مشهد من الفيلم
لا عجب في أن يأتي اسم فيلم المخرج الإيطالي جوزيبي تورناتوري «شكلي خالص» غريباً وغامضاً، فالأحداث التي عبر عنها العنوان جاءت أكثر غموضاً وغرابة، حيث يبدأ المشهد الأول بموجة من العواصف المصحوبة بالرعد والبرق، كنذير للدخول في أجواء كابوسية مُعتمة، فالبطل الذي كان موجوداً في منطقة نائية أثناء هطول الأمطار الغزيرة يتم القبض عليه، ويُحال إلى التحقيق للشك في أنه قد ارتكب جريمة قتل وفرّ إلى تلك المنطقة المُظلمة ليبعد عن نفسه الشبهة.
ومن لحظة التحقيق تبدأ الأحداث الحقيقية للفيلم المُثير، الذي تتمحور وقائعه حول شخصية الكاتب الروائي الشهير، الذي يتمتع بالحصافة والحذق الشديدين ويتميز حواره بالذكاء والقدرة الفائقة على المناورة، ما يُرهق المُحقق الذي يلتزم الهدوء ويقدر أهمية الكاتب، ويتوخى الدقة والحذر في التعامل معه بكل احترام وتوقير.
لم تكن تلك الأجواء سوى مقدمة طويلة لحكاية بالغة الغموض وعميقة التفلسف، فلا المُتهم قاتل ولا هناك جريمة قتل من الأساس، إلا في الخلفية الذهنية للمُتلقي، الذي يبني اعتقاده على مفردات الحوار بين المُتهم والمُحقق الموجودين في جهة التحقيق، حيث المكتب الرسمي والحراسة المُشددة والبناية العتيقة، كل هذه الأشياء، استخدمها المخرج الإيطالي جوزيبي تورناتوري للإثارة والإيحاء، كي يرسم صورة حية شبيهة بالصورة الواقعية، التي عادة ما تتوافر فيها مواصفات وملامح الحالة الدالة على الاحتجاز والارتهان، والتحقيق ودوائر الخوف المُتصلة بجرائم القتل.
تضيق المساحة الدرامية في الفيلم، إلى الحد الذي تتحول فيه الأحداث إلى ميلودراما تخص البطل وحدة، فالتحقيق يستغرق ساعات طويلة والمباراة الكلامية بين المُحقق والمُتهم تزداد قوة، وتتراوح ما بين لحظات التوتر والتصعيد أحياناً، والصمت والمهادنة أحياناً أخرى، إذ يرفض المؤلف المرموق كل التُهم المنسوبة إليه، بينما يأخذ المُحقق في التضييق عليه ليُجبره على الاعتراف، ويمضي وقتاً طويلاً على هذه الحالة، حتى تتبين الخطوط الأخرى لمأساة المؤلف، الذي يدخل في تجربة روائية جديدة يخال إليه فيها أنه هو نفسه بطل الأحداث، وما يمر به بطل الرواية يمرّ به بشخصه وذاته، كأنه يخرج من منطقة الوعي إلى منطقة اللاوعي فيتماهى تماماً مع الأحداث ويفعل كل ما يفعله البطل بعد أن يتلاشى في ذهنه الخط الهمايوني الفاصل بين الواقع والخيال.

فهو يستغرق في كابوس مُزعج ويستعرض صوراً من حياته الاجتماعية المؤلمة، فيتذكر أيام كان في ملجأ الأيتام وهو طفل صغير يُجبر على كل شيء حتى شرب اللبن، الذي صار يمقته في ما بعد، غير أنه يستحضر ذكرياته القديمة من خلال ما تراءى له من لقطات فوتوغرافية في صور أرشيفية يحتفظ بها في درج مكتبه، وتزداد مأساته بإطلاق الرصاص على نفسه من مسدسه الشخصي، بعد فشل مُتخيل في الحب أو ما شابه، وهو ما يمكن اعتباره وفق أساليب الكتابة الإبداعية الجديدة تطبيقاً لنظرية موت المؤلف.
يعيش البطل حياة موازية لحياته الأصلية، فيكتب كل ما يتعلق بسيرة بطله الروائي، كأنه يكتب سيرته الشخصية، ويظل هكذا إلى أن تحين لحظة المواجهة الحقيقية بانتقاله إلى العالم الآخر، وانفصال الروح عن الجسد فتُعاد قراءة الأحداث الدرامية في ضوء هذا التحول، ويختلف التفسير حسب اختلاف المطروح الفلسفي الطارئ فتؤول كل المُعطيات تأويلاً خاصاً، فالمؤلف بطل القصة يتتبع رحلته من بداية الإدراك، ودخوله في حلقات الحياة المُتصلة المُنفصلة، بكل صراعاتها النفسية والاجتماعية والعاطفية إلى نهاية المطاف، حيث الوصول إلى محطة الموت والحساب وما هو مُتخيل عن انقياد الإنسان بلا إرادة منه ولا قوة. وهنا تنجلي الرؤية ويتأكد أن كل ما ورد في أحداث الفيلم تمت صياغته صياغة فلسفية لخدمة المضمون الكلي الذي ينطوي على أبعاد هي أعمق في دلالاتها من الأزمة الشخصية التي تصورناها عن المؤلف قبل أن نكتشف التفاصيل الدقيقة وننتبه إلى الإشارات الأخرى وما ترمي إليه، كتلك الإشارة المُتمثلة في الشخصية الهامشية للرجل الحكيم الذي اعتبره المؤلف، رغم بساطته المُتناهية مُلهمه الوحيد وصاحب الفضل الأول في إبداعه وكتاباته وشهرته، بل أوعز أنه ربما يكون هو الكاتب الأصلي لكل رواياته التي حازت إعجاب الملايين من القراء، وكانت سبباً في وجودة كمؤلف مشهود له بالعبقرية والكفاءة.
ويعد هذا مستوى آخر من الوعي بأهمية الباعث الحقيقي على الكتابة، والأسباب التي تقف وراء الموهبة الإبداعية الفذة التي تماثل موهبة بطل القصة الإنسانية عند تورناتوري، الذي صنع فيلمه الاستثنائي «شكلي خالص» وضمنه كل هذه الأفكار الغرائبية ليكون مقياساً لحالة سينمائية شكلية فريدة يصح أن يكون لها أكثر من تفسير وتحتمل أكثر من قراءة.
كاتب مصري