السودان: قوى الثورة تودع المزيد من الرسائل في بريد دعاة تفويض العسكر وتقويض الانتقال

محمد الأقرع 
حجم الخط
0

«الشعب أقوى والردة مستحيلة» يبدو أنه الرد المختصر والسريع الذي أرادت قوى الثورة وشباب المقاومة في السودان إيصاله عقب خروج ملايين المتظاهرين في غالبية المدن، الخميس الماضي، دعماً للتحول الديمقراطي، وإحياء لذكرى أول ثورة شعبية في البلاد.
ويعيش السودان أزمة سياسية بين شركاء الحكم بعد محاولة انقلابية فاشلة وتصريحات عسكريين في مجلس السيادة فهمت في سياق تقويض الانتقال ورفضهم تنفيذ الوثيقة الدستورية وتسليم الرئاسة الدورية للمدنيين بمجلس السيادة. ولعل ما عزز ذلك الشعور هو السماح لمجموعات مناصرة للعسكر وتابعة للنظام القديم تطالب بحل الحكومة بالاعتصام أمام بوابة القصر الجمهوري وهي النقطة التي لم يستطع ثوار السودان الوصول إليها، رغم أنها كانت وجهتهم الأولى منذ بداية الحراك في كانون الأول/ديسمبر عام 2018.
وعلى الرغم من مرور عامين ويزيد منذ إشعال الثورة في السودان والتي أطاحت بنظام الجبهة الإسلامية في نسيان/ابريل 2019 إلا أن الواقع يقول إن العنفوان الثوري ما زال متقداً، وأن هناك إصرارا من قبل القوى الشعبية التي قادت الحراك بإيصال البلاد إلى نقطة التحول الديمقراطي وإكمال مهام الفترة الانتقالية، والواقع يقول أيضا أن المزاج العام السوداني المتصل بقضية الحكم أصبح يرفض صعود العسكر إلى السلطة وهو الأمر الذي أكدته الشعارات الكثيفة بل والمحورية التي رفعها المتظاهرون في مواكب الخميس.
قراءة المزاح العام للسودانيين يمكن أن تتم أيضا عبر البيانات التي أصدرتها لجان المقاومة للدعوة للخروج في موكب 21 الجاري، حيث أكد أغلبها النزول للشوارع لدعم التحول الديمقراطي ومدنية الدولة وقطع الطريق على المحاولات التي يخطط لها البعض بتقويض الانتقال، في نفس الوقت أوضحت بعض اللجان أنها تدعم الحكم المدني لا المدنيين في السلطة، وأخرى دعت إلى إسقاط ما أسمته بـ»شراكة الدم» ـ التحالف الحاكم بين العسكريين والمدنيين. لكن في الغالب كانت البيانات تخرج بصيغة الحد الأدنى التي ترفض الردة للأنظمة الشمولية، مثلاً جاء في بيان لجان مقاومة منطقة جبرة بالخرطوم «في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ البلاد لاشك أن وجهات النظر تختلف بين المنادين بإسقاط الشراكة مع جنرلات المجلس العسكري والرجوع إلى الشوارع والنضال الجذري، وبين من يرى أن التقدم شبراً بشبر هو الدرب الأسلم والأقل تكلفة؛ والثابت بين الرأيين وما بينهما هو أن الهدف الاستراتيجي هو التحول المدني الديمقراطي، الذي يضمن حق الاختلاف وحرية التعبير والتنظم ويكفل كافة الحقوق الإنسانية للمواطن السوداني».
وأضاف بيان مقاومة جبرة: «نخرج في ذكرى ثورة أكتوبر ونحن على وفاق تام وتوجه استراتيجي واحد؛ هو التحول المدني الديمقراطي وحتى إن اختلفت سبل النضال وأساليبه».
ويشار إلى أن المواكب الضخمة التي خرجت أواخر الأسبوع بمدن السودان، حظي رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان بالقدر الأوفر في الشعارات والهتافات المناوئة، وليس لأنه يمكن هرم السلطة العسكرية في البلاد فقط، وإنما أيضا نسبة لارتباط اسمه بمجزرة اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة في حزيران/يونيو 2019 ويبدو أن تأخر العدالة في هذه القضية انعكست سلباً على مستقبل صعود العسكر مرة أخرى إلى سدة السلطة.
ويرى مراقبون أن قضية العدالة في مجزرة فض اعتصام القيادة هي نقطة جوهرية فيما يحدث الآن، باعتبار أن العسكريين بمجلس السيادة والذين كانوا في سدة السلطة أبان وقوع المجزرة يخشون من ان تسفر التحقيقات الجارية في القضية بالزج بهم في السجون، كذلك هي نقطة سالبة ولها انعكاساتها على مدنيين بالحكومة وتحالف الحرية والتغيير، إذ هناك جزء عريض من الشارع يرى أن التحالف الحاكم أنصرف عن قضايا الشهداء وجعل جل تركيزه على المحاصصات وتوزيع الكراسي والمناصب، لذلك يذهب البعض بأن ملف العدالة هو المفتاح الذي يفهم من خلاله توجهات الناس ومواقفهم تجاه القوى التي تعتلي السلطة، وتحركات بعضها في تخريب الانتقال.
ويعتقد المراقبون أن الرسائل المستخرجة من حراك ذكرى ثورة أكتوبر تدور حول عدة نقاط رئيسية، أولها قطع الطريق على أي محاولة لعودة النظام القديم والعسكر إلى السلطة، ثانيها أن قوة الثورة الشعبية موحدة حول برنامج الحد الأدنى وهي حارسة التغيير ولا وصاية عليها من أحد، بالإضافة إلى أن الثورة مستمرة لم تخمد جذوتها.
رسائل مواكب أواخر الأسبوع أكدت بأن صراع الشوارع والحشود الدائر في السودان الآن يرجح كفة القوى الداعمة لعملية التحول لا القوى الأخرى التي تطالب بحل الحكومة وفتح باب المشاركة لعناصر النظام القديمة وتدعو على استحياء بتفويض العسكر؛ بشكل أدق فإن قوى المقاومة والأجسام الفئوية والمهنية ما زال صوتها هو الأعلى مقابل التجمعات الأخرى المتعصمة أمام القصر الجمهوري والمدعومة من حركات مسلحة ومجموعة تتخذ من لافتات القبائل غطاء لتمرير مطالب سياسية.

شعب غرامه الحرية

عقب الثورة في السودان يلاحظ أن المزاج العام يميل لاستخدام أكبر قدر من الحريات في التعبير وإيصال صوته والاحتجاج، وإلى ذلك يقول المحامي وعضو لجان المقاومة، سمير شيخ الدين لـ»القدس العربي»: «الشعب السوداني أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن مزاجه العام تجاه الحريات لا تحده حدود بل هو أعلى سقفاً بين شعوب المنطقة» ويضيف: «رغم ما واجهه الشعب من مشاق ودماء وقمع في طريق الحرية إلا أنه وبمنتهى الصمود والإصرار يسير من أجل تحقيق كامل الحرية ويبذل في سبيل ذلك روحه ولا أدل على ذلك من خروجه شبه اليومي في مواجهة السلطة العسكرية وآلة قمعها».
وأبان شيخ الدين أن الديمقراطية كنظام حكم هي غاية كل الشعب ويتوق إليها بدليل قيامه بثلاث ثورات عارمة في نصف قرن ضد أعتى الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة، مبيناً أن ذلك يؤكد مزاجه العام تجاه الحرية.
وفي السياق قال الكاتب والصحافي عبدالله الشيخ أن المزاج العام للأجيال السودانية الصاعدة ـ يعني بهم الشباب الذي عاش تجربة حكم الإخوان في المدارس والجامعات بحسب توصيفه ـ يتلخص في أنها ترفض مسوح التدين الظاهري والصاقه بالممارسة السياسية اليومية، فضلاً عن أن هذا الشباب باعتبار ما هو متاح من وسائل التواصل والانفتاح على معارف العصر، يتمتعون بوعي يعصمهم من الانغلاق الأيديولوجي والعقدي والحزبي أيضاً، مبيناً أن الأخير يضعف مشاركتهم وممارستهم العملية في الميدان السياسي.
ويرى الشيخ أنه لا خوف على المستقبل في ظل استمرار هذا المناخ العام في السودان وطالما أن «حرية الفكر» هي الصفة الغالبة في أوساط الشباب وهو برأيه ما عبر عنه حراكهم الثوري وشعاراتهم لإصلاح الاقتصاد وأداة الحكم.
ويجزم أن الثورة السودانية عصية على الفلول وستمضي للأمام وستتجاوز كثيرا من القيادات التقليدية من مدنيين وعسكريين إذا لم ينتبهوا إلى أنهم أمام شباب ـ جيل جديد ـ تجاوز بما لا يقاس النعرات العنصرية وثقافة القبيلة والجهوية والتنطع الديني.

«الجوع لا الكيزان»

قبل تصاعد الأحداث الأخيرة كانت هناك موجة شكوى واسعة لدى السودانيين من ضيق الأوضاع المعيشية، وعدم استقرار الخدمات وتوفير السلع الأساسية، بعض القوى السياسية ذهبت وأعلنت خروجها من التحالف الحاكم وقالت أنه يسعى لتطبيق روشتة البنك الدولي التي ستسبب في ضيق العيش للمواطنين ورهن اقتصاد البلاد لقوى خارجية، القوى الأخرى رأت أن الأوضاع نتاج طبيعي للانتقال وأن قوى النظام القديم ما زالت تسيطر على الاقتصاد وتسعى لإفشال الانتقال الذي قد يؤدي إلى ضرب مصالحها.
الثابت أن سوء الخدمات أصاب جزءا كبيرا من السودانيين بحالة سخط واسع، خاصة بعد ما أقدمت مجموعات عشائرية بشرق البلاد بإغلاق الميناء الرئيسي المطل على البحر الأحمر، لكن لم تلاحظ أي شعارات في مواكب الخميس مثلاً مرفوعة بهذا الخصوص بشكل ملموس، بيد أنه كانت هناك هتافات متكرره تنادي بـ»الجوع ولا الكيزان، الجوع ولا العسكر» مما يشير بأن هناك حالة جمعية ترى أن مسألة سوء الأوضاع المعيشية هي بفعل القوى المضادة للثورة وطبيعة الانتقال الذي يحتاج مزيدا من الوقت لتظهر مؤشرات التحسن.
متابعون يعتقدون أن الشارع السوداني لا يميل لنوعية محددة من الاقتصاد سواء كان اشتراكيا أو رأسماليا أو إسلاميا …ألخ، بقدر ما هو معني بتوفير تحسن الأوضاع بشكل عام، يقول سمير شيخ الدين: «الشعب السوداني يمارس إدارة الاقتصاد بالفطرة لأنه شعب متعاون في تدبير شؤونه الحياتية بالتضامن وخلق نظم تكافل اجتماعية، لذلك هو يجنح لخلق نظام اقتصادي أشبه باقتصادات السوق الاجتماعي والنظم القائمة على الكفاف للعامة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية