أزمة السفراء العشرة.. ماذا يعني إعلان “شخص غير مرغوب به” وكم مرة طبقت تركيا هذا العرف الدبلوماسي؟ 

إسماعيل جمال  
حجم الخط
0

إسطنبول- “القدس العربي”: يعتبر إعلان السفراء والدبلوماسيين الأجانب “أشخاصا غير مرغوب بهم” من الأعراف الدبلوماسية المنصوص عليها في اتفاقية فيينا التي تنظم العلاقات الدبلوماسية بين الدول، إلا أنه يوصف بالإجراء “نادر الاستخدام” وآخر الخطوات التي تلجأ إليها الدول في الأزمات التي تتفجر بينها، لما له من آثار دبلوماسية صعبة على مستقبل العلاقات بين الدول، وقد تدفع نحو سنوات من القطيعة بينها.

ويعتبر تهديد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإعلان سفراء عشر دول كبرى بأنهم “أشخاص غير مرغوب بهم” على خلفية بيانهم المشترك الذي يطالب أنقرة بالإفراج عن عثمان كافالا الذي تتهمه تركيا بالمشاركة في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 من الحوادث النادرة جداً، كونه يتعلق بسفراء عشر دول كبرى مرة واحدة بينها الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا، وهو ما ينذر بأزمة دبلوماسية كبيرة بين تركيا وهذه الدول والاتحاد الأوروبي أيضاً.

اتفاقية فيينا  

يشير المصطلح الدبلوماسي اللاتيني “personae non gratae” والذي يعني لغوياً “شخصا غير مرغوب/ مرحب به” إلى بند في اتفاقية فيينا يتيح للدول المستضيفة إعلان سفير أو دبلوماسي أو ملحق بأنه شخص لم يعد مرحبا به ويتوجب عليه مغادرة الدولة لأسباب توضحها الاتفاقية وتختلف الدول على تفسيرها.

ويصنف الإجراء على أنه “إجراء متقدم” وآخر ما تلجأ إليه الدول دبلوماسياً فيما بينها، ويتوجب على الشخص الذي يعلن أنه “غير مرغوب به” مغادرة البلاد وربما يمنع من دخولها مرة أخرى، حيث تمنع الحصانة الدبلوماسية الدول من استجواب أو محاكمة السفراء والدبلوماسيين بموجب المادتين 41 و42 من اتفاقية فيينا وبالتالي تلجأ إلى إجراء الطرد.

فبموجب المادة 9 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الموقعة عام 1961، يجوز للدولة المستقبلة “في أي وقت ودون الحاجة إلى شرح قرارها” الإعلان عن أن أي عضو من الموظفين الدبلوماسيين هو “شخص غير مرغوب فيه”، ويعد ذلك الشخص شخصاً غير مقبول وجوده وعادة يتم ترحيله إلى وطنه الأم، وإذا لم يتم ترحيله، فقد ترفض الولاية المستقبلة “الاعتراف بالشخص المعني كأحد أعضاء البعثة الدبلوماسية”.

وبموجب اتفاقية فيينا، يُلزم الدبلوماسيون باحترام القوانين واللوائح الوطنية للدولة التي يعملون فيها، وإذا خرقوا هذه القاعدة الدبلوماسية، يمكن إعلانهم “أشخاصا غير مرغوب بهم” لصعوبة ملاحقتهم قانونياً بسبب حصانتهم الدبلوماسية، وتشير الاتفاقية إلى تجاوزات من قبيل اعتبار أن الدبلوماسي تدخّل في الحياة السياسية الداخلية للدولة أو أدلى بتصريحات “غير لائقة” بحق الدولة ومسؤوليها، أو حرض ضد النظام القائم، وشجع على سياسات داخلية كالتظاهر والإضراب وغيرها، أو تورط في أعمال غير قانونية كالتجسس والتآمر والتهريب والتهرب الجمركي.

وفي العادة، يشير المصطلح إلى احتجاج الدولة على شخص السفير أو الدبلوماسي وليس على دولته، وبالتالي يعلن عن الشخص المعني بأنه “غير مرغوب به”، فالدولة المستضيفة لا يحق لها التدخل في أسماء الأشخاص المعينين لديها، لكنه يحق لها عدم الاعتراف بالدبلوماسي أو إعلانه لاحقاً شخص مرغوب به، رداً على تصرف ما قام به اعتبرته الدولة مخالفاً للأعراف الدبلوماسية. كما تلجأ الدول لهذا الإجراء في حال تدهور العلاقات بين الدول أو تطبيقه من مبدأ “المعاملة بالمثل” حيث تطرد الدول سفير دولة أخرى جرى طرد سفيرها منها.

سوابق تاريخية  

وفي العقود الماضية استخدمت تركيا هذا العرف الدبلوماسي على نطاق محدود جداً. ويعتبر إجراء طرد عشرة سفراء دول كبرى بشكل جماعي في حال تطبيقه بشكل رسمي الأول والأكبر في تاريخ السياسة التركية، ويتوقع أن يؤدي إلى أزمة دبلوماسية كبيرة مع الدول المعنية التي يتوقع أن توجه رداً دبلوماسياً مشتركاً ويمكن أن تلجأ إلى استخدام “حق الرد بالمثل” وهو ما ينذر بأزمة أكبر وأطول بين تركيا وهذه الدول.

عام 1986 وعلى وقع تصاعد الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية ونظام معمر القذافي في ليبيا، اعتقلت السلطات التركية شخصين يحملان الجنسية الليبية كانا يحملان متفجرات وبصدد تنفيذ هجوم ضد مقر إقامة وحدة عسكرية أمريكية في العاصمة أنقرة. واعترف الموقوفان لاحقاً بأنهما حصلا على المتفجرات من خلال السفارة الليبية في أنقرة، قبل أن تطلب الخارجية التركية من السفير الليبي آنذاك “محمد عبد المالك” مغادرة أنقرة، في حين تعذّر محاكمة دبلوماسيين آخرين بالسفارة لتمتعهم بالحصانة الدبلوماسية.

وفي عام 1985 اتهم محققون أتراك السكرتير الثاني بالسفارة السورية في أنقرة بالمسؤولية عن مقتل السكرتير الأول بالسفارة الأردنية آنذاك. وقبيل إعلانه رسمياً “شخصا غير مرغوب به” غادر السكرتير الثاني بالسفارة السورية إلى دمشق على وقع أزمة دبلوماسية كبيرة بين البلدين.

وفي واقعة أخرى، شارك السفير الإيراني في أنقرة “منوجهر متقي” الذي كان متحمساً لـ”الثورة الإيرانية” عام 1987 في تظاهرة نظمها حزب الرفاه التركي بمدينة قونيا وشارك بإحراق العلمين الأمريكي والسوفييتي ورفع لافتات “سننقذ الكعبة من آل سعود” وهو ما أزعج الخارجية التركية، ولاحقاً اتُهم بالتدخل في الحياة السياسية الداخلية التركية وإطلاق تصريحات “غير مقبولة” عن منع الحجاب في تركيا، واستدعت الخارجية التركية السفير الإيراني أكثر من مرة، قبل أن تستدعي سفيرها في طهران للتشاور ويغادر السفير الإيراني لطهران عام 1989، وكشفت الصحافة التركية لاحقاً أن الخارجية طلبت من السفير الإيراني المغادرة بدون إعلان رسمي آنذاك، كما كشف لاحقاً أنه متهم بالتستر على عمليات اغتيال لمعارضين إيرانيين على الأراضي التركية.

وفي عام 1997 تجددت الأزمة مع السفير الإيراني آنذاك “محمد رضا” الذي شارك في مؤتمر لحزب الرفاه الإسلامي وألقى كلمة حول تطبيق الشريعة الإسلامية في تركيا. وقال في تصريح لاحق رداً على الانتقادات إن “الشعب التركي من أنصار الشريعة”، ورغم إعلانه من قبل الخارجية “شخصا غير مرغوب به” إلا أن حزب الرفاه الذي كان شريكاً بالحكم في تركيا أبطل القرار قبل أن يعلن السفير مغادرته تركيا بشكل صامت.

وفي عام 1993 وقعت أزمة دبلوماسية بين تركيا وسويسرا، حيث هاجم متظاهرون مناصرون لتنظيم العمال الكردستاني مقر السفارة التركية في العاصمة “بيرن” وأطلق أحد حراس السفارة التركية النار ما أدى إلى مقتل متظاهر، ومع تصاعد الأزمة، طردت سويسرا السفير التركي، لترد أنقرة بطرد السفير السويسري.

وفي السنوات الأخيرة، وقعت العديد من حوادث سحب وطرد السفراء من جانب تركيا بدون إعلانهم بشكل رسمي “أشخاصا غير مرغوب بهم” كان أبرزها مع النظام السوري عقب الثورة، ومع مصر عقب الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، ومع إسرائيل عقب الجرائم التي ارتكبها الاحتلال ضد الفلسطينيين وخاصة في مسيرات العودة بغزة عندما قتل الجيش الإسرائيلي عشرات المتظاهرين الفلسطينيين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية