أنسال الخلافة المنتظرون في جزيرة خيوس

حجم الخط
0

مركز التوقيف في جزيرة خيوس اليونانية أوسع من سجن وأكثر راحة. المحتجزون فيه موعودون بالأمل إذ كانت السلطات تفرج عن أشخاص منهم كلما انقضت أيام متيحة لهم التوجّه نحو البلدان التي سيحتجزون فيها، مرة أخرى، قبل أن تُسوّى أوضاعهم. لكن دوام الحال من المحال كما في الرواية، فقد توقّفت عمليات الإفراج واشتدّ الحرّ وعمّ اليأس. وزاد في ذلك ما حدث لعبد الوكيل الأفغاني، المكنّى بالأستاذ بالنظر إلى حكمته ورجاحة عقله. اختفى من بين الموقوفين ليعثر عليه بعد ذلك مقتولا، بعد تقييده وكمّ فمه معلّقا على شجرة، وهنا بدأ في المركز التحقيقُ مع الموقوفين القادمين، أو الهاربين، من بلدان جنوب آسيا وأفغانستان والشرق الأوسط وجنوب افريقيا ووسطها وشمالها.
صلة ما يجمع بين مركز التوقيف هذا وسجن غوانتانامو، يجعل متتبع ما يجري في المركز، قبيل الجريمة وبعدها، شبيها بذلك الخليط المتجمع في غوانتانامو، من بلدان يبدو عددها متجاوزا عدد القادمين منها. كان على المحققين في الجريمة أن يضمّوا إليهم مترجمين بالنظر إلى كثرة اللغات، ولنضف إلى ذلك أن من جرى استجوابهم، واحدا بعد واحد، كانوا قد أعلنوا للسلطات اليونانية، أنهم من بلاد أخرى، فالسوداني ادعى أنه سوري، والعراقي قال إنه أفغاني… وهكذا مما يزيد من تخالط البلدان والأشخاص.
غوانتانامو الماثل في الذاكرة تستدعيه قراءة ما يجري في مركز التوقيف اليوناني. هنا وهناك يقرّب النزلاءُ بين تلك البلدان، فلا تعود متباعدة في مساحات نائية عن بعضها بعضا. شبه وحدة جغرافية متمثلة بسجن أو بمركز توقيف. كما أن المكانين، حسب ما شاءت الرواية ربما، مركز لوحدة تاريخية ترجع إلى مئات كثيرة من الأعوام. هكذا، في منتصف الرواية، ينقلنا كاتبها هوشنك أوسي إلى التاريخ، بعد أن كنا في تلك الرقعة الضامة لجغرافيا تلك المنطقة الشاسعة من العالم. فجأة نَحلّ، أو يُحلّ بنا، في أيام الخلفاء الراشدين، وتأزم الأقوام في زمنهم، وصولا إلى حرب النهروان بين الإمام علي بن أبي طالب والمنشقّين عن شيعته.

أحسب أن التساؤل الذي لا يتوقف قارئ الرواية عن ترداده، وهو المتعلّق بكفاية المسوّغ للانتقال بين ذينك الزمنين المتباعدين، يكاد يُنسي روافد متعارضة أخرى. ليس المصير الوجودي للراوي المعمر، إلا أحد تلك الروافد.

يستطيع الراوي عبد الوكيل سبحاني، وهو أحد نزلاء مركز خيوس، أن يروي بالتفصيل ما جرى في الزمنين. فهو كان هناك، حاضرا حيّا في الزمنين، وكذلك في الأزمنة التي بينهما. يقول في تقديمه لنفسه هذه المرة وليس للمحقّق اليوناني، أنه يعيش منذ 1365 سنة، بما يجعله سلفَ المقيمين جميعهم في ذاك المركز، كما سلفا للآخرين، جميع الآخرين، خارجه. وهو، إلى ذلك، مترفّع عن النزاعات التي قامت بينهم على مدار تلك الأزمنة المترامية. فهو الذي أُعطي طول العمر، حُرم مما يبهج في الحياة: «لا حبيبة ولا زوجة ولا أولاد. لا قناعات أو عقائد. لا مُلك، لا وطن أو هوية أو انتماء إلى عائلة أو قبيلة أو شعب».
كان حاضرا، هناك في أيام الخلفاء الأول، حضورَه في الزمن الأخير هذا. وفي ذلك اللقاء الذي جرى بين عبدالله بن عباس وأهل النهروان كان جالسا في مكان ما من تلك الخيمة، حيث رأى كيف التقى المتفاوضون: «بعد الترحيب والتأهيل والتسهيل جلس ابن عباس وصاحبه إلى الجانب الأيمن من الخيمة، وإلى الجانب الأيسر جلس عبدالله بن وهب، وعلى يمينه حرقوص بن زهير السعدي وعلى يساره أبي، أبو زهيد، عبد الملك بن ليث التيمي القرشي».
هذا الجالس الأخير، والد الراوي، كان من المؤيدين لعليّ وهو، في قتاله ضدّه، قُتـل هو وزوجه وأولاده الآخرون في المعركة. في الرواية اتخذت مأساة العائلة حيّزا في العالم المتشابك الذي بناه الكاتب الذي، أيضا، حرص على أن يكتب بالتفصيل وقائع السجال المنطقي والفقهي بين ابن عباس، والراسبي الحامل موقف أهل النهروان من التحكيم، الذي وافق فيه عليّ على تحكيم الرجال في حكم من أحكام الله، في ما تقول الآية «إنْ الحكمُ إلا لله». ذلك النقاش يمتدّ عدد صفحاته حتى ليكاد يبلغ ما استغرقه وصف مركز التوقيف ذاك وما تخلّله من استجوابات تعلّقت بالأفغاني الأستاذ المقتول، وقد كتب ذاك السجال بلغة وافقت زمنه، ما دلّ على تمكن هوشنك أوسي من أخذ العربية وتنقيلها بين الأزمنة المتباعدة، فدونا، ونحن بعد في مركز التوقيف، كأننا نقرأ لغة صحافة راهنة الحضور.
أحسب أن التساؤل الذي لا يتوقف قارئ الرواية عن ترداده، وهو المتعلّق بكفاية المسوّغ للانتقال بين ذينك الزمنين المتباعدين، يكاد يُنسي روافد متعارضة أخرى. ليس المصير الوجودي للراوي المعمر، إلا أحد تلك الروافد. ذاك أنه، هو عبد الوكيل نوربخت سبحاني، موغل في مساءلة نفسه عن معنى وجوده، وعن العبث الملازم لكل شيء في الحياة، كما عن تضعضع إيمانه وعدم قدرته على تمثّل الكمال الذي حجبه الله عن خلائقه.
رواية هوشنك أوسي «الأفغاني… سنوات قلقة» صدرت عن دار «خطوط وألوان» في الأردن بـ200 صفحة، تاريخ النشر 2021.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية