بغداد ـ «القدس العربي»: قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» المعنيّة بالدفاع عن حقوق الإنسان، الخميس، إن عشرات الرجال من العرب السنة، الذين قضوا عقوبة السجن أو تمت تبرئتهم في إقليم كردستان العراق، بسبب صلاتهم بـ«تنظيم الدولة الإسلامية» يواجهون خطر الاعتقال مجددا أو الانتقام، إذا حاولوا الالتحاق بعائلاتهم في المناطق التي تسيطر عليها بغداد، مشيرة إلى أن بعضهم صبية لا تتجاوز أعمارهم 14 عاما عندما اعتقلتهم قوات الأمن الكردية.
وجاء في تقرير للمنظمة، أن هؤلاء الرجال عالقون حاليا في مخيم في إقليم كردستان، بعد إطلاق سراحهم بين 2018 و2020. لا تسمح لهم قوات الأمن بمغادرة المخيم للعيش في مكان آخر في إقليم كردستان، ويخشون على حياتهم إن عادوا إلى ديارهم. ويُعزى ذلك إلى غياب التنسيق والاعتراف بين الأنظمة القضائية المنفصلة لحكومة إقليم كردستان وحكومة بغداد، فضلا عن الإفلات شبه التام من العقاب الذي به تمارس الجماعات المسلحة، العاملة في المجتمعات المحلية لهؤلاء الرجال، الاعتقال التعسفي بل حتى القتل، ضد المشتبه في انتمائهم إلى التنظيم.
وقالت بلقيس والي، باحثة أولى في قسم الأزمات والنزاعات في «هيومن رايتس ووتش»: «هؤلاء الرجال ومعظمهم كانوا فتيان عندما كانت داعش تسيطر على مناطقهم، كانوا ولا يزالون يعاقبون، رغم أن العديد منهم كانوا أطفالا من ضحايا التجنيد القسري. بعد سنوات من المعاناة، لا يزالون في طي النسيان وبلا أمل في المستقبل».
وفي أغسطس/آب 2021 قابلت «رايتس ووتش» عشرة رجال اعتقلتهم «الأسايش» قوات الأمن الكردية، بسبب انتمائهم المزعوم إلى التنظيم في 2016 و2017. ستة منهم كانوا أطفالا وقت اعتقالهم. كانوا من بين حوالي 65 رجلا في مخيم في شمال العراق، تسيطر عليه حكومة إقليم كردستان، حيث استقروا بعد تبرئتهم أو يقضون حكما في المنطقة. رغم أن قوات الأمن في المخيم تسمح للرجال بالمغادرة إذا كانوا سيعودون إلى المناطق الخاضعة لسيطرة بغداد، فهي لا تسمح لهم بمغادرة المخيم على الإطلاق إذا كانوا يريدون السفر أو الإقامة داخل إقليم كردستان.
وقال الرجال الذين تمت مقابلتهم إنهم كانوا من بين حوالي 100 رجل نُقلوا إلى المخيم في أبريل/نيسان 2019. بسبب الظروف القاسية في المخيم، ولأن العديد منهم شعروا أنه ليس لديهم مستقبل في البلاد، غادر المخيم من يستطيع تحمل تكاليف المغادرة، ودفعوا المال للمهربين لنقلهم إلى تركيا. قال جميع من تمت مقابلتهم إنهم سيذهبون إلى تركيا إذا كان لديهم ما يكفي من المال.
«الحل الوحيد»
وبين، أحد الرجال: «الحل الوحيد بالنسبة لي هو مغادرة العراق والذهاب إلى تركيا. إذا كنت سأعود إلى دياري أو لأي مكان آخر في مناطق سيطرة بغداد، لن تكون المحاكم وحدها هي التي ستلاحقني، بل العشائر و(قوات الحشد الشعبي). ليس لي أي مستقبل هنا».
وحسب المنظمة، لدى كل من النظامين القضائيين المنفصلين في العراق قوانين لمكافحة الإرهاب، والتي تُطبَّق في محاكمهما. وفي إطار حملتها لهزيمة التنظيم، قامت القوات الأمنية والعسكرية العراقية والكردية بفحص الأشخاص الذين يغادرون المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم، واعتقلت من تم تحديد أنهم مشتبه بانتمائهم إلى «الدولة». وتم التحقق من الأسماء في قوائم «المطلوبين» التي أعدتها قوات الأمن من الجانبين منذ 2014. وجمعت قوات الأمن القوائم من مصادر مختلفة، بما في ذلك معلومات متاحة علنا عن أعضاء التنظيم، والأسماء التي نشرها والأسماء التي قدمها مخبرون.
وقال العديد من أقارب المشتبه في انتمائهم إلى التنظيم المحتجزين لـ«رايتس ووتش» إن، «منذ 2016 كان الناس يقدمون الأسماء بسبب نزاعات عشائرية، أو عائلية، أو نزاعات حول الأرض، أو خلافات شخصية، ويتهمونهم زورا بصلاتهم بداعش. يواجه الأشخاص المدرجة أسماؤهم في القوائم، الذين يتم توقيفهم عند نقاط التفتيش، الاحتجاز بينما يحقق المسؤولون في الانتماء المزعوم إلى داعش، عادة من خلال الاستجواب».
وأوضح، العديد من القضاة والمحامين لـ«هيومن رايتس ووتش» إن «الملاحقات القضائية في بعض الحالات تعتمد فقط على اعترافات المتهمين، والتي غالبا ما تُنتزع تحت التعذيب».
وتؤكد تجربة المنظمة الحقوقية في مراقبة المحاكمات في المنطقتين، ذلك، ففي 428 قضية على الأقل من بين نحو 800 محاكمة راقبتها «بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق» (يونامي) بالإضافة إلى الاعترافات، تضمنت الأدلة التي تم قبولها ـ والتي تم الاعتماد عليها بشكل أساسي في محاكمات الإرهاب ـ إفادات شهود مجهولي الهوية ومعلومات تستند إلى تقارير أمنية أو استخباراتية.
وقال رجل فر من الاقتال في 2016 ووصل إلى مخيم في المنطقة الكردية: «وصل شخص من بلدتي يحمل ضغينة ضدي إلى المخيم وأخبر الأسايش أنني كنت مع داعش. ضربني الأسايش طيلة أربعة أيام حتى قلت لهم إنني انضممت إلى داعش. حكموا عليّ، وبعد أكثر من عام في السجن أطلقوا سراحي».
قالت إن من بينهم صبية متهمون بالانتماء لتنظيم «الدولة»
وأوضح الرجال لـ«هيومن رايتس ووتش» أسماء أربعة أفراد، كانوا جميعهم فتيان عند القبض عليهم، وعادوا إلى ديارهم في المناطق الخاضعة لسيطرة بغداد بعد انتهاء مدة عقوبتهم. وقال الرجال إنهم سمعوا من أقاربهم فيما بعد أن سلطات بغداد أعادت اعتقال الأربعة ويقضون الآن عقوبة ثانية مطولة لانتمائهم إلى التنظيم. الأحكام بتهم الإرهاب أطول بكثير في المناطق الخاضعة لسيطرة بغداد. وتمكنت «رايتس ووتش» من الاتصال بأقارب اثنين من الرجال الأربعة، وأكدوا هذه الروايات.
وتبعا للمنظمة، يحظر الدستور العراقي محاكمة أي شخص مرتين عن الجريمة نفسها. مع أن المنطقتين لديهما قوانين لمكافحة الإرهاب منفصلة، فإن الجريمة هي نفسها في نهاية المطاف، وإذا أدين شخص في إحدى الولايتين القضائيتين وقضى عقوبته، لا يمكن محاكمته مرة أخرى على الجريمة نفسها في أي مكان في العراق. يحظر قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي اتخاذ مزيد من الإجراءات ضد المدعى عليه، حتى لو ظهرت أدلة جديدة، بعد عامين من إصدار قاضي التحقيق قرارا في القضية.
وكأولوية، على سلطات بغداد ضمان حصول جميع الرجال على وثائق مدنية محدثة، بما في ذلك عبر إرسال ممثلين عن أقرب مديرية الأحوال المدنية والجوازات إلى المخيم لإصدار هذه الوثائق.
ودعا تقرير المنظمة الحقوقية، حكومة إقليم كردستان، إلى «السماح للرجال بالإقامة في أي جزء من المنطقة الكردية يختارونها، بما يتماشى مع المتطلبات العامة للإقامة في المنطقة. ينبغي أن تسمح لأسرهم بطلب الإقامة للانضمام إليهم في المنطقة. ينبغي أن تفتح المخيم وتسمح لسكانه بحرية الحركة في جميع أنحاء إقليم كردستان، مع الإبقاء على أي قيود على الحركة ضرورية للغاية، ومتناسبة، وغير تمييزية مقارنة بالمقيمين في إقليم كردستان».
وقالت والي: «هؤلاء الرجال إما قضوا مدة عقوبتهم أو تمت تبرئتهم. الاستمرار في تقييد قدرتهم على العودة إلى الحياة الطبيعية ليس سوى تمييز غير قانوني».
ورغم تأكيد مجلس القضاء الأعلى في بغداد أنهم لن يواجهوا أي اتهامات أخرى، أكد جميع الرجال خشيتهم من إعادة اعتقالهم أو إيذائهم، بل وحتى قتلهم إذا عادوا إلى ديارهم. أفادوا أيضا أنهم ليسوا على اتصال منتظم مع أهاليهم وأقاربهم خوفا من أن يتم القبض عليهم أو طردهم أو تهديدهم بأي شكل آخر إذا ما اكتشفت قوات الأمن أنهم تواصلوا مع أفراد عائلاتهم.
وقال أحدهم إن والده وشقيقه وعمه أعضاء في التنظيم، وأن وحدة تابعة لقوات «الحشد الشعبي» المسيطرة على مسقط رأسه أخبرت والدته وآخرين من أقاربه أن عليه العودة وتزويدهم بمعلومات عن مكان أقاربه المُنتمين للتنظيم.
مذكرة توقيف
وقال إن وحدة «الحشد الشعبي» أقنعت الشرطة المحلية بإصدار مذكرة توقيف بحقه. اختطفوا شقيقه الأصغر وأرسلوا له صورة للمذكرة في رسالة بعد أن حصلوا على رقمه من هاتف أخيه. في رسالتهم التي عرضها على الباحثين، قالوا إنهم سيعتمدون مذكرة التوقيف أساسا لطرد والدته وشقيقه الأصغر باعتبارهم أفراد عائلة مرتبطة بالتنظيم ما لم يعد إلى دياره: «لا أعرف ما عليّ القيام به. إذا عدت إلى دياري، سيحاولون بكل تأكيد أخذ المعلومات مني ثم سيقتلونني. لكن إن لم أسلم نفسي، سيطردون عائلتي. هم يراقبون والدتي بالفعل ولا يسمحون لعائلتي بالتحرك بحرية».
بالإضافة إلى ذلك، كافح معظم المحتجزين السابقين للحصول على وثائق تؤكد انقضاء فترة احتجازهم – حصل واحد فقط من الرجال العشرة على وثيقة عند إطلاق سراحه تؤكد الفترة التي قضاها في السجن، بينما لجأ الباقون إلى المساعدة القانونية من منظمات غير حكومية للحصول على الوثائق المناسبة بعد إطلاق سراحهم.
ودعت المنظمة، مجلس القضاء الأعلى في بغداد إلى «اعتماد سياسات وإجراءات محددة لمنع تكرار محاكمة الأشخاص الذين تمت تبرئتهم أو إدانتهم وقضوا مدة عقوبتهم، بتهمة التورط مع داعش، سواء في إقليم كردستان العراق أو في المحافظات الأخرى الخاضعة لسيطرة بغداد. ينبغي أن تُتخذ تدابير لتحديد عدد المحتجزين الذين تمت تبرئتهم بالفعل أو قضوا عقوبتهم عن الجريمة نفسها وإطلاق سراحهم أو العفو عنهم حسب الاقتضاء».
وأضافت: «على السلطات القضائية في المناطق الخاضعة لبغداد وإقليم كردستان العراق أن تبدأ تلقائيا في تبادل الأوراق القضائية مع بعضها البعض في كل قضية، ومن ضمنها شهادات الإفراج. عليهم ضمان حصول جميع المحتجزين السابقين على شهادات الإفراج، بمن فيهم المفرج عنهم دون توجيه تهم إليهم، بالدقة الكافية لاعتبارها صالحة، والأمر بشطب أسمائهم من قوائم «المطلوبين».
وتابعت: «ينبغي لجميع سلطات الاحتجاز مضاعفة الجهود لعرض المتهمين على قاض في غضون 24 ساعة المنصوص عليها قانونا بحيث إذا كانوا قد قضوا عقوبة سابقة، سيكون في وسعهم إبلاغ القاضي بذلك على الفور وإطلاق سراحهم. على العراق المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وإنشاء نظام مستقل خاص به لمعاينة مراكز الاحتجاز».
كما حثّت أيضاً، السلطات العراقية على «النظر في بدائل عن الاحتجاز والمحاكمة الجنائية للأطفال المحتجزين وتطوير برامج إعادة التأهيل وإعادة الإدماج للمساعدة في عودتهم إلى المجتمع».