أرسطو والشعر… مرافعة من أجل الإنصاف

ليس من شك في أن أرسطو هو أول من أعاد الاعتبار للشاعر والشعرية، بعد أن عاشا معا نوعا من الإقصاء الفج والسافل من قبل المحاكاة الأفلاطونية، حينما جعلتهما يبتعدان عن الحقيقة بثلاث درجات. لقد صرح أفلاطون في لهجة سجالية واضحة قائلا إن الشاعر التراجيدي محاك، ومن ثم فإنه منحى ثلاث مرات عن عرش الحقيقة، والسبب في ذلك راجع إلى كونه لا يسلك سبيل المعرفة الحقيقية التي تستدعي الجدل وسيلة لإدراك حقيقة الوجود.
إن كتاب «فن الشعر» لأرسطو، يُعتبر في نظر جهابذة المنظرين المعاصرين، وعلى رأسهم تزافيتان تودوروف، كتابا تأسيسيا في تاريخ الشعرية الغربية؛ بل إن هذا الكتاب كان له عظيم الأثر في ميلاد مجموعة من الشعريات العالمية، ومنها الشعرية العربية، إذ يكفي أن نستحضر أنه ترجم إلى اللغة العربية منذ القرن الثالث الهجري، فضلا عن أنه كان له تأثير كبير في صياغة الأطروحات الفلسفية العربية القديمة ونظريات النقاد العرب القدامى في ما يتعلق بالشعر وما يتصل به من قضايا.
في كتاب أرسطو المشار إليه أعلاه، سوف لن يهتم إلا بفن الشعر ابتداء من الفصل الرابع حتى الفصل السادس والعشرين، في إطار مفهوم شامل هو مفهوم المحاكاة. والمحاكاة لا تعني مطلقا استنساخ أو تقليد الشاعر/الفنان للواقع دون أي مجهود ذهني أو موهبة فنية، بل المحاكاة، هي قفز على الواقع التاريخي نحو الكليات والماهيات الفلسفية، ذلك أن أرسطو يرى «أن مهمة الشاعر الحقيقي ليست في رواية الأمور كما وقعت فعلا، بل رواية ما يمكن أن يقع. والأشياء ممكنة: إما حسب الاحتمال أو الضرورة، ذلك أن المؤرخ والشاعر لا يختلفان بكون أحدهما يروي الأحداث شعرا والآخر يرويها نثرا، وإنما يتميزان من حيث كون أحدهما يروي الأحداث التي وقعت فعلا، بينما الآخر يروي الأحداث التي يمكن أن تقع» (أرسطو: «فن الشعر»). ولهذا السبب انتصر أرسطو للشعر والشاعر على حساب التاريخ والمؤرخ. يقول «ولهذا كان الشعر أوفر حظا من الفلسفة وأسمى مقاما من التاريخ، لأن الشعر بالأحرى يروي الكلي، بينما التاريخ يروي الجزئي»(نفس المصدر).

إن تصور أرسطو للشعر، لا يمكن البتة مساءلته إلا انطلاقا من تصور هذا الرجل للفن في إطار نظرية المحاكاة عنده؛ ومن ثم فإن الطابع التجريدي الذي صبغ مفهوم الشعر عند أرسطو الفيلسوف، راجع بالأساس إلى الكثافة النظرية التي لفّت هذا المفهوم من داخل أطروحة مركزية وأساسية في الخطاب الفلسفي الأرسطي، ألا وهي نظرية المحاكاة..

إن ما يميز الشعر، بالنسبة لأرسطو، هو اشتغال عناصره بشكل منتظم (الانتظام الضروري والانتظام الاحتمالي) في إطار وحدة عمل المحاكاة التي تمنحه جماليته على نحو خاص. إن الشعر، مقارنة بالتاريخ، هو أقرب منه إلى الفلسفة بالنظر إلى استهدافه الكليات. وهنا تحديدا تقوم نقطة خلاف أرسطو مع موقف أستاذه أفلاطون من الشعر، حيث جعله في مرتبة أدنى في سلم المعرفة. والحق إن استهداف الشعر الكليات، أي كلية المواقف والميول التي تقود إلى التطهير (الكاتارسيس) وهو غاية الشاعر، يجعل الشاعر يحلق في سماء الفلسفي بعيدا عن كل ما هو تاريخي، الشيء الذي يمنح الشعر كيانه وخاصيته التي تمنحه حق الوجود بواسطة المحاكاة، بما هي (المحاكاة) مفسرة للإبداع الشعري. وبناء على ذلك خلص أرسطو إلى أن ما يفسر الشعر هو المحاكاة وليس الوزن، لأن «من ينظم نظرية في الطب أو الطبيعة يسمى عادة شاعرا، ورغم ذلك فلا وجه للمقارنة بين هوميروس وأنباذ وقليس إلا في الوزن، ولهذا يخلق بنا أن نسمي أحدهما شاعرا (هوميروس) والآخر طبيعيا أولى منه شاعرا» (فن الشعر).
نستنتج مما سبق أن أرسطو يفصل بين الشعر وغيره انطلاقا من مبدأ المحاكاة لا الوزن الذي يبقى عنصرا ثانويا في تعيين حقيقة ما هو شعري. إن المحاكاة الأرسطية بوصفها تصورا فلسفيا لظاهرة فنية (الشعر) تتبطن دعوة صريحة لإعمال آليات التخييل بوصفه قوة مطلوبة في التعبير، وبوصفه، عطفا على ذلك، محدّدا أساسا في القول الشعري. من هذه الحافة، حاول أرسطو استنباط جميع القوانين الخاصة بكل الأنواع الشعرية المتاحة، دون إغفال حقيقة كونه الفيلسوف الذي يبحث في مبحث الحقيقة، سالكا في ذلك المنهج العقلاني الصارم، لذلك انتهى في نهاية مطاف بحثه إلى رفض فكرة تحرير الخيال الشعري تحريرا مطلقا، لئلا ينفلت من إسار العقل. لأن الإفراط في التخييل يوقع الشاعر في التمويه والتغليط. والشاعر بذلك يخرج من إطار المحاكي إلى إطار المغلّط والموهّم.
والحاصل إن تصور أرسطو للشعر، لا يمكن البتة مساءلته إلا انطلاقا من تصور هذا الرجل للفن في إطار نظرية المحاكاة عنده؛ ومن ثم فإن الطابع التجريدي الذي صبغ مفهوم الشعر عند أرسطو الفيلسوف، راجع بالأساس إلى الكثافة النظرية التي لفّت هذا المفهوم من داخل أطروحة مركزية وأساسية في الخطاب الفلسفي الأرسطي، ألا وهي نظرية المحاكاة..

شاعر وكاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية