انتهت زيارة أنجيلا ميركل الناجحة إلى القدس بملاحظة لاذعة. بكلماتها: “أنا مع دولة ديمقراطية يهودية، ولكن وجود هذه الدولة يجب أن يكون مضموناً للمدى البعيد. من اللحظة التي يكون فيها لإسرائيل حق في دولة خاصة بها، فللفلسطينيين حق في العيش (هكذا قالت) وفي تقرير مستقبله”. نسمع من خلف هذه اللغة غير المباشرة اتهاماً بـ “الأبرتهايد”، إحدى الكلمات المرادفة في السلامة السياسية لـ “العنصرية”. يطرح هذا التصنيف سؤالاً: هل نفهم منه اعترافاً مشروطاً بإسرائيل؟ ما العلاقة بين ذاك الاعتراف وقصيدة تمجيد إقامة دولة فلسطينية؟
نلمس في هذا نقطة حساسة للدول الغربية، فهي بالفعل تشعر بوجود إسرائيل، التي أحدث وجودها زعماً المصيبة الفلسطينية: الكارثة على خلفية النكبة. الذنب النابع من الكارثة وإن كان يغذي اهتماماً خاصاً بإسرائيل، إلا أنه ينمي أساساً إحساساً بالدين تجاه الفلسطينيين، ويلزم الاتحاد الأوروبي، دون أي اعتبار براغماتي أو استراتيجي، كالواجب التالي من اللاوعي الذي لديه. في حركة متكررة، يتسبب هذا الإحساس بواجب موجه لإسرائيل التي تطالب بتكييف سلوكها مع مكانتها كدولة وجودها مشروط من ناحية إنسانية أكثر مما هي مشحونة بالسيادة. فالأوروبيون يرون فيها المخيم الإنساني للناجين من الكارثة، وهذا هو شرطهم للاعتراف بالدولة: لسبب إنساني.
وثمة شرط لذاك الاعتراف المحمل بالذنب، الذي يطالب إسرائيل بألا تشذ أبداً عن دور “ضحية الكارثة”، وألا تمارس أبداً كامل سيادتها. هذه هي النية الدفينة في مبرر “التوازن” الذي تطرحه سواء فرنسا في مجلس الأمن، أم الرأي العام الغربي للجم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بقوة البراءة المبدئية للفلسطينيين. وكأنه يقال: “لستم شرعيين مبدئياً، لا يقف أمامكم أعداء يخططون لإبادتكم، بل ضحايا أنتم مسؤولون عن حياتهم ومدينون لهم. وفي أقصى الأحوال، يسمح لكم بأن تنفذوا أعمالاً شرطية تجاه مدنيين غير مسلحين، ولكن ليس رداً عسكرياً ضد عدو يريد إبادتكم”.
وهذا ينجح. الكل يقول لنا منذ بضع سنوات إن الجيش الإسرائيلي هو الإرادة والرؤيا للانتصار على العدو، طالما تشكل غزة وحزب الله خطر موت له. تقوم متلازمة الاتحاد الأوروبي إذن على أساس ذنب أوروبي ينسحب على إسرائيل على أساس المعادلة “إسرائيل = تعويض عن الكارثة”. وتتسبب هذه المعادلة بأخرى: “إسرائيل = النكبة”. لاحقاً تتسبب هاتان المعادلتان بواجب مزدوج: الواجب الذي يقع على أوروبا تجاه إسرائيل، والواجب الذي يقع على إسرائيل تجاه الفلسطينيين. عندما لا يتحقق هذا المنطق، تنقلب المعادلة: فإما أن تتماثل إسرائيل مع النازيين، ويتماثل الفلسطينيون مع يهود المعسكرات، بينما تصبح أوروبا المذنبة مراقباً قلقاً و”أخلاقياً” جداً في هذه الدراما. بمعنى، لا يمكن لإسرائيل أن تلبس بزة الجيش الإسرائيلي إلا تحت الملابس المخططة للمعسكرات. فالذاكرة الأوروبية للكارثة ليست الذاكرة اليهودية إياها (أو التي ينبغي أن تكون) بل وأقل من ذلك الذاكرة الإسرائيلية. الصيغة السحرية للسياسة الأوروبية “شعبان، دولتان” لا تخدم إلا راحة نفسية لأوروبا.
بقلم: شموئيل تريجنو
بروفيسور في جامعة السوربون. صاحب كتاب “حدود أوشفيتس”
إسرائيل اليوم 25/10/2021