نصف سكان أفغانستان يواجهون المجاعة ونقص الغذاء في بلد تكتنز أرضه ترليونات الدولارات من المعادن النفيسة

حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»:  يخيم مستقبل قاتم على الوضع في أفغانستان التي تجاوز مؤخراً شعبها احتلالا أمريكيا دام عقدين من الزمن، وسط ضبابية المشهد حول تأمين أساسيات العيش الكريم لأزيد من نصف السكان الذين عاشوا نحو نصف قرن من التوترات.
وتدق المؤسسات الدولية والمنظمات المعنية ناقوس الخطر، وتطالب المجتمع الدولي للتحرك العاجل لمواجهة أسوأ أزمة ستشهدها أفغانستان التي لم تلتئم بعد جراح سكانها بعد الأهوال التي عاشوها لسنوات.
ووفقاً لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، تمتلئ الآن المستشفيات في أفغانستان بالأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، ويدفع اليأس بالأسر إلى اتخاذ إجراءات يائسة أيضاً، من أجل إطعام أطفالها – حتى وإن كانت تلك الإجراءات بيع الأسر لفلدات كبدها.
وحسب أحدث تقرير لبرنامج الأغذية العالمي، فإن العديد من الأسر في أفغانستان تواصل البحث عن الدعم لإطعام أطفالها، والكثير من النساء لم يأكلن منذ أيام، إذ يؤثرن أطفالهن على أنفسهن، وبعض العائلات- كما ورد في تقارير موثقة- تلجأ لبيع أطفالها للتأقلم مع الجوع.

أسر تضطر لبيع أطفالها

وفي إحاطة افتراضية للصحافيين من العاصمة الأفغانية كابول، قالت ماري إلين ماكغرورتي، المديرة القُطرية لبرنامج الأغذية العالمي في أفغانستان: «هذه ليست أزمة قصيرة المدى» ولفتت الانتباه إلى أن استمرار الانهيار الاقتصادي سيزيد المصاعب، واليأس والجوع.
وقالت: «مطلوب استجابة إنسانية ضخمة الآن وللعام المقبل على الأقل. والموارد المالية مطلوبة بشكل عاجل للقيام بذلك، الآن واليوم.»
وأظهر تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي «IPC» الصادر عن مجموعة الأمن الغذائي والزراعة الأفغانية، تحت القيادة المشتركة لمنظمة الأغذية والزراعة «الفاو» وبرنامج الأغذية العالمي، أن أكثر من واحد من كل اثنين من الأفغان سيواجه مستوى الأزمة (المرحلة 3) أو مستويات الطوارئ (المرحلة 4) من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر إلى آذار/مارس 2022.
وقالت ماكغرورتي: «قبل آب/ أغسطس، كان أفغاني واحد من بين كل ثلاثة، يعاني من انعدام الأمن الغذائي بشدة، والآن واحد من بين كل اثنين في هذه الدولة.»
ويعكس تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي زيادة بنسبة 37 في المئة في عدد الأفغان الذين يواجهون الجوع الحاد منذ آخر تقييم صدر في نيسان/أبريل 2021 ومن بين المعرّضين للخطر 3.2 مليون طفل دون سن الخامسة، والذين من المتوقع أن يعانوا من سوء التغذية الحاد بحلول نهاية العام.

ارتفاع مستوى اليأس

حذّر برنامج الأغذية العالمي، من أن تقليص المساعدات الغذائية لن يؤدي إلا إلى زيادة عدم الاستقرار واليأس في جميع أنحاء البلاد. وقال: «نشهد أزمة إنسانية ذات أبعاد لا تصدق، تتكشف أمام أعيننا، إذ يدفع الصراع، إلى جانب الجفاف وكوفيد-19 شعب أفغانستان إلى كارثة إنسانية.»
وتجعل الآثار الاجتماعية والاقتصادية لكوفيد-19 الطعام الأساسي بعيداً عن متناول الكثير من العائلات، على سبيل المثال، أصبحت أسعار القمح الآن أعلى بنسبة 24 في المئة من متوسط سعرها خلال خمس سنوات.

استمرار تقديم المساعدات

وشدد البرنامج على استمراره في الوصول إلى معظم أنحاء البلاد، والتزامه بمواصلة العمليات الإنسانية، إلى جانب الشركاء في المجال الإنساني، لمساعدة العائلات الأفغانية في هذا الوقت الحرج.
وحتى الآن في هذا العام، قدم مساعدات غذائية وتغذوية إلى 5.5 مليون شخص. كما أن برنامج الأغذية العالمي وصل إلى 80.000 شخص بالطعام والمساعدات المنقذة للحياة مؤخراً فقط.
وإلى جانب آلاف الأشخاص الذين حاولوا مغادرة مطار كابول، لجأ عدد قليل نسبياً إلى الدول المجاورة. وقد وضعت الوكالة الأممية خططاً للمساعدة إذا عبروا الحدود البرية. وأشار برنامج الأغذية العالمي إلى أنه إذا أراد المانحون تجنب تدفقات اللاجئين الكبيرة، من الضروري ألا تتوقف العمليات الغذائية داخل أفغانستان.
وبحسب مسؤول من البرنامج، يبلغ عدد سكان أفغانستان 40 مليون نسمة، 18.2 مليون منهم يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية (أي نحو نصف عدد السكان). وعدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي: 14 مليون شخص، أما معدل سوء التغذية الحاد العالمي: 13 في المئة (بعض الولايات أبلغت عن معدلات عالية تصل إلى 25 في المئة).
وتشير أوتشا إلى أن عدد العائدين إلى أفغانستان من إيران وباكستان بلغ 660.000 شخص في آب/أغسطس. وبحسب مفوضية اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين 2.5 مليون لاجئ مسجل.

موسم الجفاف على الأبواب

تضاف إلى المصاعب التي تواجهها الوكالات العاملة في المجال الإنساني في أفغانستان، شبح الجفاف، وتخشى من تأثيراته الوشيكة والتي تزيد الوضع سوءاً.
ومن المحتمل أن يبدأ موسم العجاف مبكراً ويضرب بقوة أكثر من أي وقت مضى. ومع اقتراب فصل الشتاء بسرعة، يستمر السعي لتوسيع نطاق العمليات الإنسانية وتخزين الطعام قبل بدء تساقط الثلوج بكثافة.
ومؤخراً حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من «كارثة إنسانية» وشيكة في أفغانستان، وحضّ دول العالم على تقديم مساعدات مالية عاجلة في أعقاب رحيل القوات الأمريكية من هذا البلد.
وقال في بيان إن «كارثة إنسانية تلوح في الأفق» مشيراً إلى «تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية» و«خطر الانهيار التام للخدمات الأساسية».

كارثة إنسانية

كما حضّ غوتيريش الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على «توفير تمويل في الوقت المناسب وبشكل مرن وشامل» للشعب الأفغاني الذي يعيش «أصعب الأوقات» في ما يتعلق باحتياجاته الأساسية.
وذكّر الأمين العام للأمم المتحدة أن «ما يقرب من نصف السكان الأفغان، 18 مليون شخص، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية للبقاء على قيد الحياة».
وأضاف «لا يعرف واحد من كل 3 أفغاني من أين ستأتي وجبته التالية» مشدداً على أن أكثر من نصف الأطفال ممن هم دون سن الخامسة سيعانون الجوع في العام المقبل.

مخاوف من شتاء
قاتل على الأبواب

بحسب المسؤولة في برنامج الأغذية العالمي، بدأ الثلج بالفعل بالتساقط، وأشارت إلى أن شعب أفغانستان يجابه «شتاء من الرعب المطلق والمعاناة» وحذرت من أن الضرر سيكون غير قابل للإصلاح بالنسبة لملايين الأطفال الذين سيمرضون بسبب الجوع وسوء التغذية.
وقالت إن الكثير من الأفغان الأبرياء يواجهون خطر الموت هذا الشتاء وحده، وإن هذه الأرقام لا تؤكد فقط أن أفغانستان تتحول إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية، ولكن تشير أيضا إلى وتيرة ونطاق الأزمة.
وأضافت تقول: «وتيرة ونطاق لم أشهد لهما مثيلاً خلال أكثر من 20 عاما من عملي مع برنامج الأغذية العالمي.»
بالنسبة للمنظمات الإنسانية، فإن الوضع المتدهور بالفعل في أفغانستان بدأ خلال الشهرين الماضيين بالتردي بشكل يومي وأسبوعي الآن، وملحمة اليأس والمعاناة مدفوعة بالانهيار الاقتصادي والإرث المدمر لعقود من الصراع. وإضافة إلى ذلك، تعاني البلاد من أزمة جفاف.

حتمية الوصول السريع إلى ملايين المحتاجين

وأوضحت ماكغرورتي أن الانهيار الاقتصادي الذي تمر به البلاد منذ منتصف شهر آب/أغسطس، وفقدان 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتعليق الدعم الدولي للميزانية والذي يشكل 70 في المئة من ميزانية الدولة كل ذلك تجلى في أزمة سيولة نقدية.
وقد وصل برنامج الأغذية العالمي إلى أكثر من أربعة ملايين شخص في أيلول/سبتمبر، وتم توصيل أطنان من الطعام إلى أكثر من 200 موقع حتى تشرين الأول/أكتوبر.
ويعتزم برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة «الفاو» الوصول إلى 15 مليون شخص مع نهاية العام. وقالت المسؤولة في برنامج الأغذية العالمي: «كل يوم، لدينا أكثر من 170 شاحنة في الشوارع في أفغانستان توصل الطعام إلى المجتمعات.»
من جانبه، قال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، ديفيد بيزلي، إن أفغانستان حالياً من بين أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، إن لم تكن الأسوأ. وأضاف يقول: «انهار الأمن الغذائي تقريباً. وخلال هذا الشتاء سيضطر ملايين الأفغان إلى الاختيار بين الهجرة والمجاعة، ما لم نتمكن من زيادة مساعداتنا المنقذة للحياة، وما لم يتم إنعاش الاقتصاد. نحن في عد تنازلي باتجاه كارثة. وإذا لم نتحرك الآن، فسنكون أمام كارثة على المستويات كافة.»

اتهامات للدول الغربية

وجهت أصابع الاتهام لعدد من الدول الغربية التي جمدت أصول أفغانستان، ومؤخراً حث أحد كبار أعضاء مجلس إدارة البنك المركزي الأفغاني وزارة الخزانة الأمريكية، وصندوق النقد الدولي، على اتخاذ خطوات لإتاحة مجال محدود أمام الحكومة التي تقودها حركة طالبان، للاستفادة من احتياطيات البلاد أو المجازفة بكارثة اقتصادية.
وكانت الحركة قد سيطرت على أفغانستان، لكن يبدو من المستبعد أن تتمكن من الاستفادة من احتياطيات البنك المركزي البالغة نحو 10 مليارات دولار أغلبها خارج البلاد.
واقترح المسؤول الأفغاني الذي قال أنه لا ينتمي لحركة طالبان، أن تسمح الولايات المتحدة للحكومة الجديدة في كابل بالحصول على مبلغ محدود كل شهر، ربما في حدود 100 مليون أو 125 مليون دولار في البداية، على أن يراقب مدقق مستقل إنفاقه. حتى يتم الاستجابة للأولويات العاجلة للسكان المقبلين على مجاعة قاتلة.
وقالت إدارة الرئيس جو بايدن في وقت سابق إن أي أصول للبنك المركزي تملكها الحكومة الأفغانية في الولايات المتحدة لن تتاح لطالبان، في حين قال صندوق النقد إن أفغانستان لن يتاح لها السحب من موارده.

الأسباب:
فتش عن الصراع وتأثيراته

ترى «منظمة العمل ضد الجوع الفرنسية» في تقرير لها، أنه هناك إجماعا عاما على أن الجوع والصراع يعززان بعضهما البعض: والنزاعات هي أحد الأسباب الرئيسية.
واعتبرت في تقرير حديث أن انعدام الأمن الغذائي ونقص الاستثمار أو عدم كفاية الاستثمارات في الأمن الغذائي للسكان المعنيين يخلق ظروفاً تفضي إلى اندلاع أو انتشار الصراع.
وتدرك منظمة العمل ضد الجوع أنه من المستحيل محاربة الجوع بشكل فعال دون معالجة العناصر الرئيسية لدورة الجوع والصراع.
وأقر قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2417 المعتمد في آيار/مايو 2018 بالصلة بين الصراع والجوع، وشدد أن قضية انعدام الأمن الغذائي – بما في ذلك المجاعة، التي تغذيها النزاعات المسلحة – كتهديد السلم والأمن الدوليين تزيد من استفحال الوضع.

إنذار مبكر لم يهتم به أحد

منذ 2007 رصد تقرير خاص من قبل هيئة «الإنذار المبكر بالمجاعة» أن انعدام الأمن الغذائي «المزمن» أو المستمر في أفغانستان، سيتمد ما بين 10 إلى 30 سنة، وفسر انعدام الأمن الغذائي «العابر» على أنه «قصير الأجل» أو «مؤقت» أي حالات الطوارئ.
وشدد التقرير أن الخصائص والأسباب الكامنة وراء انعدام الأمن الغذائي في أفغانستان، هو مشكلة «الوصول» إلى الغذاء.
وحسب خبراء الوكالة فإن الأسباب الرئيسية لانعدام الأمن الغذائي في أفغانستان هي: نقص فرص العمل والأجور المنخفضة وانخفاض دخل الأسرة، وعدم كفاية الإنتاج المحلي للقمح والحبوب، وانخفاض الإنتاج الحيواني، وعدم كفاية الموارد المائية للزراعة (أي الجفاف) ونقص الوصول إلى مياه الشرب، وتدني جودتها.

الأعين نحو خيرات البلد للاستفادة منها

وتشير التقارير الدولية، أن المجاعة التي تواجهها أفغانستان، تأتي في وقت ينام البلد على مخزون استراتيجي من ثروات طبيعية هامة، على غرار النحاس والرخام والأحجار الكريمة، ومعادن أخرى يمكن استغلالها لأغراض تكنولوجية.
ومع أن تقرير صدر في العام 2020 أكد أن 90 في المئة من الشعب الأفغاني يعيشون تحت خط الفقر، إلا أن الثروات الطبيعية التي تتمتع بها البلاد يمكن أن تدفع الاقتصاد للتطور وبالتالي تحسين ظروف عيش السكان.
وكشف علماء الجيولوجيا والعسكريون الأمريكيون في العام 2010 أن قيمة هذه الثروات الأفغانية يمكن أن تصل إلى تريليون دولار.
كما قدر تقرير حكومي أفغاني آخر صدر في العام 2017 أن قيمة الثروات المعدنية، بما فيها الطاقة الأحفورية، تصل إلى 3 تريليونات دولار. وفي 2010 قال الرئيس الأسبق حامد كرزاي «إن بلدنا يمكن أن يصبح أغنى إذا ساعدتمونا على استغلال الثروات».
لكن أمام تلك الثروات الهامة التي تقبع في باطن الأرض في أفغانستان، يواجه نصف عدد سكان البلد المجاعة، ولا تجد نسبة معتبرة فرصة تأمين قوتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية