في الخطاب الذي وجهه رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك، إلى الشعب يوم 15 تشرين الأول/اكتوبر الجاري، اعترف حمدوك بوجود «أزمة» هائلة في البلاد عندما قال «لقد تابعتم الأحداث الأخيرة في البلاد، والأزمة السياسيّة الحادة التي نعايشها الآن، ولن أبالغ إذا قلت إنها أسوأ وأخطر أزمة تهدد الانتقال، بل وتهدد البلاد كلّها، وتنذر بشر مستطير». وقد جاءت الإشارة إلى خطورة الأزمة في تهديدها للانتقال تخفيفا للاقرار بأنّها «تهدّد البلاد كلّها».
ومن يريد ان يبحث عن جذور تلك «الازمة» سيجدها حاضرة في مخلفات استراتيجية بقاء نظام البشير الذي لم يلفظ أنفاسه بعد، سيجدها في عملية إطلاق اليد في تكوين الميليشيات القبلية، في الأماكن الأكثر فقرا حيث يصير القادة القبليون مقاولين غير مرئيين لتوفير جنود كوقود للحروب فيما يكتسبون احتراما أكبر بتوفير وظائف لفئات اجتماعية من مواطنيهم الذين انسدت آفاق سوق العمل أمامهم. وهناك شريط فيديو مشهور يفتخر به البشير بانه طلب من حميدتي توفير جنود فاستطاع حميدتي توفير عدد يزيد على توقعات البشير نفسها مما جعل البشير يشعر بالفخر من الاستجابة السريعة لقائد ميليشياته الذي تطور لتزويد آلة الحروب الإقليمية بجنود/ شباب يسيرون مغمضي العيون نحو حتفهم بينما تتحرك عصابات بيع الأسلحة على امتداد أسواق العالم العلنية والسرية وتوفر الجهات التي تدفع وفي هذا السياق تتوالد المخاوف من الاهتمام المتزايد الذي يتجه نحو إحياء دور سياسي لزعماء القبائل وللنعرات القبلية في السودان.
لا شك ان هناك أزمة وقضية تنمية لشرق السودان كما لدارفور، وان الخدمات الصحية والتعليمية ضعيفة، وقد اعترف رئيس الوزراء السوداني في خطابه الوارد ذكره أعلاه بقضية شرق السودان إذ قال: «ان قضيّة شرق السودان قضيّة عادلة تجد جذورها في عقود الإهمال والتهميش التي تراكمت، فجعلته أفقر بقاع البلاد وهو أغناها موارد وامكانات. إن حكومة الفترة الانتقاليّة تضع على عاتقها مهمة إنهاء هذا التهميش».
إغلاق الطريق من الميناء
وقد قامت مجموعات تنتمي إلى قبائل البجة بإغلاق طريق العقبة، وهو الطريق الذي ينقل معظم البضائع الصادرة والواردة عبر ميناء بورتسودان من البلاد وإليها، وذلك، كما ورد، تنفيذاً لدعوة المجلس الأعلى لنظارات البجة ورئيسه سيد محمد محمد الأمين ترك، احتجاجا على مسار الشرق ضمن اتفاقية جوبا، وتتلخص آراء ترك حول الاتفاق في تصريحاته التي وردت خلال عدة لقاءات تلفزيونية اجريت معه بواسطة قنوات إقليمية وعالمية بعد قطع الطريق إلى الميناء، في ان من فاوضوا باسم الشرق في اتفاق جوبا للسلام ليس من حقهم الانفراد بتمثبل الشرق ولا يمكن اعتبارهم المعبر الأوحد عن قضايا الشرق، وان اتفاق جوبا تجاهل مطالب الإقاليم وان نصوص الاتفاق أعطت الشرق نصيبا يقل كثيرا عما ناله أهل الأقاليم الأخرى (أقاليم دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان). واعتبر ترك الاتفاق بمثابة دعوة للشرق لحمل السلاح كي يحصل على مطالبه بمستوى ما نالته الأقاليم الأخرى. وبعد أيام من الاعتصام صعّد المحتجون مطالبهم فطالبوا باستقالة الحكومة وحل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 (النظام السابق). وتأتي مطالبة ترك بإلغاء مسار الشرق من ان الذين وقعوا على الاتفاق لا يملكون حق تمثيل الشرق وانهم (ترك ومجلس نظاراته) حصلوا على وعد بان يكون لهم منبر في التفاوض لكن مجموعة تسمي نفسها (داعمو المسار) شكلها خالد شاويش، الموقع على اتفاقية المسار، طالبت بان تشاركهم المنبر لذلك رفضوا المنبر.
الدعوة إلى مائدة مستديرة
أما رئيس الوزراء عبدالله حمدوك فقد طرح في خطابه الأخير، يوم 15 الجاري رؤيته للحل فقال «ظللت أعمل باستمرار على طرح منظور شامل للتعاطي مع الأزمة يعلو على تقاسم السلطة، ويجيب على أسئلة التنمية الملحة التي تطرحها قضيّة الشرق، وفي هذا السياق فإني أؤكد أن اتصالاتنا قد أثمرت الترتيب لمؤتمر عالمي يوفر التمويل اللازم لحزمة مشروعات تخاطب أبعاد التهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي عانى منه الإقليم، وبداية النظر بمنظار جديد شامل لمعالجة هذه القضيّة».
ودعا حمدوك في خطابه كل قوى الشرق السياسيّة والاجتماعيّة لمائدة مستديرة للتوصل فيها إلى «ترتيبات عمليّة للتوافق حول القضايا التي أثارتها الأزمة» كما دعا أهل شرق السودان إلى «فتح الميناء والطرق واللجوء لحوار مباشر» بهدف ألاّ تتضرّر البلاد وقوتها وسيادتها، وتعهّد حمدوك بتمسكه باستكمال الانتقال المدني الديمقراطي، وتسليم البلاد لحكومة منتخبة عبر انتخابات حرّة ونزيهة في ظل نظام ديمقراطي، كما تعهد أيضا بعدم التهاون مع محاولات اجهاض الفترة الانتقالية، وحق الجماهير في التعبير السلمي، والسعي «لتوسيع قاعدة المشاركة».
يلاحظ أن محمد الامين ترك متحالف ومنسجم وراض عن المكون العسكري الذي أشرف على اتفاق جوبا بمساراته العديدة، وقد خلق هذا الأمر انطباعا بان ترك متحالف مع العسكريين، كما انه صرح في أحد لقاءاته التلفزيونية بان نائب رئيس المجلس محمد حمدان دقلو هو الأكثر تواصلا معه والأكثر معرفة بموقفه.
إن خطوة اغلاق طريق الميناء التي رصدت بانها محطة من محطات حراك بدء بمحاولة انقلاب يوم 21 ايلول/سبتمبر 2021 والتي صاحبتها مطالب بحل الحكومة بوصفها حكومة محاصصات حزبية والمطالبة بتشكيل حكومة كفاءات، قد أبرزت معسكر ترك بوصفه حليفا ضمن تحالف يهدد الانتقال السلمي. وقد كان من نتائج هذه الخطوة ان أعلنت الحكومة عن تسهيل دخول السلع عبر الموانئ المصرية مما قد يؤثر مستقبلا على موقع الميناء الاستراتيجي وعلى مشروع التنمية للإقليم. وهناك أيضاً دور إغلاق الطريق في التأثير على عمل قطاعات كبيرة من العاملين في مدينة ذات طابع خدمي. يكفي ان نحو 12000 شخص بعملون في الميناء يتضرر معاشهم ومعاش أسرهم.
لاشك ان هناك ضعفا ملحوظا في تنمية إقليم الشرق في الجوانب الصحية والتعليمية، كما ان هناك مشكلة مزمنة تتعلق بتوفر مياه الشرب النقيّة وكان الرئيس المخلوع البشير يعد عند كل زيارة يقوم بها للمدينة بتوفير مياه الشرب من النيل عبر أنابيب تصاحب أنابيب النفط، لكن وعود البشير الكاذبة والمتكررة ظلّت تجعل الناس يكادوا ان يفقدوا الثقة في السياسة والسياسيين.
آفاق تنموية
هناك ثروات معدنية كبيرة في سلسلة جبال البحر الأحمر، كما ان هناك ثروات سمكية هائلة في البحر الأحمر الذي يبلغ طول سواحله نحو 714 كيلومترا، يقع الجزء الأكبر منها في السودان. وهي سواحل توفر أيضا امكانيات تنمية هائلة لقطاع السياحة.
أن تحقيق مطلب إعادة النظر في مسار الشرق الذي أتى به اتفاق جوبا للسلام في إطار المائدة المستديرة التي دعا إليها رئيس الوزراء، وإدراج أي إضافات أخرى للتوافق حول القضايا التي أثارتها الأزمة يمكن ان يشكل مخرجا مناسبا من الأزمة.