القاهرة ـ «القدس العربي» : بين مزيد من الغضب الموجه نحو وزير التعليم تارة، والمسلط صوب وزير التموين، رصدت صحف القاهرة أمس الجمعة 29 أكتوبر/تشرين الأول، اهتمامات ومآسي الأغلبية الفقيرة التي ينتابها المزيد من الهواجس تجاه مستقبل يحيط به المجهول والخوف من كل جانب.
وفي أبرز المعارك الصحافية هاجم الإعلامي إبراهيم عيسى، جميع الرؤوساء الذين تولوا الحكم منذ الاستقلال باستثناء الرئيسين محمد نجيب وعبد الفتاح السيسي. واتهم جميع من سبق السيسي بأنهم استغلوا الدين للبقاء في السلطة، كما اتهم السادات بأنه كان”يتاجر بالدين” وقال إنّ 95% من مدربي الناشئين في كل الأندية ومراكز الشباب سلفيون أو تحت سيطرة الفكر السلفي والإخواني. وأضاف أن هذا الأمر هو السبب في عدم وجود لاعبين أقباط في مصر، معقّبا: “مش عاوزين نكذب على بعض”.
ومن أبرز تقارير الحكومة: قرر الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، تكليف الدكتور خالد عبدالغفار وزير التعليم العالي والبحث العلمي، بالقيام بأعمال وزارة الصحة والسكان، بعد تقدم الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة بطلب إجازة مرضية عقب الأزمة الصحية التي تعرضت لها مؤخرا. وكانت وزيرة الصحة والسكان قد تعرضت لأزمة صحية مفاجئة منذ أيام، بالتزامن مع مباشرة النيابة العامة التحقيقات مع عدد من مسؤولي وزارة الصحة في قضية فساد. وحول المخاوف من إلغاء الدعم على الخبز: أكد الدكتور علي المصيلحي وزير التموين، أن الدولة تدعم الرغيف بحوالى 51 مليار جنيه سنويا. وعن المستفيدين من الدعم قال: “هؤلاء أمام أعيننا، وهؤلاء من نهتم بهم، لذلك نعمل على إدارة 87 مليار جنيه لصالح هؤلاء، ولا بد أن نحافظ عليهم”. وأكد أن الرقم القومي الخاص بالرئيس السيسي كان ضمن المستفيدين من بطاقة تموين، لمواطنة بسيطة من محافظة المنيا، وأنها لم تكن تعلم شيئا عن وجود الرقم القومي للرئيس ضمن المستفيدين بالبطاقة، لذلك لم تتم معاقبتها. وشدد على أنه تم تشكيل لجان لمراجعة الواقعة واتخاذ الإجراءات مع المتورطين. ومن التقارير الطبية: علّق الدكتور محمد عوض تاج الدين مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية، عما يتردد عن أن سم العقرب قد يكون دواء للعلاج من فيروس كورونا قائلا، إنّه لا توجد أي أدلة علمية أو مرجعية على ما تردّد في هذا الإطار، محذّرا من أن سم العقرب قد يكون قاتلا. وأضاف أنّه إذا كانت هناك تجارب إكليكينية موثقة أجريت على هذا الأمر، يمكن بدء مناقشته وبحثه، لكنّه أعاد التأكيد على أنّه لا يوجد أي أدلة على ذلك حتى الآن. ومن الفتاوى الدينية: أوضحت دار الإفتاء أن هناك حالة واحدة يشترط فيها إبلاغ الزوجة بالزواج، وهذه الحالة هي إذا كان عقد الزواج الشرعي يشترط عليه أن يكتب عنوان زوجته الأولى، ليعلموا زوجته الأولى بأنه تزوج بامرأة أخرى حتى تكون لها حرية الاختيار.
