«الكاميرا الخفية» لموسى أبو رياش: حميمية الوصف بين الواقعية والرمزية

حجم الخط
0

في مجموعته القصصية الصادرة عن وزارة الثقافة «الكاميرا الخفية» يطرح موسى أبو رياش مواضيع شائكة، لكنها مرتبطة بحياتنا المعاشة بشكل وثيق. ما بين القلق الوجودي والخوف والفساد الاجتماعي والأخلاقي والإنساني، يتنقل الكاتب بكاميرا تكشف ما يحدث من زاوية خفية لا يقدر عليها إلا قاص يعرف نقطة البداية ونقطة النهاية وأقصر مسافة بينهما.
أحسن الكاتب اختيار القصة الأولى، أو فاتحة المجموعة أيما إحسان، وهذا أمر مهم لا يغفل عنه العارفون. فالمداخل تطلع إلى الأمام، والمقدمات كياسة وذكاء. القصة الأولى هي الابتسامة التي تختصر نصف الطريق بين المتخاصمين وكل الطريق بين المتحابين، هي الطبق الذي يفتح الشهية قبل الوصول إلى الطبق الرئيس والدسم.
في المحطة الأولى «موعد مع الحياة» يعود بنا القاص إلى الأرض والطبيعة بعيدا عن صخب المدينة، التي تجعل من الإنسان كائنا آليا يقوم بنشاطاته اليومية، دون أن يلتفت إلى أي شيء، بينما القرية تعيد الإنسان إلى جنس البشر، بما فيه من تأمل وتحسس لمواطن الجمال والاستمتاع بها لحد الانتشاء. نشعر أحيانا بالحنين لنعيش المقطع التالي من جديد: «أعاد مسح المكان بعينيه، فأدهشته التفاصيل البسيطة الجميلة، امتداد ريفي، وتلال متقاربة تفصل بينها أودية سطحية، تتناثر عليها أشجار متباعدة. السكون ينداح باتساع المدى، يقطعه على فترات متباعدة نباح كلب، ثم يستعيد السكون حضوره الآسر من جديد. تناهت إليه أصوات الصراصير تعزف سيمفونية كونية بديعة، أشعرته بالطرب والنشوة والانسجام التام مع محيطه الجديد». هذه القصة وغيرها من قصص المجموعة تتكشف عن قدرات وصفية بارعة تجلب الذكريات البعيدة وتدغدغ المشاعر الدفينة.
ولعل «قبر مفتوح» هي قصة الجرح المفتوح الذي تقيح وأنتن. فيها رمزية وبناء مختلف ومفارقة مؤلمة؛ حيث الميت الذي وجد قبره مفتوحًا، فخرج إلى الدنيا ويا ليته ما خرج. «قبر مفتوح» تفضح قسوة هذا العالم من فقر وجوع وظلم وتجبر. غادر الحياة على حال وعاد إليها فوجدها في أسوأ حال، حتى تمنى العودة إلى قبره المريح والعادل والطيب، حيث حقوق الإنسان والحرية والمجتمع المدني ورغد العيش والمستقبل الواعد.
ويبقى الهدف مخاتلاً إلى حد ما في قصة «شمس» وربما يكون هذا الأمر مقصودا بذاته لدفع القارئ للتوقف وإعادة القراءة والنظر فيها من جديد؛ ربما تكون مقولة القصة أن من يذهب في اهتماماته بعيدا عن القطيع يُتهَم بما ليس فيه. يقول الأب: «لقد أصابتك لوثة الكتب كما يظهر، وإن عدت إلى جنونك مرة أخرى، حرمت دخول الكتب إلى المنزل، وأحرقت مكتبتك عن بكرة أبيها، فلا تلجئني إلى ذلك، أفهمت؟». هذه مسؤولية مجتمعية؛ كيف يمكن أن نعود إلى الكتاب ونتخلص من ثقافة (التك توك)؟ إغراء الفيديو كبير جدا والكتاب ما زال منتجا بدائيا. نحن نرى ما يحدث ولا نفعل شيئا؛ الشاشات الذكية تربي أطفالنا ونحن كومبارس في لقطة بعيدة، مجاميع ليس لها دور واضح ولا جملة مفيدة؛ الأم تبتسم لابتسامة طفلها والأب يتابع «الجزيرة».
«شغالة تحت الطلب» تتناول موضوع القلق والخوف من الوحدة ووجعها. أبعاد الطرح، كما وردت في القصة هي تصوير واقعي لما يحدث من حولنا وأمامنا، وقد نكون جزءا منه دون أن نعي ذلك، وهنا تأتي المرآة التي تكشف عوراتنا وزيفنا وجبروتنا. كيف يمكن التغرير بالشعوب وإخضاعها بالحيلة، عندما تصبح القوة خيارا مكشوفا أمام كاميرات الهواتف الذكية والفضائيات؟ قصة «المدير الحنون» تعطي تصورا ما عما يمكن فعله بهذا الصدد. هنا يظهر تصادم المصالح بين إدارة المصنع أو المؤسسة والعاملين فيها. اعتبر القائمون على المصنع ما حدث جزءا من إدارة الأزمة، أما العمال فقد كانوا هدفا للخديعة وتجاوزا عن حقوقهم وقبلوا ما قدمته الإدارة لأنهم إنسانيون يتأثرون بالفعل الذي يبدو لهم ظاهره ويغوص باطنه في جوف الأرض. الصورة والفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات، تُخضع عواطفنا وعقولنا وتوجه إنسانيتنا إلى وجهة ما مخطط لها، بينما ما يحدث في الظل أشنع بكثير مما يحدث في الضوء. هذا علم يقوم على نظريات ومفاهيم راسخة، تطور بسرعة كبيرة، خاصة بعد أن رُبط العالم بطرف السبابة أو الإبهام صعودا ونزولا، وأصبحت الشاشات الذكية وسيلة من وسائل السحر الرمادي الذي يأخذ العقول والقلوب إلى حيث يريد لها أن تكون.
قصة «الكاميرا الخفية» من المضحك المبكي؛ تعرض مسلسل معاناة المواطن في حياته اليومية من خلال كوميديا سوداء مؤلمة، تبدأ بصفعة وتنتهي في مستشفى المجانين. «الكاميرا الخفية» هي الصفعات المتتالية التي يتلقاها المواطن كل يوم، ولديه أمل بأن ما يحدث مجرد سحابة سوداء حجبت قرص الشمس للحظات، لكنها ما تلبث حتى تنزاح إلى بقعة أخرى ليعود الدفء والضياء كما كان. لكن السؤال المحير هو: لماذا يصر المواطن على التفاؤل على الرغم من سوداوية المشهد وقتامته؟ ربما يكون التفاؤل والأمل بغد أفضل هو السلاح الذي نشهره في وجه الاكتئاب والشعور بالعدمية.
في «الناشرة الحسناء» يتحدث الكاتب بلسان كل أديب وشاعر وقاص؛ الهواجس والمعاناة والتناقضات عينها. الكاتب يزرع والناشر يحصد؛ مفارقة نعيشها كل يوم ولا أحد يلتفت. غير أن ما حدث مع خالد الفرج من نهاية سعيدة، قد لا يحدث مع الكثيرين الذين ما زالوا في انتظار ناشر أو ناشرة حسناء أو شمطاء، ابتسامة عريضة أو متحفظة.. لا يهم، فالصفات هنا زوائد لفظية لا تقدم ولا تؤخر. ما طرحته القصة من طغيان الاسم والهالة الطوباوية التي تتسرب إلى النص بفضل اسم صاحبه، بالإضافة إلى الإقصاء والتهميش، من المواضيع المؤرقة والطاردة لدخول المعترك الثقافي والأدبي.
«تغيير جذري» هي دعوة للخروج من عباءة الروتين القاتل؛ أحد أمراض العصر غير المدرجة في قوائم منظمة الصحة العالمية. نعاني دون أن ندرك حجم معاناتنا. الخطوة الأولى هي الأصعب دوما، وقد تتأخر كثيرا قبل أن تتحقق. ما أجمل أن يحطم الإنسان كل أوثانه وعاداته ويخرج تحت المطر برأس مكشوف، ولا يفكر بالعواقب والإنفلونزا وفيروس كورونا وعدد الإصابات والدول الخضراء والدول الحمراء! فقط يعيش اللحظة كما هي دون حساب أو جبر أو هندسة.
أعادتني قصة «تطهير» إلى أفلام الخيال العلمي في الثمانينيات، حيث تسيطر القرود على الكوكب وتفرض حكمها على جنس البشر. في البداية ظننت أن الجرذان من القوى الظلامية وترمز إلى الجماعات الإرهابية، لكن تبين لاحقا أن لها فكر معتدل ومتقدم على فكر البشر، في فلسفة الحكم والحاكمية والدولة الرشيدة. وهنا وجب التفكير بطريقة مختلفة والبحث عن مخرج للقصة. ربما كان القصد الوقوف أمام المرآة حتى نكتشف عيوبنا ومساوءنا وأفعالنا الفاسدة التي ستدمر حضارة البشر وتعيدنا إلى كهف الإنسان الأول، عندما تجف مصادر الطاقة ويعيد التاريخ دورته من جديد. من توقع أن يفعل بنا فيروس كورونا ما فعل لن يجد صعوبة بتصور سيناريو نضوب الطاقة وعودة الدومري لممارسة نشاطه كموظف رسمي في البلديات.

كاتب أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية