الشيخ الفلسطيني أبو فرج من دير حنا.. فلاح في النهار وعازف يرغول في الليل- (صور وفيديوهات)

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”:

كانت وما زالت الدبكة الشعبية على أنواعها إحدى أبرز مكونات التراث الفني الثقافي في فلسطين وبلاد الشام بشكل عام وعمادها الأساس اليرغول أو “المجوز” المصنوع من القصب وهي أداة عزف تنتج بصناعة يدوية غير معقدة وتدغدغ وجدان الكثيرين ممن يسمعون ألحانها الحاملة لصوت الطبيعة.

غير أن هذا الطراز التراثي الأصيل المساهم في حفظ الهوية الوطنية الأصلانية مهدد بخطر الانقراض بسبب الحداثة أو بتغيير روحه الطبيعية والصافية جراء دخول المؤثرات الصوتية الإلكترونية. ويبدو الشيخ الفلسطيني راجح مريسات (أبو فرج) صوتا في البرية من هذه الناحية وواحدا من الطيور التراثية النادرة في مشهد الفولكلور الغنائي الشعبي.

أبو فرج وهو يشارف على الثمانين من عمره ما زال متمسكا بالعزف على اليرغول والمجوز والشبابة دون الاستعانة بأي نوع من المؤثرات الاصطناعية. داخل بيته في بلدة دير حنا في الجليل استقبلنا أبو فرج بفنجان القهوة العربية (السادة) قدمها طازجة كما تقتضي العادات بعدما أعدها وطحنها في “المهباج” المصنوع من خشب شجر الجوز. وضمن الاستقبال الدافئ عزف أبو فرج للتو أعزوفة أهلا وسهلا بيرغوله ففاض لحنا فلسطينيا تراثيا عاطفيا بطعم القهوة العربية مع مذاق الهيل وهو عزف بالنفخ طافح بالحنين لأيام الفرح والهادئة في الأرياف الفلسطينية قبل النكبة.

أيام الطفولة

وعن البدايات قبل 60 عاما قال أبو فرج إن شغفه بالعزف باليرغول ولد خلال مشاركته مع أطفال من بلدته وادي سلامة في قرية دير حنا المجاورة في خمسينيات القرن الماضي. “كنت في مطلع الخمسينيات أسمع عازف اليرغول حسن السبع دراوشة (أبو شحادة) من بلدة عرابة البطوف المجاورة. في ذاك العرس شاهدت وسمعت للمرة الأولى عازف اليرغول أبو شحادة فحلقنا حوله، مجموعة أطفال، فأدهشني عزفه وقلت في سري أريد أن أكون مثله وفي اليوم التالي اقتنى والدي “شبابة” كي أتمرن عليها خلال رعايتي الأغنام في منطقة قريتنا وادي سلامة قبل الانتقال في سبعينات القرن الماضي لوادي سلامة”.

ويوضح أبو فرج الذي حرم من استكمال دراسته أنه خلال عزفه على الناي (الشبابة) وهو يرعى الأغنام في الطبيعة سمعه شيخ من قرية المغار يدعى مهند أبو داهش من المغار فنصحه بأن ينتقل للعزف على اليرغول وهذا ما حصل وعن ذلك أضاف “عدت للبيت فقامت والدتي غزالة محمود فهيد ولبت طلبي رغم ضيق الحال واقتنت لي يرغولا بخمس ليرات وبدأت أتدرب على النفخ به وأنا في الطبيعة خلال الرعاية في الخلاء”.

وردا على سؤال يقول “كانت البداية صعبة لأن النفخ يحتاج لنفس طويل ولرئتين كبيرتين قويتين وصرت أعزف لفترات تطول مع الوقت ورويدا رويدا صرت أعزف وأجرؤ على المشاركة في عزف اليرغول في الأعراس ومجانا وأنا دون السابعة عشرة”، موضحا أن تدربه قد استغرق نحو ثماني سنوات حتى صار يعزف في الأعراس كعازف يرغول يتقن العزف وتلقى دعوة رسمية لإحياء حفل زفاف للمرة الأولى عام 1964 وكانت أول دعوة تلقاها من شخص يدعى قاسم الكوكو من عرابة البطوف ووقتها قال الناس إن العازف الكبير أبو شحادة من عرابة علم الشاب راجح وسرعان ما بات ينافسه في العزف.

يستذكر أبو فرج تلك الليلة ويقول “وقتها سعد المشاركون في السهرة وقد رافقتهم في الدبكة الفلسطينية على أنواعها”. وردا على سؤال آخر يقول أبو فرج دون تردد إن أكثر القرى الفلسطينية في الجليل إتقانا للدبكات الشعبية هي “كفركنا، عرابة البطوف وسخنين. كنت أرافق الشاعرين الشعبيين من قرية دير الأسد أبو غازي وأبو سعود في الأفراح ولاحقا صرت أحيي السهرات لوحدي”.

فلاح في النهار عازف في الليل

 وطيلة عقود عمل أبو فرج مزارعا فلاحا في النهار وعازفا في الليل لكنه لم يتمكن من التفرغ للأعراس فطيلة العقود الماضية كان تعدادها قليلا ولا تكفي كي يتفرغ لإحياء سهرات الدبكة الشعبية. وعلى خلفية ذلك وفي مرحلة معينة عمل سائق تاكسي وصار زملاؤه السائقون يطلبون منه في المحطة ألا يعمل ويبقى يعزف في اليرغول داخل محطة المراكب كي يستمتع السائقون فيها بمعزوفاته التراثية ريثما يأتي نداء للخروج في سفرة جديدة.

وعن احتمالات نجاة هذا الرافد التراثي الشعبي يقول أبو فرج قلقا “للأسف لم يتعلم أحد من الأبناء والأحفاد وللأسف المجتمع كله قد تغير وباتت هذه المهنة يتهددها الانقراض كمهن تراثية أخرى. لا توجد فرصة لتعليم العزف على اليرغول دون أن تكون صاحب شغف وهذا يحتاج لوقت وصبر ونفس طويل. كثيرون من العازفين تركوا العزف لأسباب مختلفة لكنني ما زلت أسيرا لليرغول حتى اليوم وكلما أشارك في عرس أبادر لتقديم وصلة قصيرة على الأقل نزولا عند رغبة المحتفلين”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية