الدكتور مصطفى سواق مدير عام الشبكة بالوكالة: «الجزيرة» رائدة الإعلام العربي لم يتغير خطها التحريري ولا تراجعت جرأتها

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي» : تحتفل شبكة «الجزيرة» بالذكرى السنوية الـ 25 لتأسيسها منذ رأت النور لأول مرة مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني 1996 ومن يومها أصبحت رقماً صعباً في الإعلام العربي، ورائدة على المستوى الدولي.
«القدس العربي» قابلت الدكتور مصطفى سواق، مدير عام شبكة «الجزيرة» بالوكالة في مكتبه في العاصمة القطرية الدوحة، وطرحت عليه أسئلة عديدة تدور في ذهن المتابعين والمشاهدين، والمراقبين. وبلغة عربية فصيحة تحدث المدير الذي تدرج في عدد من مناصب المسؤولية في الشبكة عن الاحتفال باليوبيل الفضي، الذي قال إنه سيكون حدثاً مميزاً، كما رد على سؤال إذا كانت هناك أخطاء رصدت، مشيراً أنه يصعب أن تحدد أخطاء في «الجزيرة» لأنها منذ انطلاقتها وكأنها في غاية النضح، وبالتالي لم ترتكب أخطاء مهنية، ربما رصدت هفوات بسيطة ينظر فيها. ويرى أن «الجزيرة» أثّرت وتأثرت منذ انطلاقتها بما يحدث في المنطقة من أحداث، مؤكداً أنها ساهمت في نشر ثقافة الحوار، على الأقل في الأوساط الشعبية، والنخب المثقفة، التي لا تخضع لسيطرة السلطة وقمعها. وشدد أن الخط التحريري للجزيرة لم يتغير ولم تخف جرأتها، بغض النظر عن الأحداث والتطورات، في إشارة إلى المصالحة الخليجية.
واستطرد أن «الجزيرة» ليست في منافسة مع أي قناة عربية، مشيراً أنه، هو أي الدكتور سواق، وهو إعلامي جزائري يحمل الجنسية البريطانية أيضاً «شخصياً لا أعرف قناة عربية تنافسنا، وهذا أمر لا نقوله غروراً، بل نؤكده من واقع الأرقام التي نعرفها.
وهذه تفاصيل المقابلة الحصرية لـ«القدس العربي» مع المدير العام بالوكالة لأهم شبكة إعلامية في العالم.
□ ما الذي يعنيه احتفال «الجزيرة» باليوبيل الفضي؟
■ طبعاً كل المؤسسات التي تنجح، تحتفي بمنجزاتها، وتقدم للعاملين فيها ولأبنائها ولمؤسسيها، ثم لجمهورها، تقدم لهم صورة عما فعلته طوال سنوات منذ تأسيسها، حتى اللحظة، أو خلال فترة محددة. و«الجزيرة» بعد مرور ربع قرن تقوم بذات الأمر، وهي تعودت الاحتفال سنوياً، وكان الاستثناء خلال السنة الماضية بسبب الوباء. وبالتالي الاحتفال باليوبيل الفضي، سيكون حدثاً مميزاً هذه السنة، وهو يجمع احتفالين، بالذكرى الـ24، والـ25. وخلال هذه المناسبة ننظر ونقيّم تجربة المؤسسة، منذ انطلاقتها حتى الآن. ونحاول أن ندرس إيجابياتها، وسلبياتها إن كانت هناك، ونجاحاتها، وانتصاراتها، ومعرفة الذات.

الاحتفال باليوبيل الفضي سيكون حدثاً مميزاً، وخلال هذه المناسبة ننظر ونقيم تجربة المؤسسة منذ انطلاقتها حتى الآن

□ وما الجديد هذه السنة؟
■ نحاول أن نقدم صورة عن الملامح الرئيسية للتجربة، ولتاريخ المؤسسة، ولهذا أسسنا لجنة توثق مسيرة «الجزيرة»، وقامت بعمل كبير جداً، ونجحت في رصد كل ما يمكن جمعه مما يوثق لهذه التجربة الرائدة. مع إعداد كتب تبرز يوم الاحتفال، ومعها مجموعة من الأعمال الوثائقية، سيبدأ بثها مع انطلاق الاحتفال، أي الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني، تروي مسيرة «الجزيرة».
□ ذكرتم أنه هناك نقد وتقييم لمسيرة «الجزيرة»، هل يمكن أن تحدثونا عن أبرز الملاحظات، والأخطاء والملاحظات التي سجلتموها؟
■ بصراحة يصعب أن تحدد أخطاء في «الجزيرة»، لأنها منذ انطلاقتها وكأنها في غاية النضح، وبالتالي لم ترتكب أخطاء مهنية، لكن ممكن جداً أن تكون هناك بعض «الهِنات» هنا وهناك تحدث بين الحين والآخر، وننظر فيها بطبيعة الحال، لكن للأمانة لم نجد خطأ يحتاج لتقويم، إلا ما يصنف ضمن الهفوات البسيطة، كأن يقدم خبر على آخر.

يصعب أن تحدد أخطاء في الجزيرة، لأنها منذ انطلاقتها وكأنها في غاية النضح، وبالتالي لم ترتكب أخطاء مهنية، ربما رصدت هفوات بسيطة ننظر فيها

□ هل من أمثلة يمكن أن توردها؟
ليست بالكثيرة، قد يكون مر علينا بعض الفيديوهات التي سربت لنا بطريقة ذكية، واعتقدنا أنها صحيحة في البداية، لكننا اعتذرنا بمجرد معرفتنا للأمر، وأنها مفبركة، وهو ما تم خلال دقائق. وأعتقد أن ثبات «الجزيرة» على مبدأ الاعتراف بالخطأ وتصحيحه، أدى لعدم تكرارها.
أما إذا حدث تقصير بشري في أمر بسيط، وغير مقصود، فلا نعتقد أنه يصنف ضمن الأخطاء التي تسجل عند مراجعة الذات، ولهذا يمكن القول إن «الجزيرة» قامت بعمل مهني كبير.
□ لماذا كانت «الجزيرة» منذ انطلاقتها في قلب الأحداث التي شهدتها المنطقة؟
■ لأن «الجزيرة» مؤسسة إعلامية كبرى، تغطي كل الأحداث التي تقع، بغض النظر عن طبيعتها، وعن أهدافها، والشيء الوحيد الذي يؤخذ بعين الاعتبار في التغطية، هو أهمية الحدث إعلامياً بالنسبة لجمهورنا. وجمهورنا واسع جداً، سواء في العالم العربي، أو العالمي، وحجم التغطية واسع لكل القنوات، ومدى شموليتها وعمقها، ويتغير إلى مدى اهتمام الجمهور المعني بها.
□ هل توافقون رأي من يؤكد أن «الجزيرة» أثّرت وتأثرت بما يحدث في محيطها في السنوات الأخيرة، تحديداً منذ الربيع العربي (2011)؟
■ «الجزيرة» أثرت وتأثرت منذ انطلاقتها، لأن من لا يتأثر لا يمكنه أن يكون حياً، فحتى الجماد يتأثر (يبتسم) وهذا التأثر من طبيعة المخلوقات، والتأثير من طبيعة الظواهر القوية، والذي يؤثر هو القوي، و«الجزيرة» كانت وما تزال قوية، وبالتالي تأثيرها واضح.
والتأثير لا يتعلق كما يحاول البعض، باختلاق الأمور، وصنع الأحداث، وإنما يتعلق بمدى إسهام المؤسسة في توعية جمهورها العربي وغيره، حتى في أوروبا وأمريكا، الناس يتأثرون ب«الجزيرة». ومن دون هذا التأثير لا يكون لعملها أصلاً فائدة، و«الجزيرة» تؤثر أساساً عن طريق توفير المعرفة. والمعرفة تتمثل في المعلومات الدقيقة، والصحيحة التي تقدم للجمهور، وكلما زادت معرفته، زادت قدرته على الاختيار الصائب، و«الجزيرة» كأي مؤسسة مهنية تحترم نفسها، وتحترم جمهورها، تقوم بهذا التأثير الإيجابي.

المحطة تسهم أيضاً في نشر ثقافة الحريات، والدفاع عن حقوق الإنسان، كما أنها تسهم في تدريب الإعلاميين في العالم العربي، وحتى الآن تخرج ومر على معهد التدريب الإعلامي نحو 60 ألف شخص

