حادثة القتل التي نفذتها القاعدة ضد صحافيي «جريدة شارلي إيبدو»، أتت حسب ادعاء التنظيم «الجهادي» كرد على رسوم الكاريكاتير الساخرة التي رسمتها منذ اكثر من 8 سنوات، ضد الرسول الكريم، بعض التساؤلات تطرح نفسها لمحاولة فهم منطق و فكر تبرير القتل، هل من أساس شرعي مفهوم أعطى قتلة القاعدة الحق في قتل الصحافيين كما عشرات الآلاف من البشر(مسلمين بغالبيتهم)، قد تأتي الإجابة من مكان ما، تقول بأن ممارسة السخرية ضد الإسلام و نبيه الكريم، تعتبر جريمة إساءة تستحق عقوبة الموت لمن يقترفها، لأنه احتقر مقدسات و ثقافة ملايين البشر، على أساس أن الغرب نفسه يعاقب من يشكك في محرقة اليهود، كما أنه أيضا أي المجتمع الغربي، يمارس الازدواجية و النفاق و الكيل بمكيالين ضد جرائم « إرهاب الدولة» الأمريكية و الإسرائيلية في العراق و فلسطين، فكل هجمات القتل ضد الغرب تأتي في سياق طبيعي و ردة فعل ضد ممارسات الاستعمار و القتل و نهب الثروات التي مارسها و يمارسها الغرب على شعوبنا، إضافة لسلسلة الإساءات المتواصلة ضد الإسلام و المسلمين التي تصدر من قوى اليمين العنصري، و مؤسسات الإعلام.
رغم منطقية بعض الأمور في هذا التبرير من حيث وضوح ازدواجية الغرب في ممارسته عقوبات «معاداة السامية» (و التي لا تصل لحدود القتل طبعا)، مقابل استهتاره بالإساءات ضد الإسلام و إدراجها تحت قائمة الحريات، و التغاضي عن إرهاب الدول الذي تمارسه اسرائيل، لا بل مارسه و يمارسه الغرب نفسه، و رغم عدم الشك في مدى الخراب الذي أحدثه للمنطقة العربية و باقي دول المنطقة فكان سببا في تخلفها السياسي و الاقتصادي، و مهيئاً لسيطرة قوى الفساد و الدكتاتوريات على أنظمتها السلطوية، إلا أن كل ذلك لا يعطي حق في القتل ، و الإنزلاق نحو إزهاق أرواح بشر مدنيين، حتى لو أقدموا على ارتكاب عمل مسيء للإسلام و نبيه الكريم، فلم يثبت عن رسول الله أنه قتل أو حتى آذى أناسا أساؤوا له أو شتموه، فتثبت مثلا حادثة الحبر اليهودي «زيد بن سعنه» الذي جاءه مقرعا و شاتما يطالبه سداد دينه، كذلك قصة الرجل الذي اتهمه بعدم العدل في توزيع الغنائم، إضافة لجاره اليهودي الذي تعمد إيذاؤه برمي القاذورات أمام منزله، ففي كل تلك الحوادث أظهر الرسول عليه السلام تسامحاً و تجاوزاً ملفتان.
من جهة أخرى يغيب عن ذهن العديد في مجتمعات الإسلام، العامل السلبي و المدمر الذي تنفذه القاعدة، تحت ذريعة الدفاع عن الإسلام و المسلمين، و مواجهة الصراع مع الغرب و الصهيونية، فحجم الجرائم التي ارتكبها التنظيم و ما فرز عنه لاحقا من تنظيمات أخرى مثل داعش، ضد المدنيين المسلمين أنفسهم إضافة للأقليات المتعايشة في أرضهم كبير و متعاظم، بحيث لم يسلم بلد عربي-مسلم ابتلي بتجربة التطرف من هجوم انتحاري، أو عبوه مفخخة انفجرت في فندق أو مسجد أو كنيسة أو مقهى، كما يمتلئ أرشيف تصوير التنظيم بمئات الفيديوهات المقترنة بقطع الرؤوس، و الإعدامات رميا بالرصاص ضد أناس أبرياء ينتمون في غالبهم لدين الإسلام، فشكل بذلك آلة قتل متنقلة من أفغانستان إلى باكستان و مرورا بالعراق و الأردن و سوريا، والسعودية و اليمن و مصر و المغرب العربي، ليحصد أرواحا خرجت عن حدود الإحصاء، و لم يمض بعد إلا عدة أيام على آخر جريمة نفذت ضد أطفال مدرسة بيشاور في باكستان تبناها تنظيم طالبان صاحب نفس الفكر الدموي الذي تنتهجه القاعدة، و التي راح ضحيتها أكثر من مئة من التلاميذ لاحقتهم رصاصات الموت في أماكن اختبائهم لتفجر رؤوسهم و تمزق أجسادهم الغضه، دون أن تفهم أرواحهم بأي ذنب قتلت، و دونما أن يبكيهم أحد، على عكس ضحايا الصحيفة الساخرة.
في المقابل و رغم ثمن الدماء الباهظ المدفوع من المسلمين نتيجة الإرهاب، يظل الغرب مصراً على تحميلهم وزر عمل بربري يرتكبه تنظيم متطرف، و تظل الأقلية المسلمة في الغرب خاضعة لمقصلة الاتهام، و سياسة شيطنة دينها و الهجوم الشرس على أفكارها و معتقداتها من قبل اليمين الأوروبي و أجهزة إعلامه، في مسعى واضح لإظهار الإسلام كبعبع و عدو متربص ينشر الموت في كل مكان و زمان، و للأسف الشديد لن تكون جريمة باريس الأخيرة إلا سبباً مضافاً يزيد من سياسة التضييق و الاضطهاد و الملاحقة على أبناء الجالية المسلمة في أوروبا، و لن تترك قوى اليمين العنصري في الغرب مثل تلك الحادثة لتمر دون أن تستغلها، في تأجيج مشاعر الكراهية و الإسلاموفوبيا ضد المسلمين، ولتعزز مكانتها السياسية من خلال زيادة تأثيرها على الرأي العام الأوروبي الذي بات مسكوناً بهاجس الخوف من عمليات الإرهاب المتواصلة في مدنه، و ليزداد المشهد عبثية و سخريه يدخل عليه أكبر شخصية إرهابية قاتلة ممثلة بـ «نتنياهو» زعيم أكبر دولة مارقة في التاريخ، تمارس الإرهاب بكل طقوسه، ليظهر مشاعر إنسانية مزيفة على ضحايا الهجمات، و يدعي بوقاحة أن ما تواجهه دولته العنصرية من «إرهاب إسلامي» تواجهه أوروبا بالتوازي بالشكل و الوتيره نفسيهما.
رغم الاقتناع و اليقين العميق بكون الغرب يتحمل جزءا كبيرا من مشكلاتنا وحروبنا، و تورطه السابق و الحالي في تأزيم منطقتنا،
إلا أننا نحتاج أيضا أن نمتلك شجاعة الاعتراف بكون أزمات منطقتنا ناتجة في الأساس عن صراعات داخلية طائفية، و ثقافة كراهية و تسلط و فكر تطرف و عملية إقصاء و تهميش تمارسه كيانات وطنية و مذهبية لبعضها البعض، فإذا ما خرجنا من عقلية الشماعات التي احترفنا في تعليق أخطائنا و كوارثنا عليها، و مارسنا عملية نقد ذاتي عميق لمنهج تفكيرنا، يعري التطرف بكل ألوانه المذهبية ، و يقوض أركانه الفكرية و العسكرية، كما يتخلص من أنظمة الاستبداد الدكتاتورية، و يؤدي لبناء أوطان ديمقراطية -توافقية – جامعه لأطيافها، تنحو للبناء بدل التدمير و الصراع، و إذا ما صححنا فكرة الاتصال و التعامل مع الغرب لتبني على أساس الندية و تبادل المصالح المقترنة مع الحوار المنبثق عن النظرية القرآنية في «الكلمة السواء»، بدلا من السلوكيات الإنفعالية الناتجة عن ردات الفعل الغاضبة تجاه الإهانة والإساءة، لربما نكون بذلك قد خطونا خطوة أولى نحو الاستقرار والتصالح مع النفس، بدلا من البقاء في دوامة الفوضى و التطرف و تحميل مسؤوليات فشلنا و انحدارنا لكل طرف في العالم إلا أنفسنا.
سامر ياسر