عد المراقبون المجزرة الجديدة في ديالى، بانها التنفيذ العملي لتهديد الرافضين لنتائج الانتخابات، وهي رسالة من الفصائل بانها على استعداد لإحياء الفتنة الطائفية، إذا لم تتحقق رغباتها السياسية.
بغداد-»القدس العربي»: الهجوم الإرهابي الأخير على قرية شيعية في محافظة ديالى العراقية، والرد عليها بهجوم ميليشيات على قرى سنية في المحافظة، أعاد للعراقيين ذكريات مؤلمة عن الفتنة الطائفية التي عاشتها هذه المحافظة والعراق، منذ الاحتلال الأمريكي 2003.
وقبل أيام وعقب ظهور نتائج الانتخابات التشريعية، وخسارة الفصائل المسلحة أغلب مقاعدها في البرلمان المقبل، نتيجة رفض الشارع لها، هدد بعض قادتها مفوضية الانتخابات والحكومة، بان عدم تغيير نتائج الانتخابات لصالح الفصائل ستكون له «تداعيات على السلم الأهلي في العراق» وحينها لم يتوقع الكثيرون ان تهديد الفصائل سينفذ بهذه السرعة.
وكان الهجوم الإرهابي على قرية الرشاد الشيعية في ديالى وسقوط نحو 30 قتيلا وجريحا، من قبل مسلحين مجهولين، الحجة التي اتخذتها بعض الفصائل، لتشن هجوما على قرية نهر الإمام السنية القريبة منها، ولتعيث بها فسادا وتدميرا، حيث أعلنت منظمات حقوقية وشهود عيان، إعدام ثمانية من رجالها وتدمير البيوت والسيارات وجامع القرية ومزارعها، حسب الفيديوهات التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي والتي أظهرت وصول هادي العامري قائد منظمة بدر مع قوة عسكرية كبيرة، إلى قرية الرشاد وتوعدهم بالرد على الهجوم، حيث أعقب ذلك شن هجوم واسع منظم على العديد من القرى ذات الأغلبية السنية للانتقام لقتلى الهجوم الأول رغم عدم علاقتها بالأمر، فيما تعرضت العديد من القرى إلى قصف بالهاونات، إضافة إلى وقوع عدة عمليات خطف لمواطنين، مما يدل على وجود النية المبيتة للتصعيد.
وكان أمرا مؤلما للعراقيين عندما وقفت القوات الحكومية تتفرج على هجوم الميليشيات على قرية نهر الإمام وقرى أخرى من دون ان تحاول منع المهاجمين أو حماية السكان، وهو سيناريو سبق ان تكرر خلال الفتنة الطائفية في الأعوام 2005 – 2007 في عدة محافظات ومنها ديالى التي تتحكم بها ميليشيات أبرزها بدر والعصائب.
ومع ان رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، توعد بملاحقة منفذي جريمة ديالى، التي نسبتها الحكومة إلى تنظيم داعش، مشددا على رفض «أي محاولة لبث الفرقة الطائفية التي لن نسمح بعودتها» كما قام بإقالة مدير شرطة ديالى لتقصيره في حماية المواطنين، مع فرض حظر التجوال لبعض الوقت، إلا ان «العمليات المشتركة» أصرت على نفي «وقوع أعمال انتقامية» عقب الهجوم على قرية الرشاد، رغم ان العديد من الوقائع أكدت وقوع هجمات منظمة من قبل جماعات مسلحة، ضد العديد من القرى السنية ووقوع ضحايا وحرق بيوت وتدمير للممتلكات، ما أسفر عن حركة نزوح كبيرة فرارا من عمليات الانتقام.
وكانت الفيديوهات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الفضائية، دليلا واضحا، حيث تحدث الناجون من المجازر بأن الميليشيات هاجمتهم بوجود قوات حكومية اكتفت بمراقبة الاعتداءات من دون تدخل إلا في حالات محدودة جدا. فيما كشفت وزيرة الهجرة والمهجرين العراقية إيفان فائق، بعد زيارة القرية المنكوبة، انها تفاجأت من العدد الكبير للنازحين من قرية نهر الإمام في المقدادية نتيجة استمرار الهجمات الإرهابية. وأكدت بان ما لا يقل عن 227 عائلة نزحت من القرية خلال الساعات القليلة عقب الهجوم. وقالت فائق «إن الوزارة تبحث نقل هذه العائلات إلى مخيم خانقين للنازحين بصورة مؤقتة لحين حلحة أوضاعهم».
كما أعلن الوقف السني في ديالى، عن فتح أبواب المساجد والمرافق التابعة للمديرية لإيواء العوائل الهاربة وتقديم المساعدات العاجلة لهم، مؤكدا ان»تدفق النازحين ما زال مستمرا، وان هناك منهم جرحى، وآخرون قُتلوا، تم دفن بعضهم، بينما تنتظر جثث آخرين في المستشفيات».
وجاءت ردود الأفعال الرافضة لمجزرة ديالى سريعة، ومنها بيان «المجمع الفقهي لعلماء أهل السنة» الذي طالب فيه الحكومة بـ «ردع الإرهابيين والخارجين عن القانون وضرورة المعالجة الميدانية العاجلة لوأد الفتنة وأطفاء شرارتها، وفتح تحقيق بالخرق الأمني وتهاون الأجهزة الأمنية في منع وقوع حالات الإعدام والحرق والتجريف».
وبدورها أدانت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» بشدة الهجوم الإرهابي في ديالى، داعية السلطات إلى «إجراء تحقيق كامل في الهجمات وبذل كل جهد ممكن لضمان سلامة وأمن جميع المواطنين، من أجل محاربة تهديدات الإرهاب والعنف المستمرة التي تقوض استقرار العراق».
والملاحظ ان هجمات ديالى تزامن وقوعها، مع العديد من المواقف والتحركات لفصائل وأحزاب شيعية خاسرة في الانتخابات، بغية الضغط على مفوضية الانتخابات والحكومة لتعديل النتائج لصالحها بحجة وجود تزوير، حيث حذرت الميليشيات «ليس لدى المفوضية والحكومة خيار سوى تصحيح المسار، وإلا سيدخل البلد في نفق مظلم ومشاكل لا يحمد عقباها». وضمن هذا السياق، جاءت تصريحات قائد ميليشيا العصائب قيس الخزعلي في تغريدة قال فيها «أتمنى ان تكون مجزرة ديالى لوحدها كافية دون الحاجة لمجازر أخرى، ليعلم من يطالب بحل الحشد أو دمجه انه جانب الصواب» وهو ما عده المراقبون إقرارا بمسؤولية بعض الفصائل عن تنفيذ تلك المجزرة للضغط على المفوضية والحكومة.
وقد عد المراقبون المجزرة الجديدة في ديالى، بانها التنفيذ العملي لتهديد الرافضين لنتائج الانتخابات، وهي رسالة من الفصائل بانها على استعداد لإحياء الفتنة الطائفية وتخريب البلد، إذا لم تتحقق رغباتها السياسية. وهو ما عزز قناعة معظم العراقيين بان الفتنة الطائفية هي صناعة بعض الفصائل والقوى السياسية في العراق، وان تنظيم «داعش» ليس هو الخطر الوحيد على أمن البلد. فيما يرى آخرون، أن إحياء الفتنة الطائفية وخلق الفوضى في العراق، قد لا يكون بعيدا عن مخطط إقليمي، مرتبط بالمفاوضات الإيرانية الغربية حول الملف النووي والعقوبات.