□ كيف يتحقق هذا التأثير الذي ذكرتموه؟
بطبيعة الحال هنالك أنواع أخرى من التأثير، غير تقديم المعرفة، فالبرامج الحوارية على سبيل المثال التي تميزت بها شاشة «الجزيرة»، منحت هامشاً لمختلف الآراء والأفكار المتباعدة أحياناً والمتصارعة والمتناقضة مرات، الرسمية والحكومية منها، مقابل المعارضة، أدت جميعها لنشر ثقافة الحوار، على الأقل في الأوساط الشعبية، والنخب المثقفة، التي لا تخضغ لسيطرة السلطة وقمعها. وأدت هذه البرامج إلى إغناء ثقافة الحوار، وهو أمر مهم جداً، لأنها عرفت الجمهور أن الحوار هو وسيلة مثالية للوصول إلى النتائج الإيجابية، وليس عن طريق العنف.
□ لكن «الجزيرة» تغطي الصراعات والحروب؟
■ نحن عندما نغطي تلك الأحداث، وما ينتج عنها، تكون خبرية، وحتى يفهم الجمهور أن العنف يؤدي إلى الدمار، بينما الحوار يؤدي إلى السلام، والأمن، والطمأنينة. وهو نابع من شعار الشبكة عن الرأي والرأي الآخر. ولا ننسى أن «الجزيرة» تسهم أيضاً في نشر ثقافة الحريات، والدفاع عن حقوق الإنسان، عبر مركز خاص، يوعي ويثقف الناس.
كما أن «الجزيرة» تسهم في تدريب الإعلاميين في العالم العربي، وفي معظم الدول، وحتى الآن تخرج ومر على معهد التدريب الإعلامي نحو 60 ألف شخص، وهو رقم كبير جداً.
كما أن مركز الدراسات يعمل على تعميق الفكر، وكلها إسهامات نلمسها من عمل ونشاط «الجزيرة»، التي ترسخ وجودها بشكل واسع.
هناك من يعتبر أن «الجزيرة» انطلقت مشاكسة من البداية، أي من الولادة، وفي خط زمن البشر، هناك تحولات في السلوك وفق المراحل العمرية، وتفاوتاً من مرحلة لأخرى، هل ينطبق ذلك على المحطة بعد ربع قرن من تأسيسها؟
مسألة «المشاكسة» يمكن القول إنها غير دقيقة نوعاً ما لو أسقطناها على «الجزيرة»، لأن المشاكسة قد تفهم بشكل سلبي، وقد تعني لدى البعض الصراع والخلاف من دون هدف حقيقي. بينما «الجزيرة» في حقيقة الأمر كانت وما تزال جريئة، في طرح القضايا والأسئلة القوية والمباشرة، وجريئة في التحقيقات التي تنجزها، كما أنها تميزت بدقة المعلومات التي تبثها. ونحن نعني بالجرأة هنا، الشجاعة عند المواقف والقضايا العادلة، خصوصاً أمام تلك الحكومات الطاغية الجبارة التي تقمع وتسجن وتقتل وتهدد، حيث تصنف الجرأة عند إبراز جميع ذلك. لكن نعود لمنطلق السؤال وما جاء فيه عن «المشاكسة» يمكن القول إنه في بعض الحالات، وفي بعض البرامج شيئاً مما يمكن أن نقول عنه مشاكسة، (هو تحفظ على الكلمة) فإنها كانت في تلك المواقف مشاكسة أقل مما يجب، أمام بعض القضايا الخطيرة التي تم تغطيتها، لأن المجتمعات كانت راكدة ومستسلمة، واحتاجت لمن يحركها، ويحفزها، بالمعرفة. و«الجزيرة» هي ناضجة، وتقدم محتوى رزيناً، ومرناً.
□ على حديثكم عن الرزانة والنضج، ما تعليقكم على بعض المتابعين، الذين لاحظوا أن جرعة الجرأة لدى «الجزيرة» تراجعت مؤخراً، بعد اتفاق المصالحة الخليجية، ويحصون أمثلة عن قضايا وملفات؟
لا أعتقد بداية أن جرأة «الجزيرة» تراجعت، يمكن القول إنه أحياناً توجد بعض القضايا يمكن أن لا تناقش في تلك الفترة، لأسباب معينة، وتؤجل مناقشتها، أو تقدم بطرق أخرى مختلفة، أو أن المؤسسة أي الشبكة لم يعد بوسعها الحصول على المعلومة والمصادر من منطقة ما لسبب ما، وبالتالي صعوبة تقديم مادة متكاملة لجمهورها.
□ يعني السياسة التحريرية للجزيرة لم تتغير؟
طبعاً، نؤكد هنا أن السياسة التحريرية للجزيرة لم تتغير، وعملها يظل مستمراً كما هو، لكن قد يلاحظ البعض تراجعاً في بعض التغطيات فيما يتعلق ببلد ما، أو قضية ما، نظراً لظروف معينة، وهو أمر مؤقت، والمؤسسة هنا تنتظر فترة ريثما يتم تجاوز تلك الظروف، أو تمر الفترة، من أجل تقديم خدمتها في ظروف أحسن. لكن نشدد أن «الجزيرة» ومعاييرها التحريرية وسياساتها لا تتغير.

الجزيرة كانت وما تزال جريئة، في طرح القضايا والأسئلة القوية والمباشرة، وفي التحقيقات، ولها الشجاعة عند المواقف والقضايا العادلة، خصوصاً أمام تلك الحكومات الطاغية الجبارة التي تقمع وتسجن وتقتل وتهدد

□ هل فعلاً أن «الجزيرة» وقوتها وحضورها الطاغي يسببان صداعاً للقيادة القطرية؟
■ هذه قضية معروفة، ولا أتحدث عن أمر جديد، ومثلما نعلم أن الكثير من الدول سحبت سفراءها من قطر بسبب «الجزيرة» والكثير منها طلبت سحب السفير القطري بسبب «الجزيرة» أيضاً، وأيام الحصار كان إغلاق الشبكة أحد المطالب، وهو الرقم 13، بعض المصادر أكدت أنه أحد المطالب الرئيسية. لكن «الجزيرة» لم تغلق ولا هم يحزنون. لأن الدولة القطرية تعرف مصالحها، والمسؤولون في قطر يؤمنون بحق الجماهير والناس حيثما كانوا خصوصاً في عالمنا العربي، بحقهم في المعرفة ووجود منبر إعلامي مهني، فدعموا المؤسسة حتماً، وأمنوا لها المقر في العاصمة الدوحة، لتستمر، وهي تعمل وتزداد اتساعاً، وتزداد كُبراً.
□ يعني الشرط 13 اختفى من القاموس (الشروط التي قدمتها دول الحصار منتصف 2017 وتضمن بند إغلاق «الجزيرة»)؟
■ (يبتسم) أولاً، أنا لا أعرف ما الذي يفكرون فيه، أو يخططون له، أنا لا أطرح هذه القضايا، هم من طرحها، وأتمنى أن لا يتم طرح مثل هذه الأمور مستقبلاً، بالعكس أتمنى أن يفتحوا المجال أمام الإعلام الحر في بلدانهم. وأن يتخلصوا من عقدة القمع الإعلامي. البعض يعتقد أن الإعلام الحر سيكون ضدهم، والعكس تماماً، فالإعلام الحر يخدم البلد، فلا توجد تنمية حقيقية من دون إعلام حر. والدول التي تعتقد أنها تحقق تنمية من دون فتح المجال أمام هذه السلطة (الإعلام) وتمكينها، ستظل ناقصة، خصوصاً إن كانوا السكان مقموعين وخائفين.
□ هل هناك دول محددة تقصدها؟
■ أنا لا أريد أن أذكر تلك البلدان بالإسم لأنه لدي العديد من الدول ونعرفها جيداً، وقد زرت بعضها، وقابلت فئات مختلفة من سكانها، ويؤكدون أنه لديهم تنمية رائعة، لكنهم بالمقابل مقموعين، وحرياتهم مصادرة.
«الجزيرة» تؤكد في العديد من المناسبات، أنها في ريادة الإعلام العربي، وفي منافسة مع كبريات القنوات العالمية، هل يشكل الأمر ثقلاً على الشبكة، لتحافظ على الريادة؟
أولاً «الجزيرة» ليست في منافسة مع أي قناة عربية، وأنا شخصياً لا أعرف قناة عربية تنافسنا، وهذا أمر لا نقوله غروراً، بل نؤكده من واقع الأرقام التي نعرفها.
هناك جزئية لا بد من توضيحها، نحن لا نقارن أنفسنا مع القنوات الترفيهية، ولا هي تقارن نفسها بنا، لكن نتحدث هنا عن القنوات الإخبارية. «الجزيرة» جمهورها يتجاور جمهور القنوات الأخرى مجتمعة، فما بالكم بالقناة الواحدة. كما أنه لا توجد قناة في العالم العربي تتحدث عن سمعة عالمية، مثلما هي «الجزيرة». وحينما ننتقل من العالم العربي، إلى الغرب على سبيل المثال، نعلم جميعاً أن «الجزيرة» ليست مجرد قناة تتنافس مع البعض، بل إنها تتنافس مع أكبر القنوات الإعلامية العريقة. ونستطيع القول أن «الجزيرة» ربما تجاوزت الكثير من المؤسسات الإعلامية الكبرى، وليس أقل من ذلك أن «الجزيرة» أخذت لقب مؤسسة العام للسنة الخامسة على التوالي. وأين حصلت على ذلك؟ في نيويورك، في أهم مهرجان عالمي، شاركت فيه مؤسسات لها ثقلها. وهذا لكونها حصدت أكبر عدد من الميداليات الذهبية في مختلف فئات الجوائز.
فإذا تجاوزنا في نيويورك «السي أن أن» و»البي بي سي» و«السي بي سي» وغيرها، وهو يدل على أن «الجزيرة» رائدة، وليست مجرد مواكبة للقنوات الأخرى.

تجربة الجزيرة الأهم في حياتي حتماً، وكانت وما تزال أغنى وأثرى تجربة، وتعلمت منها الكثير، وأنا ممتن لمن منحني هذه الفرصة، والعمل في الجزيرة ابتداء من الإنتاج، حتى إدارة الشبكة. وكلها أمور أعتز بها كثيراً

□ ما خطتكم للبقاء في المقدمة للأعوام المقبلة؟
■ نحن نرجو في «الجزيرة» أن نرى قناة منافسة بشكل حقيقي، لأن المنافسة مهمة لمزيد من التطور والابتكار، ونحن أصلاً نقوم بذلك. في السنوات الأخيرة شهدت شبكة «الجزيرة» حملات «تفنيش» واسعة، وتقليص أعداد الموظفين، وهو ما خلق نوع من البلبلة عن مستقبل العاملين، هل تجاوزتم الأمر، ويمكن تطمين العاملين بسيادة الاستقرار مستقبلاً؟ أعتقد ما حدث في ما يتعلق بتسريح بعض الموظفين في مرحلة ما، «الجزيرة» قامت بما تفعله معظم المؤسسات الكبرى في فترات، ألا وهو أن المؤسسة تجد نفسها بعد فترة بلغت حد ما يعرف بالترهل الوظيفي، وأن يكثر عدد الموظفين الذين لا يقدمون إضافة في عملهم، أو أنهم تجاوزوا مرحلة العطاء لكبرهم في السن، بعد سنوات طويلة من العمل. وهناك في بعض المواقع الوظيفية، زيادة في عدد العاملين، فاضطررنا لتقليص الفائض، والهدف في في نهاية المطاف هو تحقيق فعالية أكبر في المؤسسة. لأن العدد الكبير لا يمنح النجاعة المطلوبة دوماً، وكذلك المساهمة في تقليص بسيط للنفقات. والمؤسسات الكبرى كلها تريد أن تتجدد، وبالمناسبة معدل الاستبدال المعتمد دولياً لدى الشركات الكبرى هو حوالي 10 في المئة سنوياً.
□ سؤال أخير، بصفتك مدير عام شبكة «الجزيرة» بالوكالة، كيف ترى السنوات التي أمضيتها في هذه المؤسسة في مناصب ومواقع مختلفة؟
■ بالنسبة لي شخصياً، رغم أنني قادم من مجال أكاديمي، حيث كنت أستاذاً في الجامعة وهي وظيفة نبيلة، وما زلت إلى اليوم أعتقد أن عمل التدريس يعتبر من بين أهم الوظائف التي قمت بها في مساري المهني، إلا أن تجربة «الجزيرة» أعتبرها الأهم في حياتي حتماً من دون تردد. كانت وما تزال أغنى وأثرى تجربة، وتعلمت منها الكثير، وأنا ممتن بطبيعة الحال لمن منحني هذه الفرصة، والعمل في «الجزيرة» ابتداء من الإنتاج، حتى إدارة الشبكة. وكلها أمور أعتز بها كثيراً.
المهم أن هذه التجربة الشخصية، وتجربة الزملاء الغنية والثرية، أنها تسهم في مسيرة استمرار «الجزيرة»، على هذا المستوى العالي، وأن تبقى في القمة. وأن نرتقي إلى قمم أخرى وأن لا نتراجع عن الريادة. وهذا الذي نراه حالياً، في النجاح الكبير الذي تحققه «الجزيرة»، ليس فقط عبر القنوات التلفزيونية، التي تتجدد باستمرار، وتصبح أكثر شباب من بداياتها، لكن ما نراه الآن من نجاح في القطاع الرقمي، الذي يقدم حالياً عشرات المحتويات، والمنتجات الهامة جداً، للأجيال الجديدة التي تتعامل مع الأجهزة الذكية. ونحن نقدم لهذه الفئات محتوى مناسب لها، سواء بالفيديو أو الصورة، أو النص، أو المادة المسموعة من خلال «البودكاست».
وأعتقد أن هذا النجاح المنقطع النظير، يدل على أن تجربتنا في هذه المؤسسة أنا وكل زملائي، تصب في هذا التيار الكبير، الذي يوفر مسارات الاستمرار والتفوق للجزيرة حتى تبقى في إشعاعها وتألقها.

الزميل سليمان حاج إبراهيم يجري الحوار مع د مصطفى سواق مدير عام شبكة الجزيرة بالوكالة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية