من جديد يعود الكاتب والمفكّر والناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو إلى السرد، في رواية بعنوان «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، تعيد التذكير بروايته «أنبئوني بالرؤيا»، التي صدرت بالفرنسية أولاً سنة 2010 وتُرجمت بعدئذ إلى العربية. الرواية الجديدة تسير عناوين فصولها هكذا: «نورا على السطح»، «أبو حيَّان التوحيدي»، «قَدَر المفاتيح»، «هي أنتِ، وليست أنتِ»، و«خطأ القاضي ابن خلّكان». ويشير الناشر إلى أنّ الرواية تبدأ بحدث غريب، كأنه تسلَّل من كتاب، وهو طيران نورا مع ولدَيْها، بعد ارتدائها لمعطف الريش، وانتظارها لزوجها حسن ميرو حتى يستيقظ لتودِّعَه. تُلامُ الأمُّ بكشف سرّ مكان المعطف، عن سذاجة أو قصد لتصرّفها ذاك، بينما تتداخل الحكاية بتوالي الصفحات مع قصة حسن البصري، وما حدث له مع الجنيَّة التي تُيِّمَ بها، وسرق لها ثوب الرّيش أو بالأحرى جناحَيْها بعد أن خلعتهما وغطست في البحيرة لتستحمّ. يبدو المشهد المتشابه بين الواقع والمرويَّة متداخلاً، غامضاً، يتكرر في أكثر من قصة واحدة، تماماً كتلك القصص غير المكشوفة التي تظلّ قابلة للتغيير.
ومثلما يتسلَّل الأدب إلى العلاقة بين الرسَّامة نورا وحسن ميرو وهو يشتغل على أطروحة دكتوراه موضوعها أبو حيَّان التوحيدي وكتبه المفقودة أو غير المقروءة؛ تتسلَّل، عبر مرجعية كيليطو الفلسفية والفكرية كتبٌ وأسماء وحكايات تتقاطع مع التراث وتستعيد الجاحظ والتوحيدي وألف ليلة وليلة وغيرها، وتحيل القارئ إلى أسئلة وجودية، إبداعية وإنسانية، تبدأ بتحذيرٍ مُلغَّم: «لا تفتح هذا الباب، أمنعكَ من ذلك مع علمي أنك ستفتحه».
هنا فقرات من مستهلّ الرواية:
«يحدث هذا، مرَّة أخرى، في بيت والدَي: ساحة مربَّعة، مفتوحة على السماء.
وبالضبط، توجد نورا، زوجة حسن، في الأعلى، على السطح، وقد ارتدت ثوبها من الريش. في ذراعَيْها طفلان نائمان، عُمُر أحدهما سنة، والآخر سنتان. إنها تنتظر منذ الفجر أن يستيقظ حسن.
يُفتح باب الحجرة أخيراً ويظهر. يتثاءب ويمدِّد يدَيْه بارتياح، ثمَّ يرفع عينَيْه وحين يُبصِر نورا، يعلم فوراً أن كلَّ شيء قد ضاع، وأنها سترحل عنه، وليس بإمكانه إيقافها.
قالت: لم أكن أودُّ الذهاب قبل توديعكَ.
ومباشرة، بعد ذلك، طارت وحلَّقت بعض الوقت فوق البيت، ثمَّ اختفت.
صرخ حسن، ففتحت أمّه باب حجرتها: ماذا حدث؟
ـ لقد ذهبتْ، وأنتِ السبب. لماذا ذكرتِ لها أين خبّأتُ معطف الريش».
المتوسط، ميلانو 2021