صحف عبريةان صور عشرات الجثث لمواطنين سوريين مقيدين بعضها شبه عار، وعلى بعضها آثار اطلاق نار تغرق البث في وسائل الاعلام العربية. ويتحدث نشطاء من منظمات حقوق انسان في سورية في بث حي عن أنهم لا يستطيعون دخول الأحياء التي يتم قصفها بقذائف رجم على يد الجيش السوري لجمع الموتى الذين يُقدر عددهم حتى الآن بنحو من 350 شخصا. ولا توجد احتمالات كبيرة لأن يتلقى أكثر من 1500 جريح من المدنيين في اليوم الاخير علاجا طبيا. فالمستشفيات ليست مليئة الى درجة الفيضان فقط بل يخشى كثيرون الانتقال الى العيادات خوفا من ان ينالهم رصاص الجيش السوري.
هذا أصعب يوم مر على متظاهري مدينة حمص ثالث أكبر مدينة في سورية، والتي يسكنها أكثر من مليون و200 ألف انسان، والتي أصبحت رمز العصيان المدني. وتشهد البيوت المهدمة في حي الخالدية في المدينة حيث تتركز أسواق شعبية على صورة الهجوم الوحشي للنظام. وان الاستراتيجية السورية الجديدة التي تمنح الجيش رخصة القصف والقتل بلا تمييز قياسا بالاستراتيجية السابقة التي كانت موجهة الى مهاجمة مصادر العصيان بدقة، تحدد صورة المعركة في المرحلة التالية. ان مواطني سورية الذين خرجوا في مظاهرات ضخمة مُتذكرين المجزرة في مدينة حماة التي حدثت قبل ثلاثين سنة بالضبط وهم يهتفون بشعار ‘سامحينا يا حماة’، يميزون خطوط التشابه بين تلك المجزرة التي قُتل فيها بضع عشرات آلاف من البشر بأمر من حافظ الاسد، وبين نية بشار الاسد ان يتبنى طرق والده. يتجلى الزعيم وهو الطبيب الذي استقر رأيه في ايام ولايته الاولى على السماح للمعارضة المثقفة بالتعبير عن آرائها، وافتتح صالونات نقاش سياسي وجلب بشرى الانترنت الى بلاده، بصورة جزار كبير مصمم على الحفاظ على سلطته وسلطة عائلته وليكن الثمن ما كان.
غادر آلاف من الناس سورية ويتجه آلاف الى معسكرات اللاجئين المرتجلة التي أُقيمت في تركيا ولبنان والاردن، وتصاحبهم في طريقهم نيران الجنود السوريين وقوى الشبيحة السوريين وعليهم ان يقطعوا احيانا حقول ألغام دُفنت في المدة الاخيرة على طول الحدود لمنع هرب المواطنين. وبرغم ذلك فان المظاهرات مستمرة في حمص وفي مدن اخرى مثل إدلب وحلب، وتمت أمس ايضا مظاهرة كبيرة في شارع بغداد في العاصمة دمشق.
يعمل على مواجهة الجيش السوري الجيش السوري الحر بوسائل ضئيلة. ويبلغ عدد قواته بحسب تقديرات جديدة أكثر من 30 ألف مجند منهم بضعة جنرالات ومئات من الضباط المنخفضي الرتب. لكنه جيش سلاح خفيف وقنابل يدوية وشحنات ناسفة ويعتمد مدده على مهربين لبنانيين ويقوم بمعارك من كمائن. وينجح بين الفينة والاخرى في السيطرة على بلدة صغيرة أو ضاحية أو يأسر مجموعة من الجنود السوريين أو يحتل منشأة عسكرية يرفع علما فوقها. بحسب تقارير من سورية يتمتع بدعم مالي من قطر والسعودية لكنه لا يستطيع ان يكون حتى الآن بديلا عسكريا حقيقيا. ويوجد بين صفوف المنشقين شقاق ينبع من الولاء لقادة مختلفين ولعبة الأنا بين قادة كبار انشقوا ويريدون تولي قيادة الجيش، وبين قائد الجيش العقيد رياض الأسعد. وقد أُنشيء في مدينة حمص ‘جيش’ آخر من مجموعة منشقين وليس واضحا بأي قدر ينسق مواقفه مع الجيش السوري الحر. وقد يدخل الى هذا الجهاز ايضا نشطاء القاعدة لأنهم يلاحظون فرصة فتح ميدان قتال جديد ديني متطرف بحسب الطراز الذي عملوا به في العراق.
يبدو مع كل ذلك ان المعركة السياسية التي تجري في الامم المتحدة لا تمس سورية. فالصور التي يبثها التلفاز السوري تُظهر مدنا يريد كل مواطن ان يسكنها؛ فشوارع هادئة وعدد قليل من السيارات وموسيقى تطيب للأذن. وحينما تبدأ برامج الكلام يتحدث المحللون السوريون الرسميون عن أن القتلى إن وجدوا قتلهم زعران المعارضة الذين يعملون بحسب أوامر دول عربية اخرى وبحسب تخطيط الغرب.
تم البرهان في مبنى الامم المتحدة اليوم على ان الاسد يستطيع الاعتماد على تأييد روسيا التي استعملت مع الصين نقضا مجلجلا لاقتراح القرار العربي الاوروبي. ولم تثمر المحادثة بين هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية وبين نظيرها الروسي حتى الآن النتيجة المأمولة. فقد رفعت روسيا والصين الاصبع الوسطى في مواجهة الجهد الامريكي والموقف العربي. ولم يؤثر في روسيا اقتراح القرار العربي برغم أنه سُحق سحقا دقيقا ليحرز الدعم الروسي، وعدد القتلى الكبير. أعلن لافروف قبل عدة ايام أن ‘روسيا لا ترى الاسد حليفا وهي ليست عاشقة له’، لكنها تريد حلا سورية للازمة لا حلا امريكيا. واذا وجد شخص ما ليقرر هل يمضي الاسد ومتى فسيكون بوتين لا اوباما. وما تزال روسيا تؤمن بقدرة الاسد على البقاء وهي تبذل على الأقل جهدا لصد ‘سيطرة’ الغرب على الربيع العربي.
لكن حتى لو تم اتخاذ القرار في مجلس الامن فانه كان سيكون قرارا أجوف. فالمعارضة السورية لن توافق على اجراء حوار مع النظام ما بقي الاسد في منصبه، والجيش السوري الحر لن يضع سلاحه، وبذلت الدول العربية أقصى ما تستطيع تقريبا ومن ذلك تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية وفرض عقوبات اقتصادية كبيرة عليها من غير ان تنجح في تغيير موقف الاسد. ان اعلان تونس طرد سفير سورية واعادة سفيرها من سورية لن يؤثر شيئا في الاسد الذي سخر حتى الآن من كل مبادرة عربية وأفشل ايضا عمل المراقبين الذين عاد فريق منهم الى بيوتهم ولا سيما المراقبون من دول الخليج.
الاسد لا يشارك في التقدير الرائج في اسرائيل ايضا الذي يقول ان الاسد سيسقط في نهاية صراع طويل نازف. فهو ما يزال يتمتع بمساعدة مالية ايرانية وعراقية وبعثات سلاح من روسيا. وجيشه برغم الانشقاق الذي اقتطع نحوا من 10 في المائة من حجمه لا يسقط عموده الفقري النظامي وقيادته العليا وما يزال يملك قوات كثيرة ما يزال بعضها مثل سلاح الجو لم يدخل المعركة. وهو ما يزال يستطيع الاعتماد على جر الأرجل والخوف في الغرب من عمل هجومي عليه.
هارتس ـ 5/2/2012