منظمة إيباك اليهودية.. دولة ضمن الدولة
حمدان حمدانمنظمة إيباك اليهودية.. دولة ضمن الدولة يتم تفعيل النشاطات اليهودية المؤثرة في وجهة القرار الامريكي الخارجي، بصورة متصاعدة سنة بعد اخري، وتصف تقارير واردة من واشنطن بأن المؤتمر السنوي لمنظمة ايباك، اي جماعة الضغط اليهودي في الساحة الامريكية، جاء في عامنا هذا اكبر عدديا من اي مؤتمر في تاريخ المنظمة، كما انه تضمن حضورا امريكيا استثنائيا علي صعيد مجلسي الشيوخ والنواب، حيث حضر ما يزيد علي مئتين من اعضاء المجلسين، من اصل خمسمئة وخمسة وثلاثين عضوا للمجلسين، وهو اكبر عدد من اعضاء الكونغرس بمجلسيه، يلبي دعوة الحضور، وبالنسبة للمجموع العام، فقد زاد علي خمسة آلاف مشارك، فيما قرر اربعة آلاف منهم التوجه ـ بعد انتهاء الاعمال ـ الي الكونغرس، طلبا لحشد المزيد من التأييد لاسرائيل، ومن الحيثيات ايضا، ان عديد الطلبة الذين يمثلون اتحادات طلابية وزهاء ثلاثمئة وخمسين جامعة من الولايات الخمسين، قد وصل الي الف ومئتي طالب وطالبة، وقد جلس في ركن مقابل، ستون استاذا جامعيا من خمس وعشرين جامعة تمثل ست عشرة ولاية امريكية، وقد شغل عديد المؤتمر العام (خمسة آلاف) جميع الغرف العائدة لعشرة فنادق كبري في واشنطن، وفي ملاحظة ثمينة لاحد التقارير عن مؤتمر ايباك، فان نصف الحضور (ما يزيد علي الفين وخمسمئة) جاؤوا لحضور المؤتمر لأول مرة.. وهذا يعني ميكانيكيا، بان النشاط اليهودي في امريكا، يرتفع الي الضعف ما بين سنة واخري.وكالعادلة، فقد تحدث سيناتوريون من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بمزايدات فاقعة لخطب ود اسرائيل، ومع هذا المقطع، لا بد من ايجاز بعض المقاطع في كلمات ممثلي الادارة والكونغرس في المؤتمر، ونبدأ بنائب الرئيس ديك تشيني: عدونا لديه نظام عقائدي، وقد رأينا مثله في نظام طالبان، انهم يريدون ان يفرضوا نظاما ديكتاتوريا، يعيش فيه كل رجل وامرأة وطفل، في خوف دائم.. ان عقيدتهم تدعم الكراهية، وترفض التسامح، وتنكر حرية الضمير.. ان الولايات المتحدة تحتفظ بكل البدائل في كيفية الرد علي السلوك الايراني غير المسؤول .واليكم ما قاله المرشح الديمقراطي السابق لمنصب نائب الرئيس السيد جون ادواردز: يجب ان نعمق علاقاتنا الاقتصادية والعسكرية من اجل ان تحتفظ اسرائيل بتفوق مطلق.. يجب علينا ان نعمل لربط اسرائيل مع حلف الناتو.. ولا بد ان تصبح يوما عضوا كاملا فيه.. . وقد طفق ممثلو الكونغرس من زعماء الاغلبية والاقلية، بالدخول في مباريات تنافسية، وكلها تطري وضع اسرائيل، ذلك الوضع الديمقراطي الوحيد في المنطقة، مع تنحية السلوك (الديمقراطي) في استباحة الدم الفلسطيني، او في ممارسة عنصرية مرئية، ضد فلسطينيي العام 1948.. ففي نظرة استعلائية، عما ظل يدور في تاريخ المنطقة، ظل المسؤولون الامريكيون منذ مؤتمر الحركة الصهيونية في بال ، بزعامة ثيودور هرتزل، ينظرون الي فلسطين، علي انها ارض بلا شعب، اما الحقيقة المجسدة في الانكار، فانها كانت تكمن في النظرة التوراتية للآخر الغريب، فأمريكا علي اعتاب القرن العشرين، كانت قد انتهت من رسم خارطتها بين المحيطين، بل ومارست هيمنتها علي القارة الامريكية بمبدأ مونرو، فلا يعقل ان تجهل دولة القرن المضافة الي سجل الاستعمار العالمي، بأن فلسطين تنطوي علي ارض وشعب وتاريخ.. وان النسبة اليهودية في فترة التجاهل هذه، لم تكن تتجاوز في احسن الحالات ثلاثة بالمئة من عديد السكان الأصليين، وفي مفارقة تاريخية، فان سجل الوقائع للمنظمة الصهيونية ايام هرتزل، يقول بأن هرتزل اراد القيام بكشف ميداني ـ مخبري لحقيقة مقولته (ارض بلا شعب) فأرسل ثلاثة من رجال الدين اليهودي، فيما مؤتمر بال علي وشك الانعقاد، وقد سافر رجال الدين فعلا الي فلسطين وكان الجواب علي طريقة الترميز اليهودي: لقد عثرنا علي العروس حقا، ولكن يا للأسف، فقد وجدناها متزوجة . ولا يخفي علي كل ذي عقل عادي، بأن هذا الاقرار، كان يعني ان فلسطين (العروس) متزوجة بشعب له تاريخ طويل وحضارة وهوية، وانه ما زال قائما في الجغرافيا، يعيش ويزرع ويجني من ثمرات الارض المأهولة، وان اول نبتة شقت طريقها بفعل يد الانسان، كانت قبل سبعة آلاف سنة في اريحا، وان البشرية تعرفت علي الزراعة من هناك. انه لمن الطبيعي الا يري ضيوف ايباك، او بلغة ادق، من اهل البيت الايباكي، شعبا آخر، غير شعب الله في فلسطين، فقد استمرأ القوم الخرافة، حتي احالوها واقعا يدب علي الارض ولو ان المساجلة ما زالت في الاحقية التاريخية لقلنا بأن الاركولوجيا الفلسطينية (علم الآثار)، تقول بعائدية كنعانية كلها، وان الاركولوجية الاسرائيلية في فلسطين، اشبه ما تكون بأركولوجية البيوريتاني الانكليزي في ارض امريكا الشمالية! فعلي الرغم من ان علماء الاثار الغربيين، ظلوا يحملون المعول بيد والتوراة بيد اخري، لقرن كامل، الا ان فلسطين رفضت ان تعطي اثارا غير اثارها. وحتي اليوم، فان يهودا والسامرة في المخيال التوراتي، اكثر منها في قيعان الارض الفلسطينية، وقد شاهدنا جناح فلسطين الاثري ـ التاريخي في متحف لندن، فلم نعثر الا علي آثار كنعانية ـ عربية واسلامية وهي حقائق جلية، ارادت اكثرية مستشرقة طمسها بقوة لا علمية ولا تاريخية، ولان التاريخ يكتبه المنتصرون، فان اصطناع تاريخ مغاير لفلسطين كان من اولي المهمات الحساسة للعديد من علماء الاستشراق، فقد ظل هؤلاء في مهمة طليعية ثقافية ـ تاريخية تؤسس لقرن الاستعمار اللاحق.لقد قامت اسرائيل اليهودية، علي انقاض فلسطين العربية، بفضل روافع خارجية متشابكة بين مسيحية غربية (اورو ـ امريكية) تضع التوراة فوق الانجيل، وبين مصالح استعمارية كبري، اجترحت الحل في توظيف الدين لصالح السياسة، وبهذا المعني فان لاسرائيل ابوين في التاريخ، مسيحية متهودة مع الرواد الاوائل لشمال امريكا، ثم قرن استعماري غربي، منذ الرسالة الاولي التي وجهها نابليون الي يهود فلسطين (وهم الفا يهودي بين مئتي الف عربي مسلم ومسيحي). ولم يضع المركز الصهيوني العالمي الوقت مع نشوب الحرب العالمية الاولي ففي غضون عقود معدودات، كان هذا المركز الباريسي، يستثمر اموال الاغنياء من اليهود بطاقة قصوي ثم استدار الي لندن، عاصمة القرن الاستعماري الجديد ليجد ضالته في وعد بلفور وسايكس ـ بيكو، وفي هذا القرن، بدأت ارهاصات تكوين البنية الاساسية للدولة، بالاموال والهجرات.. وفي العام 1948 اي عام افول الشمس البريطانية عن العالم، قررت المنظمة الصهيونية نقل فعاليتها الاساسية من فرع لندن الي فرع نيويورك ومع العام نفسه، ظهرت الي الوجود الوكالة اليهودية التي جعل مركزها في مدينة القدس، وفي عهد ديفيد بن غوريون، الرئيس الاول للكيان الاسرائيلي، كان النشاط الصهيوني يتركز في دولة القوة العظمي الجديدة، الولايات المتحدة، فيما المحور الاوروبي، الذي اعتمد سابقا، قد اصبح هو، بحاجة الي مساعدة (مشروع مارشال)، وان امريكا، القارة الثرية التي لم تتأثر بالحرب باتت وجهة القصد الاول، فضلا عن قابليتها التاريخية، لقبول نشاط يهودي خاص، وفي هذه الاجواء من عام 1951 اسس امريكي يهودي اسمه سي كينين، منظمة ايباك، ومهمتها تقريب العلاقات ما بين امريكا والصهيونية العالمية، ولم تكن هذه المنظمة الوليدة، قادرة علي انجاز الجشع اليهودي في المطالب وذلك لصعود كاريزما شخصيات قيادية امريكية غير يهودية، من امثال الرئيس دوايت ايزنهاور ووزير الخارجية جون فوستر دالس، واخيه آلن، مدير الاستخبارات المركزية، ولعل الانجاز الاهم لايباك يومها كان يجول في اقناع الادارة بالضغط علي مستشاري الحكومات الالمانية، التي انتهت الي اقرار التعويضات الالمانية لاسرائيل، اي مجازاة شعب بما ليس مسؤولا عنه، بأثر قانوني راجع! ثمن المحرقة من بقايا اموال شعب محطم. وفيما يتعلق بمستوي العلاقات الامريكية الصهيونية، فقد ظلت في حركة نواسية، فواشنطن ظلت تنأي بنفسها، عن اجهار موقف تحالفي كلي، مع اسرائيل، خشية اغضاب العرب، وقد توقع الامريكيون، بأن تحرشا اسرائيليا كبيرا بالعرب، سيؤدي الي فنائها، ولم تتبدل هذه الهواجس جذريا، الا مع انتصار اسرائيل الصاعق في الخامس من حزيران/ يونيو عام 1967 حيث تبين بأن الخوف من قوة العرب، لم يكن في محله، وان اسرائيل في ظرف ايام استطاعت بمفردها ان تحطم ثلاثة جيوش عربية كبري في مصر وسورية والاردن، وان مشهد الهزيمة العربية كان كارثيا. وقد شهد العام 1967 مع حلول الكارثة العربية الجديدة، ارتفاعا حادا في نشاط ايباك، فلاول مرة تستطيع هذه المنظمة اجتذاب انتباه المجتمع السياسي الامريكي لنجاح الدولة العبرية في الحاق هزيمة منكرة بجيوش عربية رئيسية، وبالفعل فقد استجاب العديد الفاعل في السياسة الامريكية لفكرة اعتبار اسرائيل خير حليف لامريكا في المنطقة، وان العلاقة اليوم، اكبر من حليف وربما اقل من شريك.. لكن ايباك من الوجهة الذاتية، ما زالت في حالة تطور ذهبي، فقد ارتفع عدد اعضائها خلال عقد من العام 1981 الي 1993 من ثمانية الاف عضو الي خمسين الفا، كما ارتفعت الميزانية السنوية ـ لنفس الفترة ـ من مليوني دولار الي خمسة عشر مليونا من الدولارات، وهي موارد ذاتية مثل رسوم اشتراكات ومبيعات منشورات.. لا علاقة للتبرعات الكبري بها.ولعل اثمن ما قدمته ايباك في تاريخها لاسرائيل، هو الضغط علي نواب الكونغرس من اجل الموافقة علي مشروع يتم بموجبه منح مساعدات سنوية لاسرائيل بمبلغ ثلاثة مليارات دولار سنويا، قابلة للزيادة مع الضرورة وهي سياسة امريكية دائمة تجاه اسرائيل منذ بداية ثمانينات القرن الماضي.والي جانب ذلك، فقد تم التمدد الي انشاء مراكز ابحاث خدمة للسياسات الاسرائيلية، ولعل من اهمها معهد واشنطن لسياسات الشرق الادني، كما ان هناك محطات فضائية امريكية، كاملة الولاء لاسرائيل، حتي لو جاءت علي حساب السياسات الامريكية الخارجية، اذ رغم كل هذه المحاباة المالية والعسكرية والسياسية، فان اسرائيليين بجنسيات امريكية يريدون اختراق اهم ما للدولة الامريكية من اسرار عسكرية او تكنولوجية خاصة، بمهام تجسسية خالصة. لقد وصل عديد ايباك اليوم، الي مئة الف عضو، ويصرح اعلام ايباك، بأن معدل مقابلاتها مع اعضاء الكونغرس تحديدا، يصل الي الفي مقابلة في السنة الواحدة، وهي مقابلات منتجة اذ تصل بالمتوسط الي مئة تشريع لصالح اسرائيل وتاليا ضد (الدول المارقة) من عربية او اسلامية.هل ثمة حاجة لعقد مقارنة بين ما يفعله الصهاينة لقضيتهم وبين ما يفعله العرب بالمقابل؟فالجالية العربية ـ الاسلامية الامريكية، رغم عثراتها الانقسامية والتقسيمية، تبذل قصاري الجهد لنصرة قضايانا العادلة، لكنها كالشجرة دون ارواء، فايباك لم تنهض الا بجهود اموال اثرياء وشخصيات وجمعيات ودول، وفي مقدمها منظـمة صهيونية عالمية وولايات متحدة امريكية وخلفها اسرائيل، اما الجالية العربية ـ الاسلامية فهي ما زالت تقرع ابواب حكومات غافية، لا هم لها سوي اتقان الارتهان بجشع ادامة العرش، وربما شهوات بدائية اخري.ہ كاتب من فلسطين يقيم في سورية