السودان: الشعب يرفض ويقاوم الانقلاب العسكري

سيداحمد علي بلال
حجم الخط
0

لم يكن التكهن بمحتوى البيان الذي سيلقيه الفريق البرهان صباح 25 تشرين الأول/اكتوبر يحتاج لإجتهاد كبير. فقد توقع كثيرون أن يقدم الجنرال البرهان على وصف ما سيفعله بانه ليس انقلابا، وانه سيشكل «حكومة كفاءات مستقلة» وسيعتمد في ذلك على (حاضنة) جديدة من حلفاء يقولون إن الحاضنة الأولى «إعلان قوى الحرية والتغيير» قد أقصتهم منها؛ لكن كان من الصعب تصوّر ما سيفعله البرهان بالوثيقة الدستورية التي ظلت تستند عليها شرعيّة الحكم منذ خلع البشير في نيسان/ابريل 2019.
بقراءة البرهان لبيانه الهام اتضح انه يعلن عن إقدامه على القيام بفعل كل ما يفعله أسلافه من الانقلابيين الذين مرّوا قبله على البلاد، فأعلن عن حل مجالس الحكم المشتركة بين المدنيين والعسكريين: مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وإعلان حالة الطوارئ، وقام بتعديل الوثيقة الدستورية فأزال منها المواد التي ظن انها ستسمح له باتحاذ ما يشاء من خطوات.
بعد ان حل البرهان المجلسين، الذين يشكلان معاً السلطة التشريعيّة والتنفيذيّة، يكون قد فقد وظيفته القديمة فيهما (رئيس مجلس السيادة) ولم يتبق له سوى وظيفة قائد جيش يقوم بتنفيذ انقلاب عسكري.
وبإلقاء نظرة سريعة على المواد التي أزالها من الوثيقة الدستوريّة نجدها تحتوي على الآتي:
المادة 15 وتتعلق بلجنة تفكيك تمكين نظام الثلاثين من حزيران/يونيو 1989 (نظام البشير).
المادة 16 وتتعلق بلجنة التحقيق في فض الاعتصام أمام قيادة القوات المسلحة في 3 حزيران/يونيو 2020 .
المادة 24/3 وتتعلق بالمجلس التشريعي وتكوينه.
المادة 71 وتتعلّق باحكام الوثيقة الدستورية المستمدة من أحكام الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير.
المادة 72 وتتعلق بحل المجلس العسكري بموجب الوثيقة.
تبرز تعديلات الوثيقة الدستوريّة:
تعطيل عمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من حزيران/يونيو 1989 والتي استطاعت تجميع قاعدة معلومات كبيرة حول الفساد في عهد الإنقاذ.
تعطيل أو إيقاف عمل لجنة فض الاعتصام والتي تتولى التحقيق في جرائم مذبحة فض الاعتصام امام مبنى القيادة العامة في يوم 3 حزيران/يونيو 2020 بحيث يكاد ان يمثل ذلك مشاركة في طمس معالم جرائم المذبحة وحماية مرتكبي جرائم مستقبلية أيضاً.

لابد ان اللحظة السياسيّة الراهنة ذات صلة جوهرية بلحظات سابقة وبلحظات لاحقة، أهمها ان رئاسة الفترة الانتقالية كان قد تم تقاسمها بين المكونين، العسكري والمدني، إلى مرحلتين يتولى المكون العسكري رئاسة المرحلة الأولى التي كانت ستنتهي في شهر ايار/مايو الماضي، إلا ان إضافة عام للفترة الانتقالية من خلال اتفاق جوبا للسلام جعل نقل الرئاسة يتحول إلى تشرين الثاني/نوفمبر المقبل بقسمة العام على المرحلتين بمعدل 6 أشهر لكل مرحلة (من ايار/مايو إلى تشرين الأول/نوفمبر).
وكان البرهان قد زعم، في مؤتمره الصحافي الذي عقده يوم 26 تشرين الأول/اكتوبر انه استضاف رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك، في منزله، ولم يقل في مقر إقامته بقصر الضيافة، وما الذي يمنع من تفسير سلوكه ذاك بانه يمثل عملية احتفاظ بحمدوك كرهينة. لقد ظل البرهان، عضو اللجنة الأمنيّة للنظام السابق، يواصل لعب الورقة الأمنية إلى أقصى مستوى لها بتصوير أن السودان يقف على حافة الهاوية، ومعبّداً الطريق لوصاية الجيش على الحياة السياسيّة.

معتقلون بلا حدود

بعد الانقلاب بوقت قليل اتضح ان قوات البرهان قد اعتقلت رئيس الوزراء ومجموعة من وزرائه وطاقم الصحافيين الذين عملوا في الإدارات المختلفة للحكومة الانتقاليّة فاعتقل كل من عضو مجلس السيادة محمد الفكي سليمان، ووزير شؤون الرئاسة خالد عمر (سلك) والمستشار السياسي لرئيس الوزراء ياسر عرمان، والمستشار الإعلامي لرئيس الوزراء فيصل محمد صالح، والمتحدث الرسمي باسم قوى إعلان الحرية والتغيير جعفر حسن، والناشط والصحافي الحاج ورّاق، ووالي ولاية الخرطوم أيمن خالد نمر، والأمين العام المساعد لحزب البعث الاشتراكي علي الريّح الشيخ السنهوري، وعضو لجنة ازالة التمكين وجدي صالح، ووزير الصناعة ابراهيم الشيخ، ووزير الغعلام حمزة بلول، وعضو قيادة قطر السودان لحزب البعث شمس الدين احمد، ووزير الشباب والرياضة يوسف آدم الضي، ومدير عام وزارة الثقافة والإعلام بولاية الجزيرة- طارق مصطفى، وعضو سكرتارية لجنة إزالة التمكين عروة الصادق.
إن قراءة تعديل الوثيقة الدستورية يكشف بوضوح جزءًا من أهداف الانقلاب:
1-وقف أو تعطيل عمل لجنة تفكيك الثلاثين من حزيران/يونيو 1989( نظام الانقاذ-البشير).
2-وقف أو تعطيل أعمال لجنة التحقيق في مذبحة فض الاعتصام، بحيث ينجو المتورطون في المذبحة.

مليونيّة 21 أكتوبر

سرعان ما جاء الرد الشعبي الكاسح على الانقلاب، فقد كشفت مليونيّة 21 تشرين الأول/اكتوبر عن القوّة والتنوّع الذين تتميز بهما تيارات وقوى الشارع السوداني فبرزت لجان المقاومة التي يغلب عليها الطابع الشبابي، وكتلة أسر شهداء فض الاعتصام، والقوى المساندة للجنة تفكيك نظام الانقاذ، وكتلة قوى إعلان الحرية والتغيير، وكتلة من تعرضوا للقمع والتعذيب في بيوت الأشباح، وكتلة الحزب الشيوعي التي كانت قد خرجت من قوى إعلان الحرية والتغيير، وغيرهم، وقد كان البرهان يراهن على ما قد يفعله عنصر الوقت في تشتيت هذه القوى والذي ربما كان يعتبره حاسما في إحداث تشققات وسط هذه الكتل السياسية. وما زالت تتصاعد الدعوات لتظاهرات مليونية في 30 تشرين الأول/اكتوبر.
جدّدت قوى مقاومة الانقلاب هذه من أساليبها فاعتمدت تتريس الشوارع (إقامة تروس، وحرق إطارات السيارات) وإغلاق الشوارع بالطوب والحجارة، وتحاشي المواجهة مع القوى المسلحة، إلا على أضيق نطاق في الشوارع والأزقة، واعتماد عمليات الكر والفر لارهاق قوات الجيش والميليشيات التابعة له. وفي أحياء البراري التي تقع شرق الخرطوم، والتي تتشكل من 4 أحياء، خامسها امتداد ناصر، تطبق أساليب المقاومة هذه، حيث الناس في البراري يعرفون بعضهم البعض، ومع ان قوى السلاح تمارس أشد أشكال العنف والتنكيل وتواصل ممارسة أساليب مثل حلاقة شعر الشباب من المتظاهرين وعمليات المطاردة والقتل فإن هناك مظاهر مقاومة جديدة مبتكرة بدأتها إحدى الناشطات نجلاء سيد احمد، بحلاقة شعرها تضامنا مع الشباب المتظاهرين الذين يتعرضون إلى الاعتداء بحلاقة الشعر وغيرها من المحاولات التي يقصد بها الاذلال.
وعلى مستوى المقاومة نشرت لجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من حزيران/يونيو1989 والفساد بيانا طمنت فيه الشعب بانها قامت بالمحافظة على وثائقها، وقد جاء في بيان اللجنة «نطمئن الشعب السوداني باننا قمنا بالاحتفاظ بنسخ كاملة أخرى لكل ملفات الفساد بأماكن آمنة داخل وخارج البلاد. نؤكد امتلاكنا لمعلومات تفصيليّة وموثقة ولا غبار عليها، تشمل آلاف الوثائق والمستندات وإيصالات حكوميّة وبنكية وعقود مع دول أجنبيّة، وتوقيعات وتحويلات ماليّة ضخمة عن الفساد داخل كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية والميليشيات والحركات المسلحة وكل امبراطوريّة الفساد التي قامت باستباحة البلاد بصورة لم يسبق لها مثيل بل لا يمكن تخيلها كالتهريب الرسمي لأطنان من الذهب عبر مطارات البلاد، وهبوط طائرات المخدرات في المطارات الحربيّة. وكذلك لدينا نسخ من كافة المستندات والوثائق التي تثبت تورط محمد الطاهر إيلا والناظر ترك وشركاؤهم من المتورطين في نهبهم لأموال صندوق إعمار الشرق. وتؤكد اللجنة ان الوثائق والمستندات والأدلة الدامغة التي لديها تدين عبد الفتاح البرهان وتورط أعضاء المجلس العسكري وقائد الدعم السريع وأعضاء من أسرة آل دقلو، وبعض الحركات المسلحة والفلول وبعض قادة التنظيم المحلول».
وقد تضررت القوى التي كانت تأمل في الكسب السياسي من خلال اصطفافها إلى جانب البرهان والعسكر، فقد أشار تقرير لصحيفة «الجريدة» إلى ان عددا من قيادات التحالف الديمقراطي للعدالة قد تقدم باستقالته بسبب موقف مؤسساتهم من انقلاب البرهان من بينهم حذيفة عبدالله عمر، مساعد السكرتير العام للتنظيم وعضو المكتب السياسي ابراهيم كنجف. كما استقال الدكتور محمد حسن ابراهيم، نائب رئيس مكتب حركة العدل والمساواة بأمريكا وامين الإتصال الخارجي للحركة الذي وصف موقف قيادة حركته بانه «يقف ضد مشروع التغيير وضد التحول المدني الديمقراطي» ووصف موقف القيادة بانه يمثل «خيانة لدماء شهداء الثورة السودانيّة» كما استقال حمد البشير محمد نور، الرئيس السابق لحركة العدل والمساواة بفرنسا، وهناك أخبار أوردتها وسائط الاعلام الجماهيري، يوم 28 تشرين الأول/أكتوبر، عن اقتحام «قوة مسلحة لمبنى صحيفة (الديمقراطي) وقامت باحتلالها» وكان الإعلاميون في طليعة من استهدفهم الانقلاب بالاعتقال.
وعلى مستوى ردود الفعل السودانية الخارجيّة بعثت وزيرة الخارجية برسالة لكل وزراء خارجيّة دول العالم توكد ان ما حدث في السودان «انقلاب عسكري مرفوض والشعب سيقاومه» كما أدان عدد كبير من السفراء السودانيين بـ «أشد العبارات» ما اسموه بـ»الانقلاب العسكري الغاشم» وأعلنوا انحيازهم التام إلى المقاومة الشعبيّة، وقد بلغ عددهم مساء يوم الأربعاء 39 دبلوماسياً.
ربما تلخص مقدمة خطاب الرئيس الأمريكي جو بايدن ردود الفعل العالمية على ما يحدث في السودان، فقد ورد فيها انه قد اتفق «قادة الدول والمنظمات العالمية، متضمنة الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربيّة، والاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الإسلامي، على إدانة الاستيلاء العسكري على السلطة في السودان واستخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين، واليوم أضاف مجلس الأمن صوته لأصوات الإدانة التي يوجهها المجتمع الدولي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية