جدل التخييل والتاريخ في رواية «الملك يموت مرتين» للمغربي أحمد الويزي

رواية «الملك يموت مرتين» (2019) هي الرواية الثالثة في تجربة الروائي والمترجم المغربي أحمد الويزي، تأتي بعد روايتيه «حمام العرصة» و«بلاد بلارج» ومجموعته القصصية «صدر المُلاكم».. تتشكل رواية «الملك يموت مرتين» من حكايتيْن ـ إطاريْن رئيستيْن:
1 ـ حكاية بطل الرواية روبير هاس التي تندرج في المحكي السجْني، لكونها تروي تفاصيل أسْره في معتقل لاسانتي الشهير بسبب موقفه المُعادي للإجماع العام (اتهامه لبلده فرنسا بضلوعه في موت السلطان عبد الحفيظ).
2 ـ حكاية السلطان المنبوذ عبد الحفيظ وما يتعلق بها من وقائع تاريخية تعود إلى تاريخ المغرب الحديث زمن الاحتلال الفرنسي.
تتشابك الحكايتان وتتواشجان مثل ضفيرتيْن، وفي ضَفَرِهما وتداخُلهما يتحقق جدلُ التخييل والتاريخ في هذا العمل الروائي الجديد للكاتب المغربي أحمد الويزي..

تصْدير دال:

تستهل الرواية بتصدير أساسٍ عنونه الكاتب بـ(بمثابة تقديم: مسارات ومآلات). يعد هذا التصدير برنامجا عاما مُكثفا، أو ميثاقَ قراءة يعقده الكاتب مع المتلقي لرسم معالمِ القراءة التي تُعين القارئ في عبور مسالك الرواية. ويُمكن إجمالُ هذه المعالم (وهي حِيَل فنية) في:
• رواية «الملك يموت مرتين» رواية فرنسية عثر عليها باحثٌ مغربي يُحضر رسالة جامعية بعد اطلاعه على الأرشيف الكولونيالي الخاص بالمغرب، كتبها مؤلف فرنسي مجهولٌ يُدعى جان بيير هانس في خمسينيات القرن الماضي، ولقيت إهمالا وتهميشا سواء في موطنها فرنسا أو في المغرب..
• يتحدث المترجمُ الذي نهض بأعباء ترجمة هذا النص الروائي إلى العربية عن مقصدية المؤلف من تأليفه له: (كان قصد كاتبه تصوير جانب من جوانب الأجواء التي اكتنفت بغُيومها القاتمة سماءَ المملكة، وهي تنقاد شيئا فشيئا نحو منعطف حاسم من تاريخها، في مستهل القرن العشرين) ويذكر المترجم أن قدَر هذه الرواية أن تكون تاريخية (مع أنها لم تكن تنشُد سوى الانتماء إلى سجلاته، والتقاطع نسبيا مع ما حفظته دواوينه الزاخرة بالوقائع والأحداث). لكن، على انتماء الرواية للتاريخ ولوقائعه وسجلاته، فإنها تنتصر دائما لعُنصر التخييل الذي يُعَد مَزيتَها البارزة. إن نهوضها على عنصر التخييل يجعل الروائي يبُذ شأوَ المؤرخ في النبش، وملء البياضات، وسد الشقوق والفجوات، واقتحام الحصين المنيع.
وتأسيسا على هذا الجَدَل بين التخييل والتاريخ، يحفل هذا التصدير العميقُ والدال بتأملاتٍ شائقةٍ في العلاقة بين علم التاريخ وجنس الرواية، ودورها البارز في فتْح آفاق ومُمكنات جديدة، في ربطها بين مصير فردي (عنيت حكايةَ بطلِها روبير هاس، الصحافي السجين) وآخر جماعي (أي تاريخ بلديْن في الفترة الكولونيالية: فرنسا والمغرب).

حكاية روبير هاس

تستهل رواية «الملك يموت مرتيْن» أحداثَها بفضاء السجن حيث البطل ـ الصحافي وقد أضحى كهلا يمضي مدة عقوبته بين أسْوار سجن لاسانتي، هذا السجن الذي كان الصحافي روبير هاس يجوب ردهاته في الماضي مُحققا في اعتقالات وعمليات هروب شهيرة. يحكي السارد مفارقة حلوله سجينا في إحدى زنزاناته! وكان سببُ عُقوبته الحبسية (أحكي للنائي والداني شذراتٍ من سيرة تعرفي إلى السلطان مولاي عبد الحفيظ الذي وقع تجريمي بالدفاع عن حقه في الاِلتحاق بأهله، ومُلاحقتي بعد السؤال عن حيثيات موته الأعزل، بعيدا عن بلَده وذويه). في سجنه، ولكي يُبدد عنه آلامَ الوحدة والعُزلة، يعزم البطل على كتابة مذكراته التي تحفل بتأملات رصينة في الجدوى من الكتابة، ووظيفتها في هذا الفضاء الذي يُحشَر فيه الكائن، وتُسلَب فيه حريته: (ما من شيء يمكنه ان يتحدى خرس الجدران وبكمها، ويُؤنس وحشةَ عجوز أعزل مثلي، أكلتْ جوارح الوحدة الفتاكة صدره، أكثر مما تستطيع الكتابةُ المسكونة بحديث الروح أن توفره). في محكيه الذي يرويه بضمير الأنا (المتكلم) يسرد روبير هاس ولادته في الجزائر، وإتقانه للهجتها العربية المحلية، ودراسته في شعبة الدراسات الشرقية في باريس، وامتهانه للصحافة، واستقراره في باريس. لا يسير السرد في الرواية وَفق الطريقة الخَطية التتابعية التصاعدية، بل يقوم على التقطع والاِنتقال بين حاضر المحكي (سجن لاسانتي) وماضي الأحداث (رحلته إلى المغرب ووصف وقائعها التي تبدأ من طنجة إلى البيضاء فالصويرة ثم مراكش). فبعد أحداث قصف المحتل للدار البيضاء، ستنتدبه الصحيفة مُراسلا لها في المغرب، وفي هذا الاِنتداب سيُحقق بُغيتَه التي لطالما كان يهفو إليها (مُلاقاة السلطان مولاي عبد الحفيظ) وإجراء حوار معه شكل سبقا صحافيا كبيرا.
يبدأ محكي الرحلة بوصول الذات الحاكية «روبير هاس» إلى مدينة طنجة، وقبل أن يشرع في موضوع حكيه، يستحضر أسلافَه الفرنسيين من الرحالة المشاهير الذين جابوا ربوع المغرب، ودونوا ملاحظاتهم وتجاربهم في نصوص رحلية، لعل أجدرهم بالذكر، ههنا، هو الرحالة الشهير شارل دو فوكو. يستمد روبير هاس من هؤلاء العوْن والصلابة للخوض في ما نوى القيام به. لم يمكث في طنجة إلا وقتا قليلا ليشد منها الرحال إلى الدار البيضاء، في الباخرة التي عزم على البقاء فيها أياما بغية (رصْد معالم القصْف الذي تعرضت له المدينة). يبلغ البيضاءَ، فيصف أحياءَها، وأجواء التوتر فيها، ويتنكر في زي مغربي خلال تَجواله في مناطقها، ويذكر الخرابَ الذي طال المدينة من جراء قصف المستعمر لها، ويُدون شهادته عن هذا الخراب بلغة شعرية استعارية بليغة: (أجل، لقد رأيت آثار الموت، وسمعت حكايتَه البكْماء، وشممْت رائحتَه النفاذة في الهواء، ولمست توقيعَه الغائرَ في كل شيء). وبمناسبة الحديث عن مُكون اللغة في هذه الرواية، فإن ما يلفت انتباهَ القارئ وهو يطوف عوالم الرواية، هو هذا الوعي العالي باللغة الذي ينماز به الكاتب أحمد الويزي في نصوصه الروائية، أو في ترجماته الرفيعة، وعي لغوي مسكون بروح الشعر. وإنما سُقتُ هذه الميزةَ لما بات يعتور الكثرةَ الكاثرة من الأعمال الروائية العربية من ضَعْف لُغوي واضح، وفقْر مُعجمي صارخ. وعندما يُدرك الصويرة يصف حاضرتها، وسحر موقعها، ومكانتها الاقتصادية، والعائلات اليهودية النافذة فيها نحو (آل أفرياط وقرقوز). وهنا تُفرد الرواية صفحات كاملةً تُشير فيها إلى دور المُكون اليهودي المغربي في الحركة التجارية والدبلوماسية على السواء في التاريخ المغربي الحديث (تُجار السلطان).
ويبلُغ النص الرحْلِي ذروته في وصف روبير هاس لرحلته من الصويرة إلى مراكش ضمن قافلة من ثلاثين نفرا، حيث يتأثث هذا النص الرحلي بعناصر الغرابة والدهشة ومنها (وصف أولياء رجراجة السبعة، والزطاطة، والمبيت في العَراء، ووصف القبائل وبيئتها، والتمايز في الهُوية بين العرب والأمازيغ، والنزالة).

اليوميات: عيْنٌ السارد على الواقع

تختزل اليوميات جماع تأملات البطل في الواقع الاِجتماعي والتاريخي للأهالي (المغاربة). إنها وثيقة اجتماعية يرصد فيها روبير هاس بعض الظواهر التي لفتت نظرَه وهو يتأمل المجتمع المغربي ظاهرة المغاربة المُجنسين والمحميين، أو النسيج الاِجتماعي الذي يشكل فسيفساء في حاضرة الصويرة: أجانب، ومغاربة يهود ومسلمون. يمكن عَد هذه اليوميات بمثابة سوسيولوجيا ميدانية تبحث في عادات وطبائع الآخر (المغربي) وتستكشف نمط تفكيره وذهنيته، وطرق عيشه، وتثير تساؤلات لماحةً وذكية بشأن واقعه، وأُفقه المستقبلي، ووضع الطائفة اليهودية الذي تأرجح بين الاِعتبار والإنكار.

حكاية السلطان مولاي عبد الحفيظ أو الملك الذي يموت مرتيْن

لا يكتب السلطان في الرواية سرديته الخاصة، وإنما يتعرف القارئ إلى تفاصيل حكاية السلطان الإشكالي م.ع.ح من خلال ما يرويه عنه روبير هاس الذي قدم إلى المغرب (مراكش) قصد تحقيق حُلْم كبير ظل يهجس في دخيلته: (كان وصولي إلى مراكش، بمثابة بداية لتحقق الحُلم الذي راودني منذ بداية التحاقي بالصحيفة، وهو الحلم الذي ما انفك يدفع بي إلى تصيد الفُرص للاقتراب من مربع الملك، وقد أهدتني تلك المدينة الحمراء، الحظوة التي طالما حلمت بها).
بالفعل، إن «اقتراب روبير هاس من ذاكرة السلطة المخزنية الجديدة» وانغماسه في البيئة المغربية وقتئذ، واطلاعه الدقيق على سياسة بلاده الكولونيالية، ومعرفته بتفاصيل وخبايا صناعة قراراتها، وحذقه بالعامية العربية.. كل هذا مكنه من تقديم وصف مُسهب ودقيق لحالة المغرب في مطلع القرن، عندما تربصت به فرنسا، وحشرت أنفها، ودست عيونها في دوائر الحكم الضيقة فيه، كيما يتسنى لها بسط نفوذها على كامل ترابه، وضمه إلى حلمها الإمبراطوري في افريقيا.
اِقترب الصحافي روبير هاس من الملك مرتين، وأجرى معه حوارين: جرى الأول في المغرب، ودار الثاني في منفى الملك في فرنسا، أما الحوار الأول فينقل فيه صورةً لملكٍ عازمٍ على توحيد البلاد، واستعادة هيبته، أما الحوار الثاني في فرنسا فيقدم صورة عن الملك يبدو فيها مكسور الحال، مهزوم النفس، من جراء المنفى الذي أكرهته فرنسا عليه، وسعيه اليائس لاِسترجاع ملكه.. هذا الدنُو من الملك جعل البطلَ يتعاطف معه، ومع قضية الشعب المغربي، ويقدم رُؤية مُغايرة ومناقضة لتلك الصورة الزائفة التي يُشيعها بلده الكولونيالي. وكان هذا كافيا لتزج به سلطات فرنسا في السجن. بهذا تكون رواية «الملك يموت مرتين» قد حفرت حفْرا عميقا في طبقات فترة تاريخية شائكة وملتبسة من تاريخ المغرب الحديث، مثلما نبشت نبشا هائلا في التاريخ الكولونيالي لفرنسا، وفي اشتباك الرواية هذا مع ضفتيْن وتاريخيْن يكون جَدَلُ التخييل والتاريخ قد بلغ درجة من التجاذب والتناوش، حققتْ إمتاعا ومُؤانسة للقارئ، وأتاحت له، وهو يقرأ هذا النص الروائي المتميز، جَنْيَ فوائدَ عميمةً، ومعرفةً ثرةً، تُحيط بفترة تاريخية ما زلنا نحمل جراحاتِها، وآثارَها الحارقة التي لم نُشْفَ منها بعد!
تنم هذه الرواية الجديدة للكاتب والمترجم المغربي أحمد الويزي على الجهد الكبير الذي بذله في الاِطلاع على تاريخ فرنسا في القرن العشرين، وعلى السياق التاريخي العام لفترة السلطان عبد الحفيظ، مثلما تُفصح عن التحصيل الواسع لمظان مفصلية تؤرخ لهاتين المرحلتين، وهذا ما تشي به الهوامشُ والحواشي العديدة التي أفردها المؤلف لتقديم شروحٍ مستفيضة ومُعينةٍ، وإضاءات كاشفة ومُنيرة، تُسعف القارئ وهو يسلك دروب هذه الرواية المتعرجة، وترسم سبيلا قويما له.. تُخْلِص روايةُ «الملك يموت مرتين» للتصور الشائع لما ينبغي أن تكون عليه الرواية، بما هي جنس جامعٌ ومنفتحٌ يصهر في بنيته الداخلية مجموعة من الأنواع والأشكال السردية الأخرى.. من هنا نجد أن هذا النص الروائي ضم اليوميات والنص الرحْلِي والمذكرات والمقالة والوصف الجغرافي والسوسيولوجي والإثنوغرافي. إن تضافر تقنية السرد المتنوع والمُتقطع، وتعدد اللغات، وتصارع الأصوات، وانفتاح النص على أنواع سردية أخرى، والإيهام بالوقائع، أكسب هذه الرواية صفات الجِدة في البناء، والعُمق في التناول، والإمتاع في الموضوع، والإغناء في المعرفة.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية