كيف يكون الفيلم الإسرائيلي خاطفاً لخطاب الضحية؟ أو كيف نتلقى فيلماً مثل «ركبة عهد» بالخطاب الذي يقدمه لمُشاهده؟ بإشاراته المباشِرة السطحية، وهو ينقل قصة مخرج إسرائيلي يريد أن يصنع فيلماً عن الفتاة الفلسطينية عهد التميمي، التي صفعت جندياً فاعتُقلت، فيعاني (المُخرج) من سياسة وزارة الثقافة الإسرائيلية.
على السطح، يريد المخرج – واسمه Y- أن يصنع فيلماً يفرغ فيه تضامنَه مع الفتاة الفلسطينية، منتقداً الجيش، وكذلك أحد المعلقين المستغربين لمَ لم يطلق جنديٌ رصاصة على ركبة عهد ليصيبها بالشلل. ليكون الفيلم، كما يمكن أن يُفهَم سطحياً، متضامناً مع الفلسطينيين، ورافضاً للدولة ممثلةً بوزارة الثقافة.
لنترك السطح لأصحابه، المتحمسين لأي إشارة ظاهرة واستعراضية في «انحيازها للضحية»، من أي مُخرجٍ إسرائيلي في الموضوع الفلسطيني. ولندخل أكثر في تعقيدات العلاقة مع إسرائيل كدولة مستعمِرة ومع «المتعاطفين» من المنتمين إلى منظومة الدولة والباقين، أولاً وأخيراً، ضمن تناقض لا يخرج عن مصالح الاستعمار وتنويعاته.
لا يبتعد مُخرج «ركبة عهد»، نداف لابيد، هنا كثيراً عن فيلمه السابق «مترادفات»، وفيه شخصية رئيسية تعاني من تراوما الجيش والحروب (دون اكتراث أو إشارة إلى تراوما ضحاياهم من الفلسطينيين) هارباً من دولته إلى باريس. هنا، في «ركبة عهد»، المُخرج Y مصاب كذلك بتراوما الحرب، تصرح له بذلك مديرة المكتبة، بعد حديثه مطولاً لها عن تجاربه البائسة في الجيش أمس، ومقته لوزارة الثقافة اليوم. وهو في حديثه، كان في «وادي عربة» الصحراوي لعرض فيلم سابق له، فيدخل في مونولوغات تجادلية معها، فيها انفعالات مفرطة قد تكون الغاية منها المغالاة، فالإقناع (وذلك فعال عند كثيرين) في مقته للدولة، المنبعث من تجربة الجيش والمستمر في تجربة الوزارة.
لننطلق من أن المغالاة والصراخ لا يتركان تأثيراً إقناعياً لدى أحدنا، كيف إذن يمكن مشاهدة فيلم كهذا؟
كل ما في علاقة المخرج Y مع وزارته لا تتخطى توتراً أو عدم تفاهم «عادي»، نجده في هذه الدولة أو تلك، ولا يمكن أن يكون تبريراً مقنعاً لرفضٍ تام لمنظومة الدولة التي تمثلها هذه الوزارة. نحن هنا أمام مسألة «حريات» تحاول فيها السلطةُ إعاقة الفنان عن الخروج عن إطارات معينة تتطلبها السلطة لتدعمه في فنه أو لا تمنعه على الأقل. نحن هنا أمام تذمر Y من الوزارة لا بسبب منع فيلم له، بل الامتناع عن تمويل فيلم له لا يكون ضمن شروطها أو معاييرها. هذا تذمر مشروع لكل الفنانين، وإن كان الأخير -على كل حال- لا يحتاج كثير نباهة لإدراك ذلك، أو لتوقعه قبل التقدم إلى الوزارة أو أي جهة رسمية أخرى. لا نستطيع، إذن، تحوير إشكال Y مع وزارة ثقافةِ دولته، ليكون متعلقاً بشأنٍ فلسطيني. هذه مسألة إسرائيلية داخلية تتغير بتغير وزير أو رئيس حكومة. لا علاقة لعهد التميمي بذلك، أما إقحام اسمها، فهذا ما يستحق التناول.
يفتعل Y خلافاً «حرياتياً» مع الوزارة، مركباً اسم عهد، مستثمراً الافتعال ومعطيه، الاسمَ، مكانةً عالية بتعليقه على عنوان الفيلم، كما يعلق أحدنا شيئاً في غير مكانه، فيلفت الانتباه ويُعاد إدراك/النظر إلى كل ما حوله بما يلائمه. قليل من الانتباه يفند هذا التعليق، ويضع الأمور في سياقها الصحيح.
يمكن انتشال اسم عهد من عنوان الفيلم ومَشاهده كلها، واستبدال اسم كلير به – مثلاً- مستعيدين فيلم الفرنسي إيريك رومير «ركبة كلير» (1970)، وفيه بيدوفيليا كانت «تمر» آنذاك كما يبدو. كأن لابيد، في الإحالة إلى عهد، وقع بغير ما أراده، في إظهار علاقته – أو علاقة Y- بالوزارة والرقابة المسبقَة، بموضوعاته، فأحال اعتباطياً إلى فيلم يمكن لأحد تفسيراته أن يتناول البيدوفيليا. فتكون المسألة هنا وهناك مسألة حريات تامة لا مكان لعهد، ولا لأي موضوع/ذات فلسطيني فيها. هي خلاف إسرائيلي- إسرائيلي، يسعى كل طرف فيه إلى ما يراه في صالح الدولة المتشارِك كلاهما في رغبة سحبها إلى صالحها، هي خلافات في الرأي حول كيف نجعل من إسرائيل دولة أفضل.

الإقحام كاستلاب
كيف يمكن، إذن، تفسير إقحام اسم عهد التميمي في فيلم «ركبة عهد»؟
سأستهل محاولة الإجابة بكلمات لمحمود درويش («اليوم السابع» 14 نيسان/إبريل 1986): «فما أجمل وما أخطر أن يستعين القاتل بضحيته لتحميه من عذاب الإثم! وأن يتعاطف معها ليحل معضلة الأرق طالما هو الغالب، وأن يمنحها بعض اعتراف ليلي يقول أنه كان يشبهها، وأنه أخوها المعذب، ثم يوقف مطالبها عند لمسة حنان».
سألخص كلمات درويش بمفردة «الاستلاب»، ليكون اسم عهد التميمي في الفيلم شكلاً آخر من الاستلاب الذي يمارسه الإسرائيلي «اليساري» «المتعاطف» مع ضحايا دولته، والراغب بمحو الفلسطيني، بسلبه صوته، مثله كمثل اليميني إنما دون ضجة. وهؤلاء (ضحايا دولته) هم بالدرجة الأولى رعايا هذه الدولة، المصابون بتراوما الحروب، مَن يعانون من نقصٍ في الحريات، وهم بالدرجة الأخيرة أولئك الواقعين تحت استعمار دولة «المتعاطفين». أما الأكثر تقبلاً في ذلك، ما لا «يقض مضاجع» الدولة، فهي صورة لفتاة صغيرة تصرخ على جندي إسرائيلي مسلح. لا يحتاج أحدنا مشاعر استثنائية كي يتعاطف مع الفتاة في الفيديو الشهير الذي ترفع فيه الطفلة عهد قبضتها في وجه الجندي – ونشاهده كذلك في الفيلم- ولا نقمة انقلابية تجاه الدولة في ذلك، وفيه يجد «داعي السلام» راحتَه التطهرية. أينما كان المشهد، لأي طفلة وأي جندي، ستتقبل الأنظمة السياسية، مهما كانت عسكريتارية، تعاطفاً سطحياً (متواطئاً مع الدولة في العمق) لأي فنان مع الطفلة. فيمكن، دائماً، إحالة المَشهد إلى رحمة الجندي، وسعة صدر الدولة.
إقحام عهد، بذلك، كان سلباً لخطاب التعاطف مع الفلسطينيين، وتحديدِه في سياق لا يأتي على شرعية دولة إسرائيل بكل أركانها، خطفَ/سلبَ نداف لابيد خطاباً لا يهدد دولة إسرائيل في شيء (التضامن مع الطفلة) و«شذبه» ليلائم حالة سوء تفاهم بين مخرجٍ ووزارة الثقافة، مجرداً مشهدَ الطفلة والجندي من كل سياقاته التاريخية.
لا يطرح الفيلم سؤالاً واحداً عن مَن هذه ولمَ تفعل هذا. والمخرج (الذي يذكر معاناته في الحروب مع لبنانيين وسوريين) لا يشير إلى عهد إلا بالطفلة العربية. لا ذكر لكلمة فلسطين أو فلسطينيين في الفيلم كله. هم، كما هو متجذر في الخطاب الصهيوني على تنويعاته يميناً ويساراً، غير موجودين. وهذا من لوازم السلب، إذ لا يجوز استحضار المسلوب من قبل السالب، فلا بد من تغييبٍ تام كي لا ينتبه أحدٌ إلى أن عملية سلبٍ تجري هنا، ولا إلى السياقات الجديدة المتُستحدَثة (سلب رموز ثقافية فلسطينية – أطعمة وأزياء وغيرها – واستحداث سياقات إسرائيلية لها، مثال آخر)، وهي سياسة الاستعمار الاستيطاني في كل مجالاتها، إذ تسلب الأرض وتستوطنها كما تستوطن (تسلب/ تصادر) رموزَها الثقافية.
عهد في الفيلم كانت فتاة «عربية»، لا يحتاج المخرج ليتعاطف معها أن يكون نقيضاً لدولته بانتقاده تغريدة لأحدهم يطلب من الجندي إطلاق رصاصة على ركبتها. في هذه المهزلة من المشاعر الإنسانية الكذابة أولاً والخبيثة ثانياً والاستعمارية دائماً، يستحضر الفيلمُ عهد التميمي.
لا يبتعد الفيلم عن عموم الخطاب الصهيوني الخاطف/السالب لمقولة الضحية وموقعه، من الفلسطينيين، فيكون الفنان الإسرائيلي أخيراً الضحية الأولى لدولته، ولا مكان لضحية أخيرة يكونها فلسطيني إلا بقدر «تضامن» الفنان معها، أي بقدر ما تسمح عملية الاستلاب، أي بقدر ما يكفي لتغييب الفلسطيني. يُسلب إذن خطاب الضحية الفلسطينية من قِبل «ضحية» إسرائيلية، ويُنزع من سياقه ليخدم سياقاً مستحدَثاً للسالب على حساب المسلوب. لا حاجة لعهد التميمي بالكلام إن كان هنالك من سيتكلم نيابة عنها. هذا منطق لا يناقض حالة الاستعمار الإسرائيلي (سياسياً وعسكرياً) بل هو مكملٌ له، يعطيه «شرعية أخلاقية» تكون بمحو الخطاب الإنساني والأخلاقي للضحية، وبإحالة الخطاب ذاته إلى ما لا يهدد الدولة، إلى ما يبقيه سوء تفاهم موضعي في الفريق الواحد.
الفيلم «المنتقد لوزارة الثقافة» هو في صميم الرؤية الصهيونية للفلسطيني، وهي رؤية عمياء، وهو بذلك يذكر في حادثة كان كتبها إدوارد سعيد في مقالة له بعنوان «الرفض الكامل والقبول الكامل وجهان لعملة واحدة» («الحياة» 3 تموز/يوليو 1996)، مشيراً إلى نتنياهو حين كان ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة، والذي رفض أن يكون مع سعيد في الاستديو ذاته، خلال أحد البرامج التلفزيونية، وقد أحال سعيد ذلك معلقاً، إلى «الأيديولوجية الصهيونية التي تقوم على غياب الفلسطيني، إن لم يكن محوه».
ولا خلاف بين يمين ويسار في الصهيونية، على ذلك. المحو محوٌ، كان ذلك بطلقات «عوزي» أم بفيلم.
كاتب سوري فلسطيني