لندن ـ «القدس العربي»: لم يعد يفصلنا سوى ساعات قليلة على ضربة بداية المباراة الأكثر شعبية ومتابعة على هذا الكوكب، بين عملاقي الليغا برشلونة وعدوه الأزلي ريال مدريد، التي يستضيفها ملعب «كامب نو» مساء اليوم الأحد، في ختام مواجهات الجولة العاشرة للدوري الإسباني، ومع ذلك، نلاحظ اختفاء البروباغاندا والتغطية الإعلامية المعروفة عن «كلاسيكو الأرض»، الذي كانت تنتظره الصحف والمواقع الرياضية الكبرى بفارغ الصبر، لتحطيم الأرقام القياسية في حجم الزيارات ومستوى التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، وبطبيعة الحال، هذا الانهيار لم يحدث من قبيل الصدفة، بل كانت هناك مقدمات ومؤشرات على طريقة الأمم والدول العظمى، التي بلغت ذروة القمة والمجد ثم تهاوت إلى عهد الانحدار والإفلاس والبكاء على أطلال الماضي.
بداية الفجوة
بدأ الصعود الصاروخي لكلاسيكو الأرض مع بداية الألفية الجديدة، تلك الحقبة التي شهدت ظهور المهندس الملياردير فلورينتينو بيريز على الساحة، راسما لنفسه صورة الرجل المخلص، الذي سيُعيد النادي الملكي إلى ما كان عليه في السابق، كمؤسسة ترفع شعار «نجوم العالم وُلدوا للدفاع عن قميص ريال مدريد»، وصدق القول بضم أعتى نجوم اللعبة آنذاك إلى «سانتياغو بيرنابيو»، بدأت بالصفقة الأكثر إثارة للجدل، بخطف لويس فيغو من الغريم برشلونة، وتبعه باقي الأساطير والسوبر ستارز، من نوعية زين الدين زيدان، ورونالدو دي ليما، وديفيد بيكهام، ومايكل أوين وباقي الجيل المعروف باسم «الغالاكتيكوس الأوائل»، وفي نفس الوقت، كان المحامي الكتالوني جوان لابورتا، يؤسس لمرحلة البلو غرانا في مرحلة ما بعد الراحل العظيم يوهان كرويف.
وراهن لابورتا على مشروع مستقبلي بمزيج من جواهر مدرسة «لا ماسيا» من نوعية تشافي هيرنانديز، وأندريس إنييستا، وكارليس بويول، مع صفقات لامعة في مقدمتهم كبير السحرة رونالدينيو والأسد الكاميروني صامويل إيتو وباقي الصفقات الرنانة التي تعاقد معها النادي في حقبة الهولندي فرانك ريكارد، ما ساهم في وصول شعبية الكلاسيكو إلى مستويات غير مسبوقة، باحتكار المرتبة الأولى من حيث الكراهية والعداء ونسبة المشاهدة حول العالم، وذلك بفارق سنين ضوئية عن باقي الدربيات والقمم المحلية، بما في ذلك دربي الجحيم بين بوكا جونيورز وريفر بليت في الأرجنتين، وكان ذلك، بسبب جودة المستوى والمحتوى المقدم في الكلاسيكو، بفضل امتلاك الريال والبارسا لأعظم نجوم اللعبة، رغم تعاظم قوة البريميرليغ في تلك الفترة، بوجود أول رباعي كبير مكون من مانشستر يونايتد وآرسنال وتشلسي وليفربول، وكذا الكالتشيو لم يكن قد مر بمحنة الكالتشيو بولي، التي تسببت في تراجع جنة كرة القدم عقوداً إلى الوراء.
عصر الكلاسيكو الذهبي
تخطى كلاسيكو إسبانيا مرحلة المقارنة بأي كلاسيكو أو دربي، في فترة «العصر الذهبي»، في بداية اشتعال الصراع بين الثنائي الفضائي ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، وأيضا الحروب الكلامية الباردة بين بيب غوارديولا والمثير للجدل دائما وأبدا جوزيه مورينيو، والتي كانت تستفز المؤسسات الإعلامية، لابتكار أفكار وقصص إبداعية عن التفاصيل البسيطة قبل الكبيرة، وكان ذلك، مع بداية ظهور «موضة» الإحصائيات والأرقام القياسية. وظل صدام الريال والبارسا خارج المنافسة، أو بمعنى آخر في عالم مواز، إلى أن بدأت الهجرة الجماعية لنجوم الصفوة، برحيل رمز أو أسطورة من هنا وهناك كل موسم، من دون تعويضه لا بصفقة ولا موهبة من الأكاديمية بنفس الإمكانات، ما ساهم بشكل أو بآخر في اختفاء البريق أو الهالة الإعلامية والجماهيرية الضخمة على الكلاسيكو، وذلك في الوقت الذي اتسعت فيه دائرة الأندية القادرة على شراء وامتلاك أفضل لاعبي العالم، متمثلة في القوة الحديثة باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي وفي الطريق نيوكاسل يونايتد بالصبغة السعودية، فضلا عن توحش مانشستر يونايتد والثراء الجماعي لأندية البريميرليغ، الأمر الذي قضى على صورة الكلاسيكو المثالية، أو بالأحرى أفقده أكثر ما كان يميزه، بوجود جُل النجوم اللامعة على أرض الملعب، وبالتبعية تغير الواقع، بالتنوع الحالي سواء في المشاهدة أو الاهتمام الإعلامي لجبابرة العصر الذين يحكمون قبضتهم على مشاهير اللعبة وما يعرفون بالعلامات التجارية، وهذا جاء على حساب الزخم الذي كان يميز كلاسيكو ريال مدريد وبرشلونة.
رصاصة الرحمة
أخذ الكلاسيكو أول منحنى منخفض بعد رحيل نيمار جونيور وكريستيانو رونالدو عامي 2017 و2018، لكن رصاصة الرحمة، أتت بفاجعة انتهاء قصة حب ليونيل ميسي وبرشلونة، بعد أسابيع قليلة من انفصال الكابيتانو التاريخي سيرخيو راموس عن ريال مدريد، وانتقال رافاييل فاران إلى مانشستر يونايتد، وهذا في حد ذاته، يفسر التغطية الإعلامية الخجولة لأول كلاسيكو بدون ملكه الأول في كل العصور، ليو صاحب الـ26 هدفا و19 تمريرة حاسمة من مشاركته في 45 كلاسيكو منذ ظهوره على الساحة منتصف العقد قبل الماضي، هذا ولم نتحدث عن تراجع أهمية المباراة ونتيجتها، كونها لم تعد مؤثرة وحاسمة كما كان الوضع في السابق، منها لظهور منافس شرس ثالث، والإشارة إلى أتلتيكو مدريد، ومنها أيضا لتبدل أوضاع الفريقين، بالاعتياد والتمرس على النتائج السلبية، على عكس ما كان في الأيام الخوالي، حيث كان نادرا ما يتعثر أي فريق قبل الكلاسيكو، بينما الآن، باتت مجرد مباراة بثلاث نقاط، ومن السهل تعويضها مع أول تعثر للمنافس المباشر، وهذا يرجع لضعف الجودة والإمكانات، مقارنة بالأجيال السابقة، ناهيك عن المقارنة في جودة الأسماء بين عملاقي الليغا وأثرياء العصر بدون ذكر أسماء، كلها أسباب أفقدت الكلاسيكو من جاذبيته وشعبيته الطاغية.
أحد مزدحم
يبقى السبب الأخير، التي أثر سلبيا على الاهتمام الإعلامي بالكلاسيكو، هو الكم غير الطبيعي من القمم الأوروبية، التي ستقام اليوم الأحد، لعل أكثرها حظا من حيث الصخب والاهتمام الإعلامي، مباراة كلاسيكو البريميرليغ بين ليفربول بقيادة محمد صلاح والغريم الأزلي مانشستر يونايتد في حضرة كبير هدافي العالم كريستيانو رونالدو، في معركة خاصة بين أبو صلاح وصاروخ ماديرا، في صراعهما الخاص على صدارة هدافين البطولة، والأهم النزاع على جائزة الكرة الذهبية المقدمة من قبل مجلة «فرانس فوتبول»، وفي إيطاليا، سيكون عشاق السيريا آه على موعد مع الدربي الكبير بين حامل اللقب الإنتر وضيفه الثقيل يوفنتوس على ملعب «جوسيبي مياتزا» لحساب الجولة التاسعة، حتى في فرنسا، ستتجه الأنظار صوب «فيلودروم» لمشاهدة ليونيل ميسي ورفاقه في باريس سان جيرمان في اختبار الكلاسيكو الفرنسي أمام مارسيليا، كأن الظروف والحياة عموما تعاند الكلاسيكو، أو ربما تكون ضريبة التغيير، كأي شيء في عالمنا لا يدوم إلى الأبد. أما المرشح الأوفر حظا، فهذا سؤال يصعب حتى التكهن بإجابته، في ظل حالة التضارب المسيطرة على أداء ونتائج الفريقين، آخرها الاستفاقة المزدوجة بعد انتهاء العطلة الدولية، خاصة من قبل الفريق الكتالوني ومدربه رونالد كومان، بتخطي بلنسية بثلاثية مقابل هدف ثم بالفوز على دينامو كييف الأوكراني بهدف نظيف في سهرة إعادة الأمل لمرافقة بايرن ميونيخ في مراحل خروج المغلوب لدوري أبطال أوروبا. في المقابل، أفلت كارلو أنشيلوتي وفريقه المدريدي من اختبار السبت المعقد أمام بلباو، لأسباب تتعلق بمد أسبوع الفيفا في أمريكا الجنوبية، وفي منتصف الأسبوع، دك شباك قطب أوكرانيا الآخر شاختار دونيتسك بالخمسة، لذا في الغالب ستكون مباراة قابلة لكل الاحتمالات.