لندن ـ «القدس العربي» ـ وكالات: يبدو أن السودان، سيعاني عزلة دولية وإقليمية، عقب الانقلاب الذي نفذه الجيش ضد المكون المدني، فقد أعلن الاتحاد الافريقي، الأربعاء، تعليق عضوية الخرطوم، تزامناً مع تأكيد البنك الدولي إيقاف مساعدته، ورغم تواصل مسؤول أمريكي وآخر أوروبي مع رئيس الحكومة عبد الله حمدوك، فقد استمرت المطالبات بإطلاق المعتقلين، في وقت برزت فيه زيارة، السفير السعودي، في السودان، لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
واستقبل البرهان، في مكتبه في العاصمة الخرطوم، السفير السعودي، علي حسن بن جعفر، وتناول اللقاء «تطورات الأوضاع السياسية في البلاد والجهود المبذولة لحل الأزمة من خلال التشاور مع كافة الأطراف ذات الصلة» حسب بيان صادر عن مكتب القائد العام للجيش.
وأكد السفير السعودي «حرص بلاده على تحقيق الاستقرار في السودان، ودعمها لكل ما يؤدي لتحقيق الوفاق بين القوى السياسة».
«فتح حوار»
كما استقبل البرهان، فولكر بيترس، رئيس البعثة الأممية المتكاملة للمساعدة في الانتقال في السودان (يونيتامس) حيث دعاه إلى فتح حوار مع «رئيس الوزراء (عبد الله حمدوك) وأصحاب المصلحة الآخرين» للخروج من الأزمة الراهنة.
وقال المكتب الإعلامي لقائد الجيش، في بيان إن البرهان بحث مع بيترس «تطورات الأوضاع السياسية والسبل الكفيلة بالخروج من الأزمة، بما يحقق الاستقرار والسلام بالبلاد».
وعقب لقائه البرهان، في مكتبه في العاصمة الخرطوم، دعا بيرتس، في تصريح صحافي، إلى «فتح حوار مع رئيس الوزراء وأصحاب المصلحة الآخرين، مشيرا إلى استعداد الأمم المتحدة لتقديم الدعم اللازم في هذا الصدد».
وأضاف: «قدمنا بعض الاقتراحات للعودة إلى حوار شامل وعاجل لاستعادة الشراكة علي أساس الوثيقة الدستورية واتفاقية جوبا للسلام (2020) وعبرنا عن اهتمامنا بإيجاد خروج أمن من الأزمة الحالية».
وشدد بيرتس على حرص البعثة الكامل على المساعدة في عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد.
وفجر الإثنين، اعتقل الجيش قيادات حزبية ووزراء ورئيس الحكومة، عبد الله حمدوك وزوجته (أطلق سراحهما الثلاثاء) وأعلن البرهان حل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، وتعهد بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة، كما أعلن حالة الطوارئ وإقالة الولاة وعدم الالتزام ببعض بنود الوثيقة الدستورية الخاصة بإدارة المرحلة الانتقالية.
التواصل الأول
وفي أول تواصل معلن له مع الخارج، تلقى حمدوك اتصالا هاتفيا من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن.
وقالت الخارجية الأمريكية، مساء الثلاثاء، إن بلينكن تحدث في اتصال هاتفي مع حمدوك، ورحب بإطلاق سراحه، وجدد المطالبة بإطلاق بقية المعتقلين.
وأضافت أن الوزير أعرب عن قلقه العميق إزاء استمرار استيلاء الجيش على السلطة في السودان، وكرر ضرورة ضبط النفس وتجنب العنف في الرد على المتظاهرين، مشيرا إلى الدعوات الدولية المتزايدة لإدانة ما وصفه بالاستيلاء العسكري على السلطة في هذا البلد، مجددا تأييده لمطالب السودانيين بالقيادة المدنية والديمقراطية والسلام.
وأمس الأربعاء، قال الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، إنه هاتف حمدوك، وأكد، دعمه للعودة إلى السلطة الانتقالية بقيادة المدنيين.
وقال بوريل في تغريدة على تويتر: «هاتفت حمدوك وأكدت له دعمي للعودة إلى السلطة الانتقالية بقيادة المدنيين، باعتبارها السبيل الوحيد للمضي قدما».
وأضاف أن «أي شيء آخر (غير العودة إلى السلطة الانتقالية) هو خيانة لتطلعات الشعب الذي قاد الثورة قبل عامين».
ورداً على الانقلاب، أمر الاتحاد الافريقي، بتعليق مشاركة السودان في جميع أنشطته «بأثر فوري» على خلفية «استيلاء الجيش السوداني على السلطة وحل الحكومة الانتقالية».
جاء ذلك في بيان تلا اجتماعات عقدت بالاتحاد لمناقشة التطورات الأخيرة في السودان، أدان فيه الإجراءات التي اتخذها الجيش تجاه حكومة حمدوك.
وأقر البيان بتعليق مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد الافريقي حتى الاستعادة الفعالة للسلطة الانتقالية التي يقودها المدنيون.
وأشار إلى إيفاد الاتحاد بعثة إلى السودان للمشاركة في إيجاد حل ودي للمأزق السياسي الحالي.
وندد الاتحاد الافريقي في بيانه بما أسماه «الاستيلاء العسكري» على السلطة المدنية في السودان.
وقال: «ندين بشدة استيلاء الجيش السوداني على السلطة وحل الحكومة الانتقالية» مؤكدا رفض الاتحاد أي تغيير «غير دستوري للحكومة يحمل إهانة للقيم المشتركة والمعايير الديمقراطية للاتحاد الإفريقي».
وشدد الاتحاد، في بيانه على «ضرورة إجراء عملية انتقال بقيادة مدنية وتوافقية، تماشيا مع الإعلان الدستوري واتفاق جوبا للسلام، وكذلك مع تطلعات شعب السودان».
وأوضح أن قراره تعليق مشاركة الخرطوم في الأنشطة الخاصة به، سيظل ساري المفعول ما لم يتم استئناف السلطة الانتقالية من قبل المدنيين في السودان».
في السياق، رحب الاتحاد في الوقت نفسه بسماح العسكريين السودانيين لحمدوك بالعودة إلى منزله، داعيا إلى الإفراج الفوري عن باقي الوزراء والمسؤولين المدنيين المحتجزين.
تواصل أمريكي وأوروبي مع حمدوك… والبرهان وسفير السعودية يبحثان «حل الأزمة»
وكان الاتحاد الافريقي قد علق من قبل عضوية السودان في يونيو 2019 بعد مقتل متظاهرين مطالبين بالحكم المدني بالرصاص خارج مقر قيادة الجيش في الخرطوم.
كذلك، طالبت سفارات الولايات المتحدة و9 دول أوروبية، الأربعاء، بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين في السودان، والتمكين من لقاء حمدوك.
جاء ذلك في بيان مشترك صادر عن سفارات فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والنرويج وإسبانيا والسويد وسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة، لدى الخرطوم.
ونوه البيان، بإعادة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، إلى مقر إقامته، داعيا «إلى الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين دون تأخير».
وأضاف: «مستمرون في الاعتراف برئيس الوزراء ومجلس الوزراء كقيادة دستورية للحكومة الانتقالية».
وتابع: «من المهم أن يتمكن السفراء الموجودون في الخرطوم من التواصل مع رئيس الوزراء؛ لذلك نطلب بشكل عاجل أن نتمكن من مقابلة رئيس الوزراء».
وأعيد حمدوك، مساء الثلاثاء، مع زوجته إلى مقر إقامتهما في الخرطوم، بعد اعتقاله من قبل الجيش، وذلك «عقب ضغوط دولية لإطلاق سراحه» وفق بيان لمكتبه.
كما أكد بيان السفراء العشرة «أهمية احترام الحق الأساسي في التظاهر من جانب جميع المواطنين السودانيين، وضرورة احترام جميع حقوق الإنسان الأخرى لجميع المواطنين».
واستطرد: «يجب على قوات الأمن والعناصر المسلحة الأخرى الامتناع عن الهجمات العنيفة في كل الأوقات، ويجب حماية المتظاهرين السلميين».
وأردف: «نؤكد مرة أخرى الدعوات الدولية للعودة الفورية إلى خارطة الطريق للتحول الديمقراطي للسودان كما وردت في الوثيقة الدستورية واتفاقية السلام في جوبا».
واستدرك: «حوار شامل وسلمي ودستوري بين كل أصحاب المصلحة في السودان هو السبيل الوحيد للحرية والسلام والعدالة للجميع».
في السياق، أعلن البنك الدولي الأربعاء تعليق مساعدته للسودان بعد الانقلاب.
وقال رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس، في إعلان مكتوب إن «مجموعة البنك الدولي علّقت الاثنين صرف أموال كافة عملياتها في السودان وتوقفت عن البتّ بأي عملية جديدة في وقت نراقب ونقيّم الوضع عن كثب»
«قلق للغاية»
وبين، مالباس الذي زار السودان مؤخراً للقاء السلطات، «أنا قلق للغاية إزاء التطوّرات الأخيرة في السودان وأخشى التأثير الدراماتيكي لذلك على التعافي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد.
وأشار إلى أنه «ناقش التحوّل الاقتصادي والاجتماعي للبلاد» ويؤكد أنه «سمع تعهّداً واضحاً من جانب كافة الأطراف بالعمل معاً لمستقبل أكثر ازدهاراً للشعب السوداني بعد 30 عاماً من نظام استبدادي».
وذكّر أن البنك الدولي كان شريكاً مقرباً من السودان وعمل إلى جانب شركاء آخرين لتطبيق برنامج دعم عائلات السودان ودعم نشر التلقيح ضد كورونا في البلاد.
ميدانياً، حاولت الشرطة السودانية، إزالة العوائق التي أقامها المتظاهرون من شارع الستين، أحد أبرز الشوارع في شرق العاصمة، ونفذت حملة توقيفات شملت عددا من الشباب الذين كانوا في المكان.
وحسب قناة «الجزيرة» شوارع في وسط العاصمة السودانية الخرطوم شهدت عودة نسبية للحركة وهدوءا حذرا، بعد يومين من الاحتجاجات التي عاشتها المدينة.
وبينما ظلت أغلب المحال التجارية مغلقة، فتحت بعضها أبوابها. وقد انتشرت قوات الأمن والجيش في الشوارع المحيطة بالقيادة العامة والقصر الرئاسي، وسط ترقب لتطورات الأمور ومسار الأحداث في البلاد.
ودعا تجمع المهنيين السودانيين إلى استخدام «أدوات المقاومة السلمية المجرّبة في الإضراب السياسي العام والعصيان المدني الشامل والمفتوح» واعتبر أن «قرارات البرهان انقلاب عسكري مكتمل الأركان يقطع الطريق أمام الفترة الانتقالية».
وقال الناطق الرسمي باسم التجمع، الوليد علي إن قرارات البرهان هي «انقلاب عسكري مكتمل الأركان يقطع الطريق على الفترة الانتقالية».
وأعلن عمال شركة سودابت النفطية الحكومية والأطباء في السودان أنهم سينضمون إلى حركة الاحتجاجات على الانقلاب.
ونشر تجمع المهنيين بيانا من اللجنة التسييرية لنقابة العاملين في سودابت جاء فيه «تعلن لجنتكم التسييرية الدخول في العصيان المدني الشامل وقوفا مع قرار الشعب الداعم للتحول المدني الديمقراطي حتى تحقيق هذا المطلب».
كما أعلن الأطباء أنهم سيشاركون في الإضراب.
وقال المكتب الموحد للأطباء المؤلف من نقابات مختلفة إن الأطباء سيبدأون إضرابا عاما في مختلف أنحاء السودان عملا بوعد سابق بالإضراب في حالة وقوع انقلاب.
وقالت ويلو بيريدج، الخبيرة في الشأن السوداني في جامعة نيوكاسل إنه سيكون من الصعب على البرهان والجيش قمع الحشد الشعبي في الشوارع لمناهضة الانقلاب بسبب وجود لجان مقاومة في أحياء كثيرة.
وأضافت «أكبر مخاوفي هو أنه سيستند أكثر إلى الشرعية الوحيدة التي يمكن أن يعول عليها وهي العنف. وهذا خطر شديد».
وبين، جوناس هورنر من مجموعة الأزمات الدولية إن الجيش السوداني «أساء فهم رغبة الشارع بما يلحق به الضرر. وأعتقد أن قوى إقليمية تؤيد ذلك ويقلقها احتمال الانتقال (للديمقراطية) تسدي لهم نصائح ضارة».
إلى ذلك، صرح قيادي في حركة الاحتجاجات التي أطلقها مجلس نظراء البجا شرق السودان، بأن إغلاق الموانئ والشوارع في شرق السودان لا يزال مستمرا.
وكان المجلس قد أغلق الموانئ المطلة على البحر الأحمر في سبتمبر/ أيلول احتجاجا على ما يقول إنه افتقار المنطقة للسلطة السياسية والظروف الاقتصادية السيئة هناك الأمر الذي أدى لنقص المستلزمات الطبية والوقود والقمح.
وأضاف القيادي في حركة الاحتجاجات، كرار عسكر « لا علاقة لنا بالخلاف الجاري في الخرطوم». في إشارة منه للانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة،
كذلك أستأنف مطار الخرطوم، رحلاته الجوية الآتية والمغادرة، بعد تعليق مؤقت استمر يوما واحدا.
وحسب موقع «الشرق بلومبرغ» قالت هيئة الطيران المدني في السودان، إن الرحلات الجوية ستستأنف مجددا خلال وقت لاحق اليوم (أمس) بعد تعليق مؤقت.
والثلاثاء، أعلنت هيئة الطيران المدني في السودان عن تعليق الرحلات الجوية من مطار الخرطوم وإليه حتى نهاية الشهر الحالي، قبل التراجع عن القرار أمس.