جدل ساخن: هل تكتب اللهجات الأفريقية الموريتانية بالعربية أم بالحروف اللاتينية؟

عبد الله مولود
حجم الخط
0

«اللتننة» أدت باللهجات للضياع ومزيد التعلق بثقافة المستعمر

نواكشوط ـ «القدس العربي»:  بأي حرف تكتب موريتانيا لهجاتها الزنجية الأفريقية؟ هل تكتب بالحرف العربي كما ظلت تكتب على مر التاريخ لكونها لغة الإسلام ولأن الأقليات العرقية الموريتانية مسلمة بالكامل، وكما يفضل عرب موريتانيا ومستعربوها؟ أم تكتب بالحرف اللاتيني كما تقرر في مؤتمر باماكو عام 1966 وكما يفضل السياسيون الزنوج الرافضون للحرف العربي لكونه حرف لغة الأغلبية الحاكمة التي يتصارعون معها في الساحة السياسية منذ عقود؟

حول هذه الأمور استجد جدل ساخن متواصل منذ أيام بين الباحثين والمدونين والسياسيين على صفحات التواصل الاجتماعي.
وتنص المادة السادسة من الدستور الموريتاني على أن «اللغات الوطنية هي: العربية والبولارية والسوننكية والولفية، وأن اللغة الرسمية هي العربية».
ويعتبر السياسيون الزنوج في موريتانيا «أن كتابة اللهجات الزنجية الموريتانية بحرف عربي تزيد عرب موريتانيا الذين يرون أنهم خصومهم السياسيون، قوة، وهيمينة وتجعل القوميات الأخرى خاضعة لسلطانهم».
وفي مقابل هؤلاء يرى المثقفون الزنوج الدارسون في المدارس والجامعات العربية وجوب كتابة اللهجات الزنجية الموريتانية بالحرف العربي.
وفي هذا الصدد، يقول وزير الخارجية الموريتانية السابق صو آبو دمبا «اللغة العربية هي روح الإسلام ولسان القرآن وترجمان الأحكام، وعليه فإنها لا تختص بشعب ولا عرق بل بأمة وشريعة؛ وقد كانت إلى غاية مطلع القرن التاسع عشر هي لغة التجارة والعبادة والعلم والتعلم في غرب القارة الأفريقية، وكل ما نعيشه الآن من تجاذبات وصراعات، إنما نتج عن محاولات المستعمر اجتثاث الماضي، واستبداله بحاضر ملؤه التفرقة والتشرذم والتنصير».
وفي إطار هذا الجدل، تساءل الباحث الموريتاني بمجلس اللسان العربي في موريتانيا محمد محفوظ ولد أحمد قائلا «ماذا جنت اللغات الوطنية بل اللغات الأفريقية جميعا، من قرارات كتابتها بالحرف اللاتيني، غير الضياع والإماتة ومزيد التعلق بلغات المستعمر وثقافته؟».
وأضاف «لقد ظهر جليا أن دعوى التوحيد هي مجرد حيلة لإقصاء اللغة العربية التي كانت معظم الشعوب الأفريقية المسلمة تستخدم حروفها في وثائقها المكتوبة، وما يهمنا في موريتانيا هو لغاتنا الوطنية (البولارية والسوننكية والولفية) وما ذا استفادت من قرارات ملتقى باماكو (1966) التي فرضتها فرنسا عبر اليونيسكو، وتبناها أتباعها لدوافع سياسية، بكتابتها بالحرف اللاتيني؟».
وزاد «بسبب الضغوط والواقع التعليمي الرديء، توقفت جهود معهد اللغات الوطنية، وضاعت بحوث قيمة لترقية وتدوين وتدريس هذه اللغات بالحرف العربي الذي ألفته وألفها قبل قدوم المستعمر؛ بل وبعد حقبة من وجوده».
وتابع الباحث رأيه قائلا «اليوم تبدو مبررات كتابة لغاتنا الوطنية بالحرف العربي، بعيدا عن الآفات السياسية والصراعات الشرائحية، مهمة وملحة؛ كل شيء يحبذها وكل شيء يدعو لعدم تجاهلها؛ على الأقل في انتظار أن نرى نتيجة مرضية لـ(لتنتة) هذه اللغات!».
وذكر الباحث محمد محفوظ ولد أحمد أسبابا عدة لكتابة اللهجات الأفريقية الموريتانية بالحرف العربي منها فشل محاولات كتابة هذه اللهجات بالحرف اللاتيني (مشروع باماكو) حيث ظهر أن غاياتها ليس خدمة تلك اللغات، وإنما تكريس التبعية الثقافية لفرنسا خاصة والغرب عامة، ومنها خلق انشقاق وتناقض داخل المجتمعات الأفريقية المسلمة؛ بين أبنائها ومشيخاتها الشعبية المتمسكين بتراثها وثقافتها الاسلامية ذات اللسان العربي، وبين أقليات نخبها المستغرِبة الممكَّنِ لها بالسلطة ووسائل هيمنتها السياسية والاعلامية والتعليمية».
وذكر الباحث «أن تجاهل حقائق الواقع التاريخي الذي لا يزال قائما وهو أن أطفال الشعوب الأفريقية المسلمة، بكل طوائفهم، توحدهم النشأة التعليمية في البيوت والكتاتيب على الحرف العربي من خلال مبادئ الإسلام وسور القرآن الكريم».
وأكد «أن استخدام الحرف العربي في كتابة اللغات الوطنية يشجع على انتشارها وتعلمها بين أبناء الطوائف الأخرى العربية في المجتمع» وقال «ليس صحيحا أن النخب الأفريقية المثقفة توافق على كتابة اللغات الأفريقية بالحرف اللاتيني؛ بل هناك من هذه النخب من يعارضون ذلك ويشعرون بخيبة الأمل؛ لا من الأطر والأكاديميين المستعربين، المتزايد عددهم ونفوذهم؛ وبخاصة في دول غرب إفريقيا ونيجيريا، وإنما كذاك من مثقفين مستغربين، يتقدمهم الناهلون من الثقافة الأنكلوـ أمريكية».
ويقول الباحث علي مصطفى في معالجة للموضوع «من أجل تحقيق التقارب بين المجتمع البيظاني (العربي) والمجتمع الأفريقي في موريتانيا، فإن كتابة اللغات الوطنية بالأبجدية العربية تجلب فوائد منها تدريس نفس الأبجدية العربية الأساسية للجميع من المدرسة الابتدائية؛ وسيكون تعلم اللغة العربية أكثر سهولة في القراءة والكتابة لأطفال الزنوج الأفارقة، وسيكون تعلم اللغات الوطنية باستخدام الأبجدية العربية أكثر سهولة في القراءة والكتابة للأطفال البيظانيين (العرب) ومنها أن مشاركة نفس الحروف الأبجدية الأساسية سوف يسهل نشر وتحرير وتعميم اللغات العربية والوطنية، ومنها أن صول الجميع من خلال نفس الأبجدية إلى المصادر المكتوبة للدين المشترك: الدين الإسلامي وتعلمه».
وعلق القاضي محمد المختار الفقيه على الموضوع قائلا «لو سكت أهل الحق عن حقهم لظن الناس أن أهل الباطل على حق! لذلك لن نسكت عن الادعاء بوجود حرب لغات في موريتانيا، لأنها باطل أريد بها باطل، والمقصود حقا هو بقاء السيادة للغة الفرنسية على جميع اللغات الوطنية».
وقال «اللغة الفرنسية تعلمناها وعملنا بها، وما زلنا نعمل بها، ونعلمها أبناءنا، لكن ذلك لن يجعلنا نستسلم لمن يريدون جعلها عامل وحدة وطنية».
وبدأت معركة كتابة اللغات الوطنية الموريتانية منذ الاستقلال حيث كانت الحكومة محرجة بسبب مشاكسات التيارات السياسية العربية والزنجية فيما بينها حول المسألة، وكلفت حكومة ما بعد الاستقلال خبيرا بابتكار كتابة للغات الوطنية الموريتانية بحرف عربي منمط لكن مهمته لم تنجز، في الوقت الذي كانت الشعوب الأفريقية الأخرى قد حسمت أمرها بتبني الحروف اللاتينية المقررة في مؤتمر باماكو 1966 والتي تبنتها اليونسكو، ووفرت لها الوسائل.
وفي عام 1979 أصدرت اللجنة العسكرية التي حكمت موريتانيا ذلك التاريخ، أمرا قانونيا ينص على أن كتابة اللغات الوطنية تكون بالحرف اللاتيني (حروف يونسكو) وأنشئ معهد تربوي للغات الوطنية عام 1979 لكنه توقف عام 1999 وأغلق وحول إلى قسم في جامعة نواكشوط.
كل هذه الخطوات لم توقف الجدل حول الحرف المناسب لكتابة اللهجات الأفريقية الموريتانية؛ فهذا الجدل متواصل بين من يرون أن الحرف العربي أنسب وأقرب وأجمع، وبين أن الحرف اللاتيني واقع يجب القبول به والتعامل معه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية