الدوحة ـ «القدس العربي»: تمضي مكتبة قطر الوطنية التي أصبحت في ظرف وجيز أحد أهم الصروح في المنطقة العربية، نحو استكمال مشروعها في الحفاظ على التراث العربي والإسلامي، وحمايته وصونه، عبر المخطوطات والكنوز التي تضمها أروقتها، ومن بعدها رقمنتها لتكون إرثاً لا يقدر بثمن، يوجه للأجيال المقبلة.
وتزخر المكتبة بنحو ربع مليون مادة تراثية من الكنوز التاريخية والتراثية النادرة، إضافة لعدد كبير من مقتنيات المكتبة التراثية من الخرائط والكتب والصور الفوتوغرافية والمخطوطات العربية والقرآنية النادرة والفريدة، وربما لا توجد منها نسخ أخرى في متاحف ومكتبات العالم، وحتى إن وجدت فإن عدد نسخها لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة. كما تمكنت من رقمنة ما يزيد عن 50 رقعة قرآنية بدقة عالية.
وضمن التزامها أيضاً، أشرفت مكتبة قطر الوطنية على تدريب وتوجيه مختصين من دول عدة على سبيل الحفاظ على التراث الإسلامي وصونه، والحفاظ على الكنوز التي تزخر بها عدد من المكتبات والمراكز في دول مختلفة، وبعضها يتعرض للزوال بسبب رداءة ظروف الاعتناء به.
عند زيارة الصرح الممتد وسط أرض خضراء في جنبات مؤسسة قطر للتربية والعلوم، في العاصمة الدوحة، يلاحظ ذلك النشاط في المكتبة، التي وضعت نصب عينها، الاهتمام بالمواد التراثية، لما تقوم به من سد الفجوة بين الماضي والحاضر والمستقبل، مما يساعد على فهم النسيج الاجتماعي والآراء السياسية والتقاليد التربوية والروحية والدينية وثقافات الماضي. وانطلاقاً من فكرة أنه لا يمكننا الوصول إلى إمكاناتنا الكاملة من دون معرفة ماضينا، يستمر اكتشاف العديد من النصوص والعناصر التراثية النادرة والقيمة في المنطقة، مما يمنحنا فرصة أخرى للتعرف على التقاليد القديمة والثقافة والعادات والأنظمة والمزيد. ومع ذلك، فإن معظم هذه النصوص والمخطوطات والعناصر غير موجودة في أفضل الظروف، مما أدى إلى الحاجة إلى الحفاظ عليها وحفظها، لضمان وصول العالم إليها لتطوير المزيد من المعرفة والبحث وقدرات التعلم.
وبينما ننتقل عبر العالم الرقمي، ندرك الدور المهم الذي تلعبه المكتبات والمؤسسات عندما يتعلق الأمر بالتعلم، ودعم مختلف الأنشطة التي تسهم في تحقيق هذه الأهداف، لضمان الوصول بدون انقطاع إلى التعرف على التراث، حيث تقود مكتبة قطر الوطنية الجهود في مجال تطوير الرقمنة في المنطقة.
هل تساءلنا يومًا كيف تقوم المكتبة بالرقمنة بسرعة؟ وما الذي ساعدهم حقًا في الرقمنة؟ هل تتطلب مهارة معينة؟ ما هي العناصر التي يمكن رقمنتها وكيف؟
قابلنا الخبير ناصر الأنصاري، مدير عمليات تكنولوجيا المعلومات والبنية التحتية في المكتبة، لتسليط الضوء على جهود قسم الرقمنة بالمكتبة، وكشف لنا مختلف المعدات عالية التقنية المستخدمة، ومزايا الرقمنة، والعملية والمهارات اللازمة لرقمنة كل صفحة من صفحات التاريخ.
ويعتبر الأنصاري أن المواد التراثية، هي وعاء الماضي وذاكرته، من خلالها نطلع على قصص السابقين وحياتهم وعاداتهم وتقاليدهم وأفكارهم وثقافتهم وعلومهم، ونستفيد من تجاربهم وخبراتهم وقيمهم وأخلاقهم ودروسهم التي يريدون توصيلها لنا. ومن دون هذه المواد التراثية تنقطع الصلة بيننا وبينهم، وتنشأ فجوة بين ماضينا وحاضرنا وتضيع الأفكار التي كانوا يريدون حفظها للأجيال اللاحقة بعدهم، ومن دون هذه المواد التراثية كذلك، تنقطع الصلة بين مستقبلنا وبين هذا الماضي. فالمواد التراثية هي الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر والمستقبل.
أما عن أهمية معرفة ماضينا، خصوصاً للأجيال الحالية، فيرى أن التطور الإنساني في المجالات كافة هو سلسلة متصلة الحلقات. وأي ظاهرة اجتماعية أو ثقافية أو سياسية في حياتنا، إيجابية أو سلبية، وكذلك أي حدث أو اكتشاف أو اختراع أو إنجاز أو تكنولوجيا في مختلف ميادين المعرفة والحضارة ليس وليد اللحظة ولم ينشأ فجأة، بل هو نتاج لتراكمات طويلة على مدار عدة عقود بل عدة قرون. لذا فإننا لا نفهم حاضرنا حق الفهم ولا نعرفه حق المعرفة إلا بدراسة الماضي، وكيف تطورت الأمور حتى آلت إلى هذا الحاضر.
فليس من الممكن على سبيل المثال فهم تطور المجتمع في قطر من دون معرفة اعتمادهم في الماضي على الغوص والبحث عن اللؤلؤ، ثم بدء التنقيب عن النفط والغاز. نشأت الأجيال الحالية في ظل المعرفة المتاحة عبر الإنترنت والأجهزة المحمولة بضغطة زر، وحتى تدرك مدى التطور الذي وصلت إليه البشرية في عملية التعلم من المفيد لهم معرفة كيف كان التعلم والاطلاع والبحث قبل اختراع الإنترنت.

عشرات المخطوطات القرآنية النادرة
وعن أبرز النصوص والعناصر التراثية النادرة والقيمة في المنطقة التي تملكها مكتبة قطر الوطنية، يشير الأنصاري أن مكتبة قطر الوطنية تزخر، بنحو 200 ألف مادة تراثية من الكنوز التاريخية والتراثية النادرة، منها أكثر من 3500 مخطوط في العلوم الإسلامية واللغة العربية وآدابها وفي مجالات التاريخ والجغرافيا والطب والصيدلة والكيمياء وعلم الفلك والحساب والبصريات، فضلاً عن مجموعة ضخمة من مصاحف القرآن الكريم المكتوبة في الصين وشرق آسيا، وعشرات المخطوطات القرآنية النادرة والفريدة التي يرجع بعضها إلى القرن الأول الهجري.
ومن أبرز العناصر التراثية في المكتبة، «القانون في الطب» لابن سينا، وكتاب «تحرير الأصول» المنقول إلى العربية، من كتاب إقليدس، والترجمات الأوروبية للكتاب الشهير «ألف ليلة وليلة» التي هي ضمن مجموعة تزيد عن 25 ألف كتاب مطبوع بلغات أجنبية. لدى المكتبة 1400 خريطة نادرة منها أول خريطة مطبوعة بناء على أعمال بطليموس تذكر قطر، ويعود تاريخ رسمها إلى عام 1478م، بالإضافة إلى مجموعة من أندر الخرائط في العالم، منها خريطة العالم لحاجي أحمد، و«الأطلس الجديد» من حقبة تركيا العثمانية.
وتزيد مقتنياتها من الصور الفوتوغرافية عن 80 ألف صورة، تركز على دولة قطر ومنطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية. وعن سؤال ما إن كانت مكتبة قطر الوطنية استعادت مواد قيمة كادت تندثر، يشير الباحث المتخصص، أن عددا كبيرا من مقتنيات المكتبة التراثية من الخرائط والكتب والصور الفوتوغرافية والمخطوطات العربية والقرآنية، نادر وفريد، وربما لا توجد منه نسخ أخرى في متاحف ومكتبات العالم، وحتى إن وجدت فإن عدد نسخها لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة. وفي ظل التحديات التي تواجه مؤسسات حفظ المواد التراثية في العالم، فإن كل مادة تراثية أو تاريخية هي في حقيقة الأمر جزء عزيز من تراث الإنسانية المعرض لمخاطر الاندثار بسبب عدة عوامل أهمها الزمن وتهديدات الحروب والصراعات، ومخاطر التهريب والإتجار غير القانوني، ونحن نعتبر جميع مواد المكتبة التراثية نادرة، فقيمتها التاريخية والحضارية والإنسانية لا تقدر بثمن.
وعن دور مكتبة قطر الوطنية في مجال الرقمنة للمواد والمقتنيات التراثية النادرة والقيمة، يعتبر الأنصاري أنه من الحقائق التي لا مناص من الاعتراف بها هو أن المخطوطات والمقتنيات التراثية رقيقة وهشة، يتطلب الحفاظ عليها مهارات متقدمة في التناول والصيانة والترميم. وكثرة تناولها أو إمساكها من أجل الاطلاع عليها قد يعرضها للتلف والفقد. ولما كان أحد أهم الأهداف الاستراتيجية لمكتبة قطر الوطنية، هو الحفاظ على الوثائق والسجلات التاريخية ومواد التراث العربي والإسلامي، من خلال رقمنتها، وإتاحة الاطلاع عليها لفئات الجمهور العام، ويتسق ذلك مع رسالتها الساعية إلى الحفاظ على تراث الأمة لأجيال المستقبل.
ومن هذا المنطلق أنشأت المكتبة، مركز الرقمنة، المجهز بأحدث التقنيات والأجهزة والبرمجيات ويعمل به نخبة من أفضل الكوادر المتخصصة والمدربة من أجل رقمنة المواد التراثية الفريدة بجميع أشكالها – سواء كانت من مكتبتها التراثية أو من المؤسسات الأخرى وإتاحتها عبر المنصات الإلكترونية والرقمية لمكتبة قطر الوطنية للمستخدمين في جميع أنحاء العالم.
كما يهدف المركز إلى تسهيل الاطلاع على المواد النادرة في مجموعات مكتبة قطر الوطنية ومجموعات المؤسسات الأخرى، وتيسير استخدامها والاستفادة منها، بما يلبي الاحتياجات البحثية والتعليمية للمهتمين بها، ولإتاحة الرقمية لمجموعات مكتبة قطر الوطنية التي يتعذر الاطلاع عليها بأشكالها الأصلية خوفًا عليها من التلف أو بسبب صيغها القديمة التي يتعذر عرضها عبر الوسائط الحديثة، بالإضافة إلى تشجيع إنشاء المحتوى الرقمي باللغة العربية وحماية المواد الأصلية المرجعية من خلال تقليل الاتصال المادي المتكرر بها أثناء استخدامها والاطلاع عليها، والحفاظ على مواد التراث والتاريخ العربي والإسلامي على المدى البعيد.
بالإضافة إلى رقمنة مواد المكتبة التراثية بمكتبة قطر الوطنية، يقدم مركز الرقمنة مشاريع الرقمنة المخصصة للمؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي والمؤسسات والمنظمات الخاصة. ويوفر المركز خدمات وحلول رقمنة الكتب والمجلات والمخطوطات والصحف والخرائط والوثائق والتصوير ثلاثي الأبعاد لمقتنيات المتاحف ومجموعات الصور الفوتوغرافية المطبوعة على خامات مختلفة (مثل الشرائح، ونيجاتيف الأفلام، والألواح الزجاجية) ومجموعات الوسائط السمعية والبصرية.
ويستطرد أنه إلى جانب عملهم المستمر في رقمنة الوثائق والسجلات والكتب والصحف القديمة ضمن مجموعة المكتبة التراثية، التي تنشر عبر المستودع الرقمي في موقع المكتبة، يعمل الفريق أيضًا في عدة مشاريع أخرى.
ففي 2020 أضافت جامعة نيويورك مكتبة قطر الوطنية شريكاً رسمياً، في مشروع المجموعات العربية على الإنترنت.

وأنجزت المكتبة المرحلة الأولى من المشروع التي تضمنت رقمنة المخطوطات من مجموعة متحف الفن الإسلامي حيث تم الإنتهاء من رقمنة 109 مخطوطة، بينما تتضمن المرحلة الثانية التي بدأت في 2020 رقمنة 70 مخطوطًا.
كما قام فريق المكتبة، برقمنة ما يزيد عن 50 رقعة قرآنية بدقة عالية لمشروع «كوربوس كورانيكوم»Corpus Coranicum الذي تنفذه أكاديمية برلين براندنبورغ للعلوم والذي يسعى لتوثيق القرآن بصيغته المكتوبة بخط اليد في المخطوطات القديمة.
حيث يعمل بمركز الرقمنة فريق من الخبراء والفنيين، الخاضعين لأعلى مستوى من التدريب والتأهيل، بما يمكنهم من تنفيذ مشروعات الرقمنة من البداية حتى النهاية.
ويطبق المركز منهجية التحسين المستمر لضمان أعلى مستوى من الكفاءة في التشغيل وتحقيق أفضل جودة للمواد المرقمنة.
وتشمل التجهيزات الرئيسية بالمركز ماسحات ضوئية متطورة جدًا لضمان التقاط الصور الرقمية بجودة فائقة تصل إلى 600 نقطة للبوصة الواحدة وبمقاسات وأحجام مختلفة، بالإضافة إلى أستوديو كامل التجهيزات بما يمكن المركز من تقديم خدمة الرقمنة لأعداد كبيرة من المواد ذات الطبيعة الخاصة.
المركز مجهز أيضا بمجموعة من أحدث البرمجيات والتقنيات التي تشمل ضبط الألوان في جميع مراحل سير العمل للحصول على أعلى دقة للألوان، ومختبر واستديو يحتويان على آلات ومعدات حديثة ومتطورة للرقمنة والمسح الضوئي والتصوير الفوتوغرافي، وأدوات وبرامج متقدمة لتحسين الصور وتعزيز جودتها، وإمكانية التعرف على النصوص اللاتينية والعربية، وعلى معدات تصوير وإضاءة فائقة التطور الإنشاء الصور ثلاثية الأبعاد التي تتيح للباحثين الاطلاع على التفاصيل الدقيقة للعناصر والمواد المرقمنة باستخدام هذه التقنية.