فرق بين حالتين
تعليقا على قرار الرئيس السيسي إلغاء حالة الطواري، أكد عمرو هاشم ربيع في “الشروق”، أنه يجب أن يشار إلى أن هناك فرقا بين إلغاء حالة الطوارئ وإلغاء قانون الطوارئ. القرار المتخذ هو إلغاء العمل بحالة الطوارئ، فقانون الطوارئ هو تشريع باستخدام صلاحيات محددة للسلطات في كل بلدان العالم، وإن كان ذلك بأشكال مختلفة، فهو على وجه العموم خلاصته هو تعليق بعض القوانين والعمل بقانون استثنائي يعالج بعض الحالات، كحالات التوقيف والرقابة على الاتصالات والتفتيش والحبس والاعتقال والحبس الاحتياطي، وتقديم المتهمين إلى المحاكمات العسكرية أو محاكم أمن الدولة طوارئ أو كليهما، وإصدار أحكام ذات طبيعة خاصة. بعبارة أخرى، تشريع الطوارئ هو مادة قائمة وموجودة، حبيسة الأدراج في كل البلدان، أما العمل بحالة الطوارئ فهو إخراج التشريع من محبسه للعمل به. قانون الطوارئ أو الأحكام العرفية، وهما اسمان لموضوع واحد، مع اختلاف المسمى حسب الزمن، ومع بعض الخلاف في التفاصيل، هو استدعاء مراسيم محددة لوقت محدد، أي أن العمل بهذا التشريع من مسماه يرتبط بظرف استثنائي، والظرف الاستثنائي يجب أن لا يكون هو السائد. وقد عرفت مصر العمل بحالة الطوارئ ومن قبل الأحكام العرفية منذ عام 1914 دون انقطاع، باستثناء حوالي 24 سنة متفرقة، وكانت الأسباب إما وجود تهديد خارجي، أو ربما تهديد داخلى ولكون الحالة استثنائية بطبيعتها فقد حرص الشارع الدستوري إبَّان وضع دستور 2012 وتعديليه الأخيرين على وضع قيود على صانع القرار، ليغل يده في استمرار العمل بتلك الحالة، خاصة أن الحقبة المنصرمة شهدت أطول حالة للعمل بقانون الطوارئ (3 عقود متصلة)، لذلك كان الحرص على تقييد ذلك تمشيا مع الرغبة في سيادة مناخ من حرية الرأي والتعبير، لذلك كان إلغاء تلك الحالة أمرا محمودا.
فوائد عديدة
يقول عمرو هاشم ربيع في “الشروق” إن قرار رئيس الجمهورية برفع حالة الطوارئ مفيد في أكثر من اتجاه. أولا، أنه يتسق مع ما أعلن منذ بضعة أسابيع من وجود استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان، وفي هذا الصدد صدرت قرارات بالإفراج عن بعض المحبوسين احتياطيا، كما أعلنت النية في إعادة تعديل قانون الإجراءات الجنائية في ما يخص الحبس الاحتياطي، وكذلك العمل على منح المجتمع المدني قدرا أكبر من الحرية على النحو الذي ذكره الرئيس، بكون عام 2022 سيكون عاما للمجتمع المدني. ثانيا، أن رفع حالة الطوارئ سيدعم مناخ الاستثمار الأجنبي في البلاد، إذ إنه من المعروف أن رأس المال يجبن أن يعمل في بيئة تتسم بعدم الاستقرار، يكون التشريع الاستثنائى هو السائد فيها على حساب القانون الطبيعى، لذلك ينتظر أن يكون قرار رفع حالة الطوارئ مجلبا للاستثمار الأجنبي. ثالثا، يرتبط رفع حالة الطوارئ بتنشيط السياحة، وهي أحد مصادر الدخل الأجنبي إلى جانب تحويلات المصريين في الخارج، وعائد قناة السويس والصادرات، إذ إنه من المفيد للغاية إدراك وإحساس السياحة، شركات وأفرادا بوجود مناخ مستقر وآمن يدعم حركة السياحة، ويقلل من ظهور ما يقلق السائح من حراسات مبالغ فيها، أو خلافه. رابعا، إن رفع حالة الطوارئ رغم أنه لا يرتبط بشكل مباشر بتقليل مدد الحبس الاحتياطي، فإنه يلفت نظر القضاء إلى أهمية تعضيد هذا المناخ الأمن الذي عبر عنه قرار رفع الحالة، بمزيد من الحرية للمتهمين ما لم تثبت إدانتهم. خامسا، إن رفع حالة الطوارئ يفضي لتحسين صورة مصر أمام المجتمع الدولي المتمدين.
قلوب قاسية
اهتم عصام كامل في “فيتو” بمأساة سيدة تقف مصلوبة تحت حر الشمس لمواجهة أعباء الحياة، بعد أن فقد زوجها القدرة على العمل تحت سيطرة المرض، لديها طفلان وتسعى لتعليمهما، تبيع بعض الأشياء البسيطة فوق أحد كباري المشاة.. أعرفها جيدا، وعادة ما أتجاذب معها أطراف الحوار للتعرف عن قرب على تفاصيل تسحقها، وأخرى تبعث في نفسها الأمل، ذَهَبَتْ لدفع جزء من مصروفات الدراسة، غير أنها عادت بحالة اكتئاب أشد قسوة من الأيام. قال لها المدير إن عليها أن تدفع ألفي جنيه، وهي لا تملك إلا سبعمائة جنيه، طلبت من المدير تقسيط المبلغ، أخطرها بكل قسوة أنه لن يسلم الكتب لابنيها حتى تدفع كامل المطلوب.. عادت إليه مرة أخرى لتشرح له أن كل رأسمالها خمسمائة جنيه تشتري وتبيع بها، تتاجر لتربح قروشا قليلة تساعدها في مواجهة أعباء الحياة، طلب منها المدير أن تبيع كل بضاعتها وتسلمه المبلغ كاملا. في الوقت الذي تبارى فيه محافظون في سباق الغلظة وعدم تسليم الكتب قبل دفع المصروفات، وفي الوقت الذي يمارس فيه وزير التعليم غلظة أكبر مع غير القادرين على الدفع، كان خالد فودة بمنزلة الماء الطهور الذي غسل عار الحكومة. أحال الكاتب مأساة السيدة صاحبة «الفرشة» على أحد كباري المشاة، والتي طلب منها مدير المدرسة في القاهرة بيع كل أصولها لدفع المتبقي من المصروفات، إلى الضمير الإنساني المفقود داخل مدارسنا. قليل من الرحمة تكفي، وتصريح مسؤول واحد في حكومة تضم وزراء ومسؤولين ومديرين ونظار ومدرسين يغسل عار الهزيمة النفسية، ويتحول إلى بطل قومي.. بتصريح واحد، وبقرار واحد.
أقوى من أمريكا
هي المرة الأولى كما أوضحت جيهان فوزي في “الوطن” التي تقوم فيها الحكومة الإسرائيلية، برئاسة نفتالى بينيت، وخلال فترة تولي جو بايدن الرئاسة في الولايات المتحدة، بالمصادقة على البناء في المستوطنات في الضفة بشكل موسع، حيث وافقت لجنة المصادقة على البناء في المستوطنات في الإدارة المدنية الإسرائيلية أمس الأول على بناء 3144 وحدة سكنية في المستوطنات، رغم ضغوط من الولايات المتحدة. وهذه هي المرة الأولى التي تتم فيها الموافقة على بناء واسع النطاق في المستوطنات خلال حكومة بينيت، وأثناء إدارة بايدن، فالمرة الأخيرة التي تمت فيها المصادقة على بناء المستوطنات كانت قبل تسعة أشهر في عهد حكومة بنيامين نتنياهو، في شهر يناير/كانون الثاني الماضي. فقد أعلنت واشنطن بوضوح عن رفضها للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، فهل يمكن أن تتحول الضغوط الأمريكية من أقوال إلى أفعال؟ خاصة بعد التصريحات الصارمة التي جاءت على لسان المتحدث باسم الخارجية الأمريكية بشأن بناء الوحدات الاستيطانية الجديدة في الضفة الغربية؟ للمرة الأولى منذ عام 2017 تتخذ الإدارة الأمريكية موقفا حاسما وواضحا من الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، والذى طالما كان حجر عثرة تضعه إسرائيل لإفشال أي مفاوضات مع الفلسطينيين، فقد حملت تصريحات نيد برايس المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، قبل يومين، لهجة حادة لا تقبل التأويل، حين اعتبر أن هذه الخطوة مرفوضة كليا من الولايات المتحدة، لأنها مستفزة للغاية وتعطل حل الدولتين. ومن هذا المنطلق أكد برايس رفض الإدارة الأمريكية للإجراء الإسرائيلي، مؤكدا أن الإدارة الأمريكية ستواصل الاتصالات مع إسرائيل لتتأكد من أنها قد تلقت الرسالة الأمريكية بشكل واضح وأكيد.
لن تتسامح معها
يبدو والكلام لجيهان فوزي أن الموقف الأمريكي الضاغط والحازم لا يتعلق فقط بموضوع الاستيطان، بل يتعلق أيضا بخلافات جدية بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، حول عدة قضايا خلافية ومفصلية، يأتي في مقدمتها ملف إيران النووي، الذي أصبح مصدر توتر شديد بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلا عن الحرب الأخيرة على غزة، التي أثارت الاستياء الأمريكي بوضوح، رغم انتهاج نفتالي بينيت رئيس الوزراء الإسرائيلي، أسلوبا مغايرا عن نتنياهو في التعامل مع الإدارة الأمريكية، من حيث المرونة، وهو يُبدي رغبة جادة في الوصول إلى تفاهم مع الإدارة الأمريكية، كي يجنب إسرائيل مخاطر خلاف قد يكون ثمنه غاليا إذا ما تعمَّق بينهما. لكن ربما يكون الموقف الأمريكي ليس حاسما بما يكفي لإرغام إسرائيل على التراجع عن قرارها ببناء الوحدات الاستيطانية، إلا أنه بالتأكيد يمثل مؤشرا مهما على اتجاه الإدارة الأمريكية على الأقل، ويرسل إشارات واضحة إلى أن الولايات المتحدة لن تغضّ النظر، ولن تتسامح بعد اليوم مع السلوك الإسرائيلي، فقد ضاقت ذرعا بسياساتها الاستيطانية المعرقلة لأي خطوات في اتجاه إنهاء الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وأن الإدارة الأمريكية قادرة على أن تلجأ مستقبلا إلى مزيد من الإجراءات التي قد تصل إلى فرض بعض العقوبات على إسرائيل، وهو أمر غاية في الخطورة، وتتحسب منه حكومة بينيت، لأنه سيؤدي حتما إلى انشقاقات داخل إسرائيل، وربما يُسقط الحكومة أيضا، في ظل الانتقادات داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن الاستيطان، حيث يسعى رئيس الحكومة نفتالي بينيت إلى التهدئة والامتناع عن تصعيد التوتر داخل مكونات الائتلاف الحكومي، لذلك أصدر تعليماته لأعضاء حزب «يمينا» بالتزام الصمت، والامتناع عن الإدلاء بتصريحات تتعلق بشركاء الائتلاف، والضفة الغربية والاستيطان.
هنيئا لـ«ريش»
قالت نادين عبد الله في “المصري اليوم”: شكرا للعقلانية والتعقُّل وسط الجدل الفارغ، فمنذ عدة أيام، صرح مدير الإدارة المركزية للمبادرة الرئاسية «حياة كريمة» في وزارة التنمية المحلية بأن المبادرة ترحب بحرية الإبداع، ولا ترى أن فيلم «ريش»، الذي صور لنا جزءا من حياة فقراء ومُهمَّشي صعيد مصر، يسيء إليها. والحقيقة هي أن الفيلم عكس الواقع الذي تسعى المبادرة إلى تغييره، ومن ثَمَّ، فهو أبرز أهميتها والدور الذي تقوم به. إلا أننا للأسف، أصبحنا مؤخرا ضحايا لوضع غُيِّب فيه النقاش العام حول القضايا المجتمعية الأساسية، وتُرك الباب مفتوحا على مصراعيه لكل جدل سطحي أو تافه. أن تستمع لأغلب برامج التوك شو في مصر، يعني أن تستمع إلى صريخ الإعلاميين، الذين تحول كثير منهم إلى زعماء سياسيين أو مصلحين اجتماعيين. وهنا تدرك فورا حجم الخلل الذي أصاب منابر النقاش العام في مصر. يكفي أن تتابع الطريقة التي تناولت بها المنابر الإعلامية الحوارية قضية فيلم “ريش” كي تتأكد أن تغييب النقاش العام له آثار مجتمعية مؤلمة. يعتقد البعض أن النقاش العام الحر والنقدي حول القضايا المُلِحّة هو من قبيل الرفاهية، ولكنه تصور خاطئ لأن المجتمعات التي تطورت هي تلك التي وفرت جوا من الحرية، سمح للمتخصصين وغيرهم من المهتمين بالشأن العام بالتعبير عن أطروحاتهم النقدية، وطرح تصوراتهم أو سياستهم البديلة، في جو من الثقة والتعاون المتبادل، وهي أيضا تلك التي تركت مساحات واسعة للفن والإبداع كي يعبر عن حال المجتمع ويطوره رويدا رويدا. فلا يمكن التوصل إلى أفضل الحلول سوى في ظل مناخ من الانفتاح، وقبول الحجة والحجة المضادة، ولا يمكن أن يشعر المجتمع ببعضه، ويعرف ما يحدث في داخله دون عيون فنية ناقدة تعكس بشكل مبدع مشكلات الواقع بدافع تغييره، فذلك فقط يدفع إلى تقدم البلاد.
أزمة مركبة
أزمتنا مع فيلم «ريش»، كما نظر إليها حازم الجندي في “الوفد” هي أنه لا يعكس الصورة الحقيقية الكاملة، وإنما اختزلها في فقر ومعاناة فقط، ومع مهرجان الجونة، أنه قد تم تفريغ الفكرة من مضمونها ولم يصبح مهرجانا للسينما والإبداع قدر ما هو مهرجان لتحدي الفساتين والظواهر الغريبة، وبشكل عام نحن لا نريد سوى نقل كل الواقع وبكل ما فيه، لا أن يتم تناسي وتجاهل كل ما تبذله الدولة من جهود جبارة في مشروعات قومية، ومصانع كبرى وقرى تبنى وتطوير عشوائيات. حق الإبداع مكفول للجميع، ونحن أول الداعمين للمبدعين عامة وللفن بشكل خاص، ولكن بشرط أن يكون منصفا، فما قامت به الدولة خلال السنوات السنوات السبع الماضية لا ينكره عاقل، وتجاهل هذه الإنجازات والإصرار على تصدير الصورة القديمة، من فقر وعوز وعشوائية وتهميش مرفوض، ولا يمكن السكوت وتجاهله. ما زاد الطين بلة هو المكابرة في الخطأ، من جانب المسؤولين عن المهرجان، والخروج إلى وسائل الإعلام للدفاع عن الفيلم على حساب الدولة وإنجازاتها، حيث أكدوا أن «السينما تبرز الواقع»، وهنا نتساءل ألا يوجد في الواقع الذي يتحدثون عنه: حي الأسمرات بمراحله الخمس أو مدينة دمياط الجديدة أو تل العقارب، أو بشاير الخير بمراحلها الأربع، بجانب المشروعات السكنية التي افتتحها الرئيس السيسي، منذ عدة أيام. نعم، ندرك أن المهرجان يواجه مشاكل وأزمات وتخبطا واضحا، ولكننا نذكرهم للعبرة والتعلم أن الفن المصري كان على مدار التاريخ قوة مصر الناعمة، وقدم عشرات، بل مئات من رموز الفن والمجتمع، وقدموا عبرا ودروسا أبرزت قيم مجتمعنا المصري الأصيل. للأسف، فقد تحول مهرجان الجونة من مهرجان سينمائي يهتم بالإبداع، إلى حدث يتسابق الكثير من المشاركين به للظهور بفساتين شبه عارية، أو بعرض لفنان يتحدى الجميع بأغانيه وأدائه الهابط لمجرد لفت الانتباه، حريصون على (ركوب) التريند.
مولد النبي والجونة
وهو يحتفي بذكرى المولد النبوي تذكر الدكتور ناجح إبراهيم في “المصري اليوم” كلمات خالدة: من أجمل ما قاله العلامة الرافعى: «عجيب أن يجهل المسلمون حكمة ذكر النبي العظيم خمس مرات في الأذان يوميا، حيث ينادى باسمه الشريف ملء الآفاق، وكذلك في كل صلاة أو نافلة يهمس باسمه الكريم ملء النفس، حتى لا ينقطعوا عن نبيهم، ولا يوما واحدا ولا جزءا من التاريخ»، وصدق والله، فالأمة دون نبيها ورسالته لا تساوي صفرا. ضع اللغات كلها في فم المحب، فإن خفقة واحدة من قلبه ستجعلها كلها بلا تأثير، كأنها صمتٌ ناطقٌ، هذه رائعة الرافعي خبرتها في حياتي، فالحب أبلغ من أي كلام، إذا وصل من القلب للقلوب، والرسل جميعا جاءوا بالحب والرحمة مع التوحيد. «يسرع الناس في صلاتهم بشكل عجيب، لو أن هناك مخالفات على السرعة في الصلاة، لسحبت من أكثرية المصلين الرخص، ولذا يخرج معظمهم من الصلاة دون أن يستفيد منها شيئا»، من كلمات الدكتور إبراهيم الفقي، ويصدق هذا قول النبي للذي فعل مثل ذلك عدة مرات: «صلِّ فإنك لم تصلِّ». من روائع الرافعى قوله: «ما ارتفعت المآذن إلا ليعتاد المسلمون رفع الصوت في الحق»، حقا إنه تعويد على الصدع بالحق والجهر به. لم أجد في معظم القنوات في ذكرى المولد النبوي برنامجا واحدا جيدا عن النبي صلى الله عليه وسلم، يتناول أي جانب من حياته، ومعظم البرامج أتت فقط بمنشدين، وهذا جيد ولكنه لا يكفي، أما المساجد فالدعوة فيها باهتة ولا روح فيها، الخلاصة أن الدعوة الإسلامية تكاد تكون في غرفة الإنعاش، وانشغل الجميع بمهرجان الجونة وفساتينه وأزيائه عن رسول الله وذكراه، حتى العلماء الكبار الذين ودعوا الحياة في مثل هذه الأيام لم يحظوا بأي ذكر في هذه القنوات، وعلى رأسهم الدكتورة منى المهدي أسطورة العطاء في علم الصيدلة والعطاء الإنساني، ورائدة علم الصيدلة الإكلينيكية، علماء مصر العظام دوما في دائرة النسيان. من أهم كلمات الدكتور جولد تسيهر: «الحق أن محمدا كان بلا شك أول مصلح حقيقي في الشعب العربي من الوجهة التاريخية». أما الأديب العالمي تولستوي فقال: «يكفي محمدا فخرا أنّه خلّص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح أمام وجوههم طريقَ الرُّقي والتقدم، وأنّ شريعةَ محمدٍ ستسودُ العالم لانسجامها مع العقل والحكمة».
قلوبنا مع الأشقاء
نتحول نحو وطننا الثاني بصحبة صالح الصالحي في “الأخبار”: ما بين تصاعد للأحداث في السودان بعد أزمة سياسية مستمرة منذ أسابيع، ومحاولات للتهدئة من المجلس السيادي للخروج بالبلاد من المرحلة الانتقالية، التي امتدت لأكثر من عامين، والتي من المقرر أن تستمر لمدة مماثلة، عانى فيها السودان من تعقيدات سياسية واقتصادية وصلت لحد الأزمة وانقسامات داخل المجلس السيادي، وصلت لانقسام المكون المدني على نفسه بانشقاق ائتلاف قوى الحرية والتغيير المنتمي للنظام المنحل، في محاولة منه للاستئثار بالحكم.. تشتد موجة القلق داخل السودان وخارجه من دول الجوار والأطراف الإقليمية والدولية صاحبة المصلحة، على تطورات الأحداث الأخيرة التي شهدتها الأجواء السودانية، ما بين موجة اعتقالات وتوقف لأشكال الحياة في مبنى التلفزيون والإنترنت، وإغلاق مطار الخرطوم وتعليق الرحلات الجوية وغيرها من تطورات. في ظل كل ذلك يعاود عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة محاولات تهدئة المشهد والخروج بخطاب يهدئ الحالة المشتعلة في البلاد.. ويجدد تعهده بالعودة للمسار التشاركي مع القوى المدنية، مشددا على عدم السماح باختطاف تيار بعينه للمسار السياسي.. يأتي ذلك وسط توقعات متأرجحة لسيناريوهات بتطور الأوضاع في السودان، التي من أخطرها السيناريو السوري أو الليبي، في ظل حالة تمرد مسلح شرق السودان. وسيناريو آخر متفائل بعدم انفجار الأوضاع في السودان والوصول للتهدئة في ظل الدعم الإقليمي والدولي من الأطراف صاحبة المصلحة في استقرار السودان ومنها، الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ومصر، صاحبة المصلحة الأولى في استقرار السودان باعتباره عمقا استراتيجيا لها مؤثرا في أمنها القومي.. وهو ما كان واضحا في الخطاب الرسمي المصري من دعوة جميع الأطراف للتهدئة والتوافق، من أجل الصالح العام السوداني وضبط النفس.. حيث شدد الخطاب المصري على أن أمن واستقرار السودان جزء لا يتجزأ من أمن مصر واستقرارها.. توقع الكاتب أن يتم احتواء الموقف المتأزم في السودان خلال الفترة المقبلة بعد تبني البرهان محاولات لتقريب وجهات النظر وإيجاد حلول وسطى تضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار.
نكهة السعادة
يرى عبدالمحسن سلامة في “الأهرام” أن اللاعب محمد صلاح أصبح أحد صناع السعادة لملايين المشجعين في مصر، والعالم العربي، والمملكة المتحدة.. والكثير من بلدان العالم. بالنسبة لي، محمد صلاح حالة اجتهاد، وطاقة نور لكل المجتهدين، والبسطاء. هو مواطن يعتز بموطنه، ومسقط رأسه (قرية نجريج)، ولا يتوانى عن الاهتمام بها، والحرص على تقديم كل ما يستطيع إلى أهالي قريته، ولفترة، ليست ببعيدة، كان يحرص على قضاء إجازاته هناك، وأعتقد أنه لولا ظروف تعقيدات المشهد، بالنسبة له هناك، لكان استمر في ذلك. محمد صلاح مواطن مصري أصيل لم يغير جلده، ولم تبهره أضواء المدينة، أو أضواء أوروبا، وظل مواطنا مصريا طبيعيا يعيش ببساطة، ويقاتل من أجل النجاح، والاستمرار على القمة. لم ينكسر من أول «خبطة»، وظل يكافح، وينتقل من فريق إلى آخر، حتى بات اللاعب الأشهر في العالم، والأكثر حصدا للألقاب، وتحطيما للأرقام القياسية. الأهم من كل ذلك، أن محمد صلاح نجح في إزاحة الغبار، الذي لحق بصورة المسلم، في بعض دول العالم، نتيجة حملات العداء والكراهية، التي تم شنها على المسلمين، بعد وقوع أحداث عنف، وسفك دماء من بعض المتطرفين والإرهابيين، وحاولت جماعات الكراهية التحريض ضد كل ما هو إسلامي (الإسلامو فوبيا)، ولصق تلك التهمة الكريهة بكل المسلمين. بهدوء وبساطة، ودون افتعال، أو إلقاء خطب، أو مواعظ، نجح محمد صلاح في تقديم صورة المسلم الطبيعي ذي الأخلاق الرفيعة، والمجتهد الصلب، والذكي والمحبوب من كل الذين حوله، دون تفرقة بين مسلم أو غير مسلم. اعرب الكاتب عن أمله في أن يكون لدينا مليون محمد صلاح في الكرة، والصناعة والطب والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا.. وكل المجالات المختلفة.
تصحر المشاعر
كان العالم وما زال كما يرى فاروق جويدة في “الأهرام” في سباق من يصل إلى القمر، ومن يبني قصور المستقبل على المريخ.. وبدء تسويق رحلات السفر في الفضاء بملايين الدولارات.. وسط كل هذه الأحلام الوردية وسفن الفضاء التي أصبحت تمثل وجها من وجوه الصراع المقبل، كانت هناك أقدار أخرى ترسم مستقبل عالم آخر لم يعد يواجه بعضه، ولكنه يواجه قدره.. أمام تحديات أخرى وصراعات مع الطبيعة والكون يتحرر بطريقته متراكمات عصور عبرت ووجد الإنسان نفسه أمام عالم جديد مختلف يتغير في كل شيء.. ووجد أن الطبيعة التي تصور انه روضها قد تمردت عليه، وان عليه أن يستقبل عالما جديدا وإنسانا آخر يختلف في كل شيء عن أزمنة عبرت وحضارات اندثرت.. الحقيقة الوحيدة التي ينبغي أن نعترف بها، أن هناك عالما جديدا يتشكل، وهناك إنسانا آخر يولد بمواصفات جديدة.. وعلى العالم أن يدرك أن هناك مجموعة من الحقائق الكونية، لا بد أن يقبلها الإنسان ويتعايش معها.. الحقيقة الأولى.. أن هناك عالم ما بعد كورونا هذا الفيروس الأعمى، الذي غير كل شيء في الحياة وكتب صياغة جديدة لإنسان جديد بمواصفات جديدة.. إن مأساة كورونا لم تكن مجرد فيروس حصد أرواح حشود من البشر، لكنه قرار بتعديل مسار البشرية.. هناك إنسان آخر بعد كورونا كانت المشاعر أول ضحايا كورونا ويمكن أن نسميها إنها زمن اللا مشاعر واللا حب.. سوف يكون من الصعب أن يعود الحب كما كان، بعد أن تقطعت كل جسور التواصل بين الناس.. وإذا كان للحب طقوس وشواهد فإن كورونا قضت على كل هذه الطقوس.. أنت لن تستطيع أن تُقبل حبيبا أو تصافح صديقا أو أن تعانق إنسانا فرقت بينكما الأيام.. هناك زمن مقبل من التصحر العاطفي ينتظر البشر لأن كورونا دمرت كل المشاعر الإنسانية.. القضية لم تكن حشودا ماتت أو أصيبت، ولكنه تركيبة خضعت لشلل كامل ودمرت أجمل وأغلى ما كان يملك الإنسان وهو مشاعره.
