من أفشل مخططات إسرائيل بالطرد والتطهير قبل عقود قادر على إفشال تواطؤها مع الجريمة اليوم- (صور)

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”:

استذكر الفلسطينيون مجددا أخطر مجزرة اقترفتها إسرائيل بعد نكبة 1948 في كفر قاسم، فسار الصغار لجانب الكبار ضمن مسيرة شعبية حتى النصب التذكاري لـ49 شهيدا اغتالهم رصاص غدر دولة اعتبرتهم ظاهريا مواطنين فيها ولذا فهي أفضل درس بالتربية والاقتداء أما “الدولة اليهودية” فترفض تعلم الدرس وتتوهم أن المصالحة ممكنة دون الاعتراف بجرائمها والاعتذار عنها وتعويض الضحايا ومنح أصحاب الحقوق حقوقهم المسلوبة.

ليس صدفة أن ينشغل فلسطينيو الداخل بذكرى هذه المذبحة بالذات رغم سلسلة المجازر والسجلات الحمراء ومرد ذلك ليس فقط الحاجة الإنسانية باستذكار أبرياء أعزاء قتلوا دون ذنب بل هي دلالتها الرمزية الكبرى. رغم أن دخان النكبة كان ما زال يتطاير في الجو ورمادها لم يختف من أرضها وصدمة أهوالها تلازم من تبقوا في وطنهم متروكين كالأيتام لم يهرب أهالي كفر قاسم ولا بقية جيرانهم أمام محاولة استنساخ النكبة واستكمال التهجير.

تدلل شهادات الناجين على أن البقاء فعلا ثمرة قصة صمود ملحمية. تزامنا مع العدوان الثلاثي على مصر وتحت غطاء ساتر لدخان الحرب بطشت إسرائيل بأهالي كفر قاسم في مثل هذا اليوم عام 1956 وهم عائدون عند المساء من كروم الزيتون فقتلت 49 منهم وأصابت آخرين بجراح لكن حلم المجرمين لم يتحقق فرحلوا وبقيت كفر قاسم وبقيت شقيقاتها كما تبقى أشجار الزيتون في فلسطين منذ عهد الدولة الرومانية الزائلة. كفر قاسم القرية النائية الصغيرة نجت من غول التهجير وصارت مدينة.

شهادة من الخيال

 في مشهد مرعب يتشابك فيه الواقع مع الخيال يذكر الناجي من المجزرة الحاج محمود محمد فريج أبو الأمين (86 عاما) تفاصيل مذبحة ترفض إسرائيل الاعتراف بها وتحمل مسؤوليتها وتعليمها بالمدارس. فيما كانت أنامله تداعب مسبحته وكأنها تعينه على تخفيف الغضب والتوتر المتصاعد في داخله قال “عدت مساء الإثنين في 29.10.56 لبلدتي كفر قاسم برفقة شقيقي أحمد وصديقين علي عثمان علي وعبد الله سمير بدير، كل على دراجته من العمل في مقلع مجاور. كانت سيارة جيب لحرس الحدود الإسرائيلي تقف في مدخل البلدة الغربي عند الخامسة مساء من ذاك اليوم ما لبثت أن داهمتنا. فتح الجنود النار علينا ببنادقهم فسقطتت أرضا. أصبت بساقي برصاصة واستشهد شقيقي أحمد وصديقه علي. خلال ذلك سمعت أحد الجنود الثلاثة يأمر زميليه بإطلاق رصاصة واحدة بالرأس لكل منا حفاظا على الذخائر. عندئذ انتظرت الرصاصة بالرأس ولكن شاء القدر أن مر في تلك اللحظة عثمان حماد عيسى وشقيقه مع أغنامهما فانشغل الجندي القاتل بهما وأفرغ رصاصه بهما وتركنا وخلال ذلك مشى عبد الله سمير بدير بين الأغنام على قدميه ويديه فنجا”.

حلم التهجير والتطهير

بالنسبة لإسرائيل فقد “نجحت العملية والمريض مات” بعدما بطشت وقتلت وأرهبت لكن كفر قاسم بقيت وتضاعف تعدادها وتحولت من قرية إلى مدينة غير أن “الدولة اليهودية” ما زالت تحلم بأن تكون فعلا كاسمها نظيفة من العرب الفلسطينيين. وقد استكمل هذا العام مؤرخ إسرائيلي يدعى آدم راز تفاصيل مخطط “خلند” حكومي لتهجير منطقة المثلث الفلسطيني بالترهيب عبر مذبحة كفر قاسم وذلك في كتابه “مذبحة كفر قاسم سيرة سياسية“.

منذ قامت على أنقاض شعبهم كانت وما زالت ترى إسرائيل في قرارة نفسها بفلسطينيي الداخل حتى اليوم تهديدا استراتيجيا “طابورا خامسا” تحلم بالتخلص منهم وتجد نفسها عالقة بهم مثلما هم عالقون معها، فهي غير قادرة على استيعابهم أو طردهم كـ”الوادي الذي ابتلع منجلا”.

عبر عن ذلك باتسلئيل سموطريتش وزير المواصلات السابق عضو الكنيست عن حزب “الصهيونية الدينية” قبل أسبوع حينما قال في حملته الشديدة على نواب فلسطينيين داخل الكنيست: “أنتم هنا لأن دافيد بن غوريون لم يستكمل العمل في 1948”. على غرار بعض آبائه العقائديين أمثال الوزير الراحل رحافعام زئيفي والحاخام الراحل مئير كهانا وبقية أصحاب فكرة التهجير منذ عقود قال سموطريتش صراحة في 2021 ما تضمره الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين التي باتت تنام وتصحو على “كابوس الديموغرافيا” يزعجها بقاء ونماء وتطور فلسطينيي الداخل كما وكيفا مما دفعها عام 2018 لتشريع قانون عنصري يعتبر إسرائيل دولة اليهود، قانون القومية لتقول لهم “أنتم هنا ضيوف وغير مرحب بكم، الباب لدخول المواطنة المتساوية مسدود أمامكم أما باب الهجرة فمفتوح على مصراعيه”.

انشغال مرضي بالتهجير داخل الغرف الموصدة

وهذه الأمنيات ليست جديدة فهي مسلسل إسرائيلي بدأت حلقاته غداة النكبة وتدلل أرشيفات جديدة لمعهد “عكافوت” العبري تكشف عن وثائق “سرية للغاية” أن قادة إسرائيل انشغلوا ليل نهار بأفكار ومخططات لتطهير البلاد من المتبقين في وطنهم خاصة في فترة الحكم العسكري (1966-1948).

تدارس قادة المؤسسة السياسية والأمنية في عشرات الاجتماعات السرية السؤال كيف ومتى يتم التخلص من فلسطينيي الداخل ومنها يتجلى عمق وحجم الذعر من الديموغرافيا حينما كان غير اليهود يشكلون 11% فما بالك اليوم وهم 20%؟

في هذه الوثائق يتوافق قادة إسرائيل في تلك الحقبة أنه من غير الممكن الحصول على ولاء المواطنين الفلسطينيين فيها مهما كبرت مشاريع الأسرلة والاحتواء لأن تجارب الشعوب والتاريخ تدلل على أن الغصن ينمو على لون وروح الشجرة كما تجلى في هبة الكرامة في أيار الماضي. من هنا استنتجوا بضرورة انتظار فرصة مواتية كالحرب لاستكمال الطرد أو دفعهم أو إقناع أوساط منهم كالمسيحيين للهجرة الطوعية مقابل التعويض (مخطط يوحنان) أو بالتهجير الصامت المتواصل لليوم بواسطة تضييق الخناق وسد أبواب الحياة في وجوههم وهذا الخيار الأخير هو المعتمد بشكل غير سري وهناك دلائل كثيرة على ذلك آخرها التواطؤ مع الجريمة والمجرمين والسماح بانتشار السلاح بشكل واسع جدا وإثارة الخلافات وإذكاء نار النزاعات على أنواعها.

استمرار تعميق البقاء والتطور والتكون كأقلية وطن

من نجح في البقاء رغم المذبحة والتمييز العنصري والاضطهاد الموجه وقتها يستطيع اليوم أن يقف في وجه تواطؤ المؤسسة الإسرائيلية مع الجريمة والمجرمين ومحاولة إشعال البيت من الداخل على مبدأ “فخار يكسر بعضه” لكن هذا يحتاج لمن يحقق هذه القدرات والطاقات الكامنة بعد مسيرة بقاء وتطور ملحمية.

وهذا لن يتأتى بالهبات والفزعات فحسب بل يحتاج لفعل جماعي مثابر ومدروس بطبيعة الحال. يتهم قادة فلسطينيي الداخل إسرائيل بالتواطؤ وإطلاق يد الجريمة بينهم وتحصين المجرمين (كما أفادت تسريبات القناة العبرية 12 قبل ثلاثة شهور) منذ أن شاركوا شعبهم في هبة القدس والأقصى مع مطلع الانتفاضة الثانية عام 2000.

وتدعم المعطيات هذه التهمة وتعززها ففي دراسة للباحث الأكاديمي دكتور بادي حسيسي المختص بعلم الإجرام يتضح أنه في الفترة بين 1980 و 2000 وقعت في أراضي 48 نحو 88 جريمة قتل أما في العقدين التاليين (2020-2000) فقد تضاعف العدد إلى 1480 جريمة قتل ومنذ مطلع العام الحالي تتوالى جرائم القتل وفي معظمها تمت الجريمة بسلاح أغلبيته الساحقة مصدره من قواعد الجيش الإسرائيلي.

وكي تبدو الصورة أوضح يؤكد الناطق بلسان الشرطة الفلسطينية العميد لؤي رزيقات أن الضفة الغربية التي تعد نحو مليوني نسمة ويقطنها نفس الشعب الفلسطيني شهدت منذ بدء العام 34 جريمة قتل مقابل 100 جريمة قتل لدى فلسطينيي الداخل (1.5 مليون نسمة) وهم ينتمون لذات الشعب والتاريخ والعادات. ألحقت وتلحق الجريمة المستشرية ضررا فادحا لا يقتصر على عائلات الضحايا بل يطال كل المجتمع الفلسطيني في الداخل، مناعته الأهلية وجاهزيته المعنوية للعمل الجماعي والتمسك بالحلم وهذا ما ترمي له المؤسسة الإسرائيلية.

لذا تشكل هذه الجريمة تهديدا استراتيجيا خطيرا يهدد مسيرة ومنجزات فلسطينيي الداخل ومع ذلك ما زالت قياداتهم الأهلية والسياسية القطرية والمحلية عالقة في توصيف الحالة الراهنة وتوجيه الاتهام وبحق لإسرائيل وما زالت الاحتجاجات الشعبية تتراوح بين هبة هنا وهبة هناك، هبات متناثرة لحراكات شعبية يشارك فيها قادة العمل السياسي وسط اعتماد على وسائل احتجاج ممجموجة وغير كافية. حتى تضطر الحكومة الإسرائيلية للتغيير لا بد من خطة حقيقية تكفل قض مضاجعها بفضح تواطؤها وإلقاء الضوء على المأساة الإنسانية لذوي الضحايا وأنسنتهم وتعبئة الشارع بوسائل حديثة وإشراك الشباب في التخطيط والتنفيذ واعتماد لغة ومفاهيم وشعارات العصر في التعبئة والتثقيف.

“لن نهدأ ولا نهدي بال إسرائيل طالما أننا غير هادئين وأبناؤنا في خطر”. هكذا قال رئيس المشتركة النائب أيمن عودة خلال مسيرة أو قافلة مراكب أغلقت شوارع تل أبيب احتجاجا على استمرار الزيف وتواطؤ الحكومة معها. هذا صحيح، فـ”دور المزعج” ممكن جدا أن يكون مجديا كما هو الحال في خطاب التهديد بأن نار العنف سينتقل يوما ما للمدن اليهودية أيضا لأن خطاب الضمير والمواطنة حتى الآن لم يثمر.

يحق أيمن عودة لكن الامتحان بامتلاك خطة وبالتطبيق العملي فهي مكلفة وحتى الآن القيادات الأهلية والسياسية تبدو مستنزفة ومتعبة وتضع معظم بيضاتها في سلة البرلمان على حساب الميدان وتنظيم الجمهور في احتجاج شعبي. النضال البرلماني الإعلامي أقل كلفة وسهل ومريح وانسجاما مع الحسابات الشخصية أما العمل الميداني فمضن ويحتاج لطاقات ورؤية ونفس طويل لكن أسباب النجاح مبذورة فيه.

65 عاما مرت منذ فشلت إسرائيل في استكمال اقتطاع الشجرة الفلسطينية باجتثاث غصن تبقى ونما وتطور ومسيرة كفر قاسم اليوم هي درس كبير لأبنائها ولكافة فلسطينيي الداخل ومقلع يستخرجون منهم حجارة البقاء والتطور وترميم أنفسهم كشعب أصلاني تعرض لمخططات وممارسات التفتيت والتواطؤ والتدجين والأسرلة. سيصبح هؤلاء يما ما يريدونه إن جددوا الهمم، وأفلتوا من آثار التكلس والانقسام وحب الذات ورجحوا الحسابات الجامعة على الاعتبارات الثانوية والأنوية. وبخلاف ما يظن البعض فإن تعزيز الهوية الوطنية مهم أيضا من ناحية حماية الأجيال الفلسطينية في الداخل من الانزلاق لمستنقع العنف والجريمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية