساعدة في إعادة إعمار البني التحتية المهدمة أو المتضررة خلال الحرب التي بدأت في آذار (مارس) 2003، وتحسين الخدمات في مجالات الصحة والطاقة والاتصالات. وتوقعت الإدارة الأمريكية في تقرير سابق صرف أكثر من عشرة مليارات دولار حتي الثلاثين من حزيران (يونيو) المنصرم. ليس في نية أمريكا إعادة إعمار العراقأما (بول بروغمان) فقد كتب مقالة في نيويورك تايمز 25/1/2006 تحت عنوان (سراب إعادة إعمار العراق) قال فيها: بالرغم من الوعود المتفائلة للإدارة الأمريكية ببذل كافة الجهود لإعادة إعمار العراق ووضع برنامج شبيه بخطة مارشال، إلا أنها ما زالت تتردد في طلب المزيد من المال من أجل استكمال إعمار العراق. والأدهي من ذلك أن المسؤولين الأمريكيين اليوم منكبون، حسب تقرير آخر أوردته لوس أنجلوس تايمز ، علي إسداء النصائح التافهة للعراقيين، حيث صرح المستشار الاقتصادي في السفارة الأمريكية قائلا إن العالم يتطلب قدرات تنافسية عالية وأضاف مسؤول آخر لا عناء، لا ربح واستطرد أحدهم لم يكن في نيتنا أبدا إعادة إعمار العراق . وقد علق وزير الكهرباء العراقي محسن شلاش بأنه لا يعلق آمالا عريضة علي المساعدات الأمريكية للنهوض ببلاده، حيث قال لقد انتهت المساعدات الأمريكية، وهي لم تكن فعالة في كل الأحوال . ونظرا لفشل المسؤولين الأمريكيين في إعادة بناء القطاع النفطي أقر وزير النفط العراقي بأن الحكومة أصبحت عاجزة عن توفير الموارد الضرورية لإقامة محطات توليد الطاقة وإمداد المدن العراقية بحاجياتها من الكهرباء. بوش يقرر وقف عملية إعادة إعمار العراقالسيد جورج بوش اعلن في خطاب مؤخرا غلق ملف إعادة إعمار العراق، بسبب التكلفة الباهظة لحرب الولايات المتحدة في العراق، وكانت الولايات المتحدة قد وعدت الشعب العراقي وحكوماته الانتقالية عبر مؤتمرات إعادة الاعمار باعادة ما دمرته بأيديها من خلال الحصار والاحتلال واستقدامها الارهاب للاراضي العراقية لمنازلته بعيدا عن أراضيها، ويعتقد السيد بوش وثلة من مستشاريه أنهم استطاعوا من خلال خطابه الاسبوعي أن يرموا الكرة في ملعب الدول المانحة لانها لم تسلم ما يقارب 13 ملياراً الي العراق وجعلوا من ذلك العقبة في مواصلة برنامج الاعمار، في الوقت الذي استأثرت فيه الشركات الامريكية بأغلبية العقود وخاصة شركات هاليبرتون التابعة لتشيني نائب الرئيس. وعلي ضوء تلك السياسات ساد التردد وعدم الثقة لدي العديد من الدول المانحة التي فضلت التريث بعدما تكشفت فضائح العقود الوهمية للسيد بريمر التي أخفت أكثر من 18مليار دولار من صندوق العراق الاحتياطي وما تبعها من فضائح للمسؤولين العراقين المتهمين بالفساد والتي تقدر بمليارات الدولارات أيضاً، مستغلين فوضي المحاصصة الطائفية السياسية البغيضة ليجنوا علي حساب الشعب العراقي ثروات طائلة من خلال العمولات والتسهيلات والرشاوي والتحايل والسرقات والاعمال الغير مشروعة. وتبين الممارسات اليومية للمحتلين في مختلف الاصعدة والنشاطات السياسية والاقتصادية بأنهم يمارسون النشاطات الطفيلية التي يعتاشون فيها علي حساب الام وامال الشعب العراقي ويحاولون جهد الامكان تكريس الطائفية والمحاصصة البغيضة، والذي يقرأ بإمعان الشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمتعلقة برفع أسعار المحروقات في العراق مقابل جدولة الديون وما سبقها من خصخصة إجبارية لقطاع الدولة وبيع مؤسساته بأثمان زهيدة وغيرها من الاجراءات الاقتصادية التي صبت في تشجيع النشاط الطفيلي للبرجوازية الطفيلية والبروقراطية يفهم بشكل لا يقبل الشك بأنه لا توجد لدي الولايات المتحدة في الوقت الراهن ولا في العشر سنوات المقبلة النية في إعادة إعمار العراق وإعادة البنية التحتية للاقتصاد العراقي المستقل نسبيا، وتظهر التقارير حول الصناعة النفطية العراقية التي تشكل عصب الاقتصاد العراقي بأنها تعاني من تدني للانتاج وإهدار غير معقول بسبب الخسائر التي تقدر بمئات ملايين الدولارات وتظهر الدراسات الاولية المتعلقة بالقطاع النفطي بأنه لم يتوصل الي كمية الانتاج التي كان ينتجها العراق قبل الاحتلال، فأنتج العراق من النفط في كانون الاول (ديسمبر) 2005 كمية متواضعة بلغت 1.9 مليون برميل يوميا في المتوسط وذلك بحسب أحدث تقرير عن البلاد أعدته وكالة معلومات الطاقة الحكومية الامريكية. ويقل هذا المعدل كثيرا عن الرقم المسجل في كانون الثاني (يناير) 2003 وقدره 3.2 مليون برميل قبل الاحتلال. وكما يقل الرقم المسجل في كانون الاول (ديسمبر) كثيرا أيضا عن مستوي الانتاج المسجل قبل الغزو العراقي للكويت واحتلاله لها لمدة 7 أشهر والذي قاد إلي حرب الخليج عام 1991 إذ اقترب حينئذ من 5.3 مليون برميل يوميا.المتعاقدون الأمريكيون بدأوا يغادرونالعراق مع توقف التمويل من واشنطن: وفي ظل تخبط الإدارة الأمريكية في جهود إعادة الإعمار، فضلا عن قرارها مغادرة العراق والتخلي عن مسؤولياتها، يبدو جليا أن الحكومة الأمريكية لا تمتلك أية خطة استراتيجية، وأن كل ما يهمها هو تحقيق مكاسب سياسية آنية، في الوقت الذي تغوص فيه امريكا والعراق في مستنقع الفشل والفوضي يستعد المتعاقدون الأمريكيون من القطاع الخاص لمغادرة العراق مع نفاد الأموال الأمريكية واستلام الوزارات العراقية لزمام إعادة البناء.وذكرت صحيفة واشنطن تايمز 23/1/2006 أن نائب رئيس شركة فلور غورب للشؤون الإستراتيجية كين أوسكار أعلن أن شركته ستصفي أعمالها في العراق قريبا مع أنها لم تحقق ما كانت تطمح إليه، مما سيؤدي إلي تسريح المزيد من العراقيين الذين سينضمون إلي المواطنين العاطلين عن العمل. وطبقا لصحيفة واشنطن تايمز ، فقد كان يعمل في الشركة العملاقة في مجال الهندسة والبناء ما بين 250 و300 أمريكي في العراق فضلا عن 20 ألف عراقي. أما الآن وبعد أن شارفت أعمال البناء التي تمولها الولايات المتحدة علي الانتهاء، فإن عدد العاملين الأمريكيين لدي شركة فلور غورب في العراق قد تراجع إلي 100، إضافة إلي أن آلاف العراقيين بدأوا يفقدون وظائفهم في الشركة. وأشارت الصحيفة أنه من المقرر أن يتم استكمال معظم المشاريع الممولة أمريكيا في العراق مع نهاية العام الحالي، في الوقت الذي لا يبدو فيه أن المزيد من هذه الأموال سيتم ضخها مجددا. كما أن الوزارات العراقية التي ستتحمل أعباء إعادة البناء تنوي تقديم عقود صغيرة قد لا تحفز الشركات الأمريكية الكبيرة للحصول عليها. ويقول الكولونيل المتقاعد بول هيوز من المعهد الأمريكي للسلام إنه بات من الواضح أن الكونغرس لن يقر أموالا جديدة للعراق وعلي الشركات الكبيرة أن تتطلع إلي مصادر أخري للتمويل من المجتمع الدولي.ويقول البنك الدولي إن استعادة البني التحتية في العراق قد تستلزم 56 مليار دولار، قدمت الولايات المتحدة منها 18.7 ملياراً ذهب معظمها إلي مشاريع محددة.وتعهدت الدول المانحة الأخري بتوفير مبلغ 13.5 مليار دولار للعراق، إلا أن عددا قليلا من الدول تنوي الوفاء بتعهداتها مع تزايد حدة العمليات المسلحة وعدم الاستقرار في البلاد.مفتش إعادة الإعمار يقربفضائح اختلاسات وهدر أموال عراقية:المفتش الخاص لاعادة اعمار العراق (SIGRI) جاء في تقريره الأخير معلومات عن فضائح واختلاسات وهدر أموال عراقية، علي يد بعض ممثلي سلطة التحالف، وبمشاركة أو بعلم أو بتشجيع أو باغماض العين من جانب سلطات الاحتلال الأمريكية. الصحافة الأمريكية، ثم العديد من وسائل الاعلام الدولية، تناقلت طرائف المسؤول العسكري الأمريكي الذي رافق فريق الملاكمة الأولمبي العراقي الي الفليبين، فأنفق 40 ألف دولار من مخصصات الفريق علي موائد القمار، أو الموظف الذي أخفي مليوني دولار، سيولة خالصة، في صندوق أحد المراحيض، أو المتعهد الذي قبض 100 ألف دولار لاعادة تجهيز المسبح الأولمبي، فلم ينجز سوي دهان مضخة المسبح، فقط لا غير، أو ذلك المتعهد الذي أعاد تجهيز مستشفي الهلال الأحمر بمصاعد جديدة، وقبض أكثر من 660 ألف دولار، فهوي أحد المصاعد الي الطابق السفلي وكاد أن يودي بحياة ثلاثة أشخاص… المفتش العام هذا يرفع تقريره الي اثنين من كبار صانعي القرار في الولايات المتحدة، وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، الأمر الذي يعني أنه يمزج الشأن السياسي بالشأن العسكري من جهة، وينتهي بالتالي الي خلاصات وتوصيات ذات طابع استراتيجي بعيد الأثر من جهة ثانية. وكانت هذه ستمر مألوفة عادية علي هدي ما يجري من فساد هنا وهناك في العالم شرقاً وغرباً، لولا أن التفاصيل مذهلة في جانبين جوهريين، بين جوانب أخري أقل اثارة للانتباه: أن الفضائح تلك تدخل، أولاً، في سياقات منهجية منتظمة تجعلها أقرب الي النسق الدائم وليس المظاهر العابرة، وانها ثانياً تتم في شروط احتلال عسكري تمارسه ديمقراطية عريقة يحدث أنها أيضاً القوة الكونية الأعظم، ودائماً تحت شعار تحرير العراق من دكتاتورية العهد البائد. هنالك، في ميادين الفساد والهدر والنهب هذه، قطاع محدد زاخر بالأسئلة وعلامات الاستفهام، هو عائدات النفط العراقي: أين تذهب؟ ما قيمتها؟ مَن يتحكم بها؟ متي ستوضع في خدمة العراقيين؟ ذلك لأن المعلومات الرسمية، التي توفرت قبل نحو عام من الآن، تقول ان كامل عائدات مبيع النفط والغاز العراقيين، بالاضافة الي مليار دولار اقتُطعت من برنامج النفط مقابل الغذاء، ذهبت الي صندوق تنمية العراق الذي تم انشاؤه قبل أكثر من عام بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483. والقرار ذاك نص علي وضع الصندوق في عهدة الاحتلال، بغرض استخدام الأموال علي نحو شفاف لتلبية الحاجات الانسانية للشعب العراقي. كذلك نص علي أن يعين العراق هيئة محاسبة تتابع أوجه صرف تلك الأموال، بما في ذلك قانونية العقود التي تبرمها سلطات الاحتلال مع مختلف المتعاقدين.إن هيئة المحاسبة هذه لم تتمكن أبداً من أداء عملها كما ينبغي (وعلي سبيل المثال فقط، لم تفلح في تدقيق عقود الاحتلال مع الشركة العملاقة هاليبرتن، ذات الارتباطات الوثيقة القديمة والمتجددة مع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني)، وجابهت عشرات العراقيل البيروقراطية. في المقابل، وعلي نقيض مما هو شائع، لم تنفق سلطات الاحتلال سوي 500 مليون دولار من مبلغ الـ 18.7 مليار التي وضعها الكونغرس في تصرف البيت الأبيض بهدف انفاقها في العراق، حسب معلومات صحيفة واشنطن بوست الأمريكية. من جانبها كانت صحيفة نيويورك تايمز قد خفضت المبلغ الي 400 مليون، وأوضحت أن معظم الصرف ذهب لصالح متعاقدين أمريكيين وشركات أمريكية، وهذه لم تشغل أكثر من 15 ألف عامل عراقي!وفي الجزء الثالث من دراسته الممتازة (المخططات الأمريكية لاستنزاف ثروات العراق وسرقة أمواله: ارقام وحقائق) ، وهو الجزء الذي يفصل القول في طرائق النهب المباشر عن طريق الاستيلاء أو وضع اليد، والتي تبلغ شأو السطو الصـــريح، يسرد الباحث الاقتصادي العراقي محمد القيـــسي عشرات الأمثلة المذهلة التي لا يمكن أن تندرج في الخانة المألوفة للفساد المألوف، بينها:ـ وضع اليد، بقرار مباشر صدر عن البيت الأبيض سنة 2003 أثناء العمليات العسكرية لغزو العراق، علي الأموال العراقية المودعة علي نحو أو آخر، هنا وهناك في العالم، والتي تقدر بأكثر من 13 مليار دولار. أضيفت الي هذا أموال العراق داخل الولايات المتحدة، البالغة أكثر من ثلاثة مليارات.ـ بمصادقة من مجلس الأمن الدولي، استولت سلطات الاحتلال الأمريكية علي الرصيد المتراكم من اموال برنامج النفط مقابل الغذاء، والتي كانت في حساب العراق حتي آذار (مارس) 2003، بقيمة 21 مليار دولار.ـ جمعت سلطات الاحتلال سيولات مالية متفرقة، عُثر عليها في القصور الرئاسية والمقرات الخاصة، لا تقل عن ستة مليارات، تُضاف الي أربعة مليارات من الدولارات كانت في المصرف المركزي العراق.غني عن القول ان هذه الأموال لم تذهب الي خزينة انماء الشعب العراقي أو تطوير الديمقراطية أو بناء المشافي والمدارس ورياض الأطفال والجامعات، بل جري هدرها لصالح الشركات الأمريكية الكبري، وشراء الذمم السياسية، وتوزيع الهبات والأعطيات علي الأزلام والمـــوالين، أفراداً وقـــوي ســـياسية ومذهبـــية علي حـــد سواء. وكانت الـ BBC قد أجرت تحقيقاً مثيراً حول اختفاء مبلغ 11.300 مليار دولار قبيل ساعات معدودات من مغادرة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر العراق نهائياً، وأشارت تقارير صحفية الي أن المبلغ طار ـ بالمعني الحرفي للكلمة، وعلي ظهر حوامة عسكرية! ـ الي جهة مجهولة في كردستان العراق، قبل أن يسافر من جديد الي بنك مغمور في سويسرا، كما رجحت صحيفة الـ فايننشيال تايمز آنذاك.العراق ضحية أكبر عملية سرقةلإنتاجه النفطي في التاريخ المعاصرنقلت صحيفة (الزمان) العراقية في عددها الذي صدر الاحد 25/3/2006 عن (نواب وسياسيين عراقيين) أن إعلان إمكانية العمل في نظام لقياس إنتاج النفط العراقي، خلال العام المقبل أو الذي يليه شكل صدمة كبيرة لنا، موضحين هذه فضيحة كبري، تعني ببساطة أن 3 سنوات مرت ظلت فيها كميات الإنتاج مجهولة مما فتح الباب علي مصاريعه للاختلاس والتهريب، مشددين علي أن أول خطوة يتعين علي مجلس النواب المقبل القيام بها هي مساءلة جميع المسؤولين عن هذه الفضيحة، موضحين أنها أكبر عملية إنتاج غير شرعي تقف عليها الأمم المتحدة.من جهتها، قالت مصادر المنظمة الدولية إن العراق الذي يتعرض الي ضغوط دولية لاتخاذ إجراءات صارمة ضد تهريب النفط لم يقم بتحقيقات شفافة بشأن عدم وضع عدادات لقياس الإنتاج النفطي علي مدي السنوات الثلاث الماضية، مشيرة الي أن هذه تُعدّ أكبر عملية إنتاج غير مقاس وتصدير غير شرعي، وقدّرت الكميات المهربة بأكثر من نصف مليون برميل يومياً، فيما تحدثت لجان الرقابة الدولية عن أنابيب قام (سياسيون مشاركون في الحكومة) بمدّها الي شواطيء الخليج، لتهريب النفط. وقال الناطق الإعلامي لوزارة النفط، إن الوزارة طرحت مناقصة لإصلاح وتبديل ونصب عدادات في الجنوب، لكن الشركات المختصة لم تتقدم بعروضها، متذرعة بالظرف الأمني، مضيفاً أن الجانب الأمريكي تعهد بإصلاح ونصب وتبديل العدادات في الجنوب خلال الـ 6 أشهر المقبلة، في إطار المنحة الأمريكية لإعمار العراق. ووفق المصدر نفسه، فإن وزارة النفط لا تعمل حالياً بنظام العدادات في الجنوب لعدم كفاءتها، وتعتمد بدلاً من ذلك علي نظام الذرعة علي ظهر الناقلة.وأبرز خبراء نفطيون عراقيون، في وقت سابق العيوب الكبيرة التي ينطوي عليها العمل بنظام الذرعة، الذي وصفوه بـ (البدائي)، والمشجع علي الفساد.. وقالوا إنه ييسر السبل للاختلاس والتهريب، بتواطؤ ربابنة السفن مع مسؤولين في الوزارة والميناء. وتدور تساؤلات في الأوساط السياسية العراقية بشأن الجهات التي ذهبت الي جيوبها أموال 3 سنوات من غياب الآليات الرصينة لمعرفة كميات إنتاج النفط بشكل دقيق، في وقت يؤكد فيه خبراء الأمم المتحدة أن هذه أكبر سرقة في التاريخ المعاصر، وأن هذه الحالة لم تمر بها دولة في التاريخ المعاصر ولا أي من دول منظمة أوبك. وقال مسؤول في وزارة النفط، طلب عدم الكشف عن اسمه، للصحفية العراقية نفسها، الشهر الماضي: تساورني شكوك في أن أطرافاً مستفيدة من عمليات التهريب، لها دور في عدم اتخاذ إجراءات جدية للتعجيل بمشروع تطوير العدادات، مشيراً الي أن تأخر المشروع رافقته زيادة مضطردة في عمليات التهريب. وأضاف: هكذا يمكننا تفسير سرقة ميزانية الدولة، وتابع وهكذا يمكن أيضاً تفسير إقصاء كفاءات من الوزارة وتغيير مدير عام سومو، موضحاً أن وزارة النفط هي أكثر الوزارات التي يسعي الفرقاء الي الاستحواذ عليها، واعتاد الوزراء الذين تناوبوا منذ 2003، علي تغيير مدير عام (سومو) نظراً لحساسية هذه المؤسسة التي تشرف علي تصدير النفط. وقال المسؤول ذاته الآن تقوم لجنة مراقبة أمريكية بالتحري والتثبت، وبخاصة في البصرة، عن كميات تم تصديرها أو بالأحري تهريبها، تحت إشراف جهات فاعلة في الحياة السياسية العراقية، مضيفاً: ثمة من يربط بين عمليات التهريب وعمليات الاغتيالات في البصرة، إذ أن عدداً من الأشخاص الذين كشفوا عن عمليات تهريب تمت تصفيتهم، ولفت الي أنه علي الرغم من أن العراق يمتلك ثاني احتياطي نفطي في العالم، إلا أنه يستورد مشتقاته النفطية. وأكد المسؤول النفطي بان عدم استقرار الوضع الأمني والسياسي في البلد يشجع بعض ضعاف النفوس علي التورط في عمليات التهريب.لاشك أنه ثمن باهظ يدفعه أبناء الرافدين من اجل الديمقراطية… باهظ حقاً… بل لعله الأبهظ في تاريخ الديمقراطيات جمعاء.ہ باحث وأكاديمي عراقي7