ليتها تقرأ
تعاني نيفين مسعد كما قالت في “الشروق”، على مدار حياتها من ضعف خاص تجاه بقايا الأشياء. تنتهي العلاقات ويذهب أصحابها إلى حيث يذهبون وتظل بقاياهم تستدعيهم وتذكّر بهم، تجتّر تاريخا قديما لم يعد يمّت للواقع بصِلة وتحتفظ لنفسها بمكان خاص في ركن بعيد من أركان الذات. يقول نزار قبّاني في قصيدة “ماذا أقول له؟”: على المقاعد بعضٌ من سجائره، وفي الزوايا بقايا من بقاياه. تنشد نجاة الصغيرة هذه القصيدة الرائعة بإحساس مرهف لا مزيد عليه، فإذا بي معها يدا بيد نتفقّد هنا وهناك بقايا حبيبها الغائب، ونفتّش معا في الزوايا عن الرسائل والجرائد والكتب وكل الأشياء الصغيرة التي تتولّد منها شحنات كهربائية تهز القلب هزّا، بحكم التعّود والحنين وعِشرة السنين. قصيدة “ماذا أقول له؟” هي طبق الأصل قصيدة “أيظن؟” فهما تتشابهان في الإحساس والمعنى، وحتى في علامة الاستفهام التي تقترن بهما، وفي الحالتين نحن إزاء حصار الأشياء الصغيرة لامرأة ممزقة بين جرح غائر وحب غائر، يخزها الجرح المفتوح فتقرر الابتعاد عن حبيبها، ويطاردها طيف الحب القديم فتعود أدراجها ولا تجد أحلى من الرجوع إليه، بل وتُعلمنا على الملأ بأنها ما زالت ألف تهواه. هذه القصيدة إذن هي تلك، مع تلاعب مدروس بالكلمات، وليس أمهر من نزار تلاعبا بالكلمات. عندما كتَبَت الصديقة السفيرة جيهان أمين على صفحة الفيسبوك الخاصة بها الجملة البليغة التالية “زي ما عيب تقدّم بقايا أكل، عيب تقدّم بقايا وقت، بقايا طاقة، بقايا مشاعر”، فإنها دون أن تدري جدّدت أزمتي المزمنة مع مسألة البقايا، لكنها فعلت ذلك من زاوية أخرى. ففي هذا البوست نحن إزاء بقايا مختلفة عن تلك التي كتب عنها نزار وغنّت لها نجاة، وإن ظل الجوهر واحدا. بقايا نزار ونجاة هي عبارة عن مجموعة أشياء تخص حبيبَين.. أشياؤه وأشياؤها. أشياؤه الكؤوس والزهور والجرائد، وأشياؤها المرايا والفساتين وأحمر الشفاه، أما بقايا البوست فإنها كل اللفتات الرقيقة التي تفسح للآخرين مكانا في وقتنا وجهدنا وأحاسيسنا والتي يمكن اختصارها في كلمة واحدة هي الاهتمام.
على شكل عصفورة
تساءلت نيفين مسعد هل يوجد بيننا من لا يتعامل مع الآخرين بأسلوب البقايا؟ لا إجابة قاطعة فالظواهر الاجتماعية بطبيعتها لا تحتمل الأحكام المطلقة، ومع ذلك يمكن القول أن أكثرنا لم يعد يقدّم في علاقاته الإنسانية سوى البقايا. تعقدَت الحياة المعاصرة بشكل مذهل وتزايدت الأعباء والضغوطات اليومية، ولم تعد توجد بَرَكَة في الوقت. تعقيدات الحياة مسألة نسبية بالتأكيد، ومقابل الصعوبة التي نواجهها في تدبير بعض المتطلبات توجد سهولة في تلبية متطلبات أخرى، لكن الذي يصنع الفرق بين زمان والآن، هو انكماش المساحات المشتركة التي كانت تجمع بين الناس. زمان كانت هناك موائد طعام وحفلات الست وزيارات عائلية وصلوات وخروجات، تجمعنا وتتيح لشركائنا في هذه المناسبات جميعا كل الوقت وكل الطاقة وكل المشاعر التي يحتاجون إليها. الآن اختفى ذلك وتحوّلت بيوتنا إلى بانسيونات، وصارت علاقاتنا عابرة أو سطحية. انتقَلَت الحكاوى والأخبار والصور من غرف المعيشة والألبومات والأمسيات الحميمة مع الأهل والأصدقاء إلى غرف الدردشة وحوائط الفيسبوك وحسابات الأنستغرام، وتعلّقت الأنظار على مدار الساعة بتغريدات طائر على شكل عصفورة زرقاء اللون. وعندما جاءت كورونا وحبستنا معا بين جدران أربعة، تبيّن لنا ساعتها كم نحن غرباء عن بعضنا بعضا، وهكذا تعامَلنا كما يتعامل الغرباء بشيء من الحذر وبقايا اهتمام. التعامل بالبقايا هو ثمن ندفعه لانغماسنا أكثر وأكثر في هذا العالم الافتراضي الذي يبدو كمثل ندّاهة يوسف إدريس لا سبيل لمقاومته/مقاومتها، فلا يتبقى لعالم الواقع الذي نعيش فيه فعليا إلا أقل القليل.
ش