ليس جديدا في المشهد العراقي وعموم المشاهد الأخرى في الساحة العربية ظهور المنتفعين والوصوليين والباحثين عن فرص الاستثمار، بالاستخدام المذل لمن يحركهم ولو على حساب أهلهم ووطنهم، فصفحات التاريخ ملأى سودتها أخبار من يشبهون مناشدي الميليشيات اليوم لخلاصهم وتحريرهم في مشهد احتفالي مستل من نصف مشهد حكمة المتنبي «الخصم والحكم».
ولا ينقص التاريخ قصصا تشبه الساعين إلى أمريكا لتسليحهم واعتمادهم نماذج بديلة عن ممثلين فشلوا في إقناع معتمديهم أنهم أهل للبقاء في المشهد التمثيلي.
وفد الأنبار إلى أمريكا ومناشدة آخرين للميليشيات بنصرتهم، أوراق مقامرة في اللعبة السياسية في العراق بأيدي اللاعبين (أمريكا وإيران) ليس لهم سوى تنفيذ المطلوب منهم وتشكيل إطار ديكوري خادع لهذه العملية.
حركة هذه الأوراق وتداولاتها بين أيدي اللاعبين يجري تضخيمها لإظهارانتمائهم أولا وتبيان قوة الركن الذي يسعون له لتأمين بقائهم في أتون عملية سياسية بمحاصصة طائفية، أو للاستثمار المرحلي أو حتى التجاري، فما بين امريكا وإيران تنتقل هذه الأوراق كلعبة مقامرة اتفق عليها الطرفان، لكنها لا تخلو من مزاحمة ومدافعة واستحواذ على هذا الطرف من الخيط، أو التحكم في ذاك، لتبقى مشاركة المكون المستهدف أسيرة حصة الـ19٪ ويبقى المسيطرون على مفاصلها يسرحون بالمساحة الكبرى. تجري الآن خطوات متسارعة في رمي الأوراق على منصة المشهد العراقي، ومن يتتبع أسلوب الطرح وطريقة اللعب تتكشف له الدوافع والغايات، فالتشكيلة الحكومية في الأنبار منقسمة على نفسها تبعا للاعتماد الحكومي لها، فمن يرى نفسه مستهدفا من قبل حكومة العبادي وليس له مجال للبحث عن اعتماد ايراني يسارع في خطب ود أمريكا، طارحا ما يمثل هدفا لأمريكا يمكن استثماره أو المشاغلة به، وهذا ما حدث من انقسام التشكيلة الحكومية بنسختها الأنبارية، فالوفد الذي يمم صوب أمريكا لا يحمل من المشاريع الجديدة او المقومات المؤهلة للعب الدور على الأرض، لكن أمريكا استجابت له من باب ضرب المصالح الإيرانية بتجاهلهم وانتقاصا من سيادة الحكومة العراقية المدعاة على كامل مفاصل العملية السياسية الجارية فيه، فالامر لا يعدو سوى لعب الكبار بأوراقهم لا غير، ولن يكون أي حل مرتقبا بعد هذه الزيارة، لاسيما إذا قرأنا توقيت الضربة الايرانية بإبراز ورقتها المناوئة لورقة أمريكا، بذهاب فريق طلب التسليح والاعتماد فكانت ورقة إيران تتمثل بانتداب شخصيات هزيلة غير معروفة، ألبستهم زي الأنبار ليقفوا وسط جمع ميليشياوي ليطالبوه بإنقاذهم وإنقاذ العراق؛ بتحليل مطلب الورقتين نجد ان كليهما يضربان العملية السياسية التي صنعتها أمريكا على عينها وجعلتها خطا أحمر لا ينبغي المساس به، فورقة أمريكا التجأت اليها من دون إعلام أو تنسيق مع ما تسمى حكومة المركز، وذهبت تطالب بالتسليح والدعم، وكأن لا وزارة دفاع موجودة وهي بالفعل مفقودة، فالقول والفعل الآن للميليشيات وانتهت أكذوبة دولة القانون، بدليل أن ورقة إيران حين وقفت بمهرجان كاذب في بيت في إحدى الضواحي تطالب بفزعة الميليشيات ونصرتها لهم، بل وتحرير مناطقهم وإسكانهم فيها، ومن يسمع هذا الكلام وهو غير عارف بمجرياته ولا ببواعثه يظن ان أهل السنة مدللون ومرفهون فهم لا يستطيعون تحرير مناطقهم فيلجأون إلى ميليشيات لنصرتهم، وكأن عامًا من الاعتصامات لم يكن بسبب سطوة الميليشيات وتغولها يوم كانت ترتدي زي الجيش الحكومي وتنفذ جرائمها فكيف بها اليوم وقد تصدرت الموقف فما عاد يُذكر الجيش إلا لماما، تلك المناشدة بالرؤية الإيرانية بتضخيم دور الميليشيات تشبه تماما ذهاب وفد الأنبار الى أمريكا للتسليح، فكلاهما يضرب العملية السياسية الخط الأحمر الأمريكي تحت الحماية الإيرانية، لكن لكل ضربة منهما زاوية تستهدف الأوراق لا الطرف الراعي لها.
وفد أمريكا كالشيوخ المنتدبين لتلميع ميليشيات إيران كلاهما يصنع الخداع بطريقة مختلفة، ولكن المشهد لايزال حافلا بأوراق صفراء أخرى تسعى للاستثمار وسط الركام لا تهمها الأرواح ولا الدماء ولا اقتطاع الأرض، أو حتى استيطانها، وهي أوراق تتخفى وراء واجهات بعضها حزبية وأخرى اجتماعية وثالثة استثمارية لكنها معروفة مشخصة. أمريكا امتلكت زمام الاختيار لشخصيات اختارتها لأسباب تدرك جيدا انها تزيد من شرذمة وتشظي هذا المكون، فقُدمت لها الاسماء واختارت فريق واشنطن وتركت الباقين ليمارسوا دور التنافس في خدمتها، أو حتى تركهم ينحازون جهلا الى إيران، ظنا منهم أنها ستنصفهم، وفي الحالتين هم الخاسرون، لكن خسارتهم ستعود بالويلات تاريخيا على أهلهم، فجريرتهم ليست مقصورة على أنفسهم، بل سيستثمر الموئلان (أمريكا وإيران) هذا السقوط في تزوير التاريخ على أن المكون نفسه من قام بهذه الفعلة.
لعل في تنقلات هذه الأوراق بين أيدي اللاعبين ما يغنينا عن الخوض في سيرتهم وحراكهم وتوجهاتهم، لكن ثمة أسئلة إن بقي في وجوههم مزعة لحم، أو بقية من ماء الحياء، كيف لهم تبرير ركوبهم موجة الاعتصامات وتسميتهم للجيش بجيش الميليشيات، ثم هم اليوم أول الداعين للاستعانة بالميليشيات بتشكيلاتها الصريحة؟ ويوم أن تاجروا بمطالب المكون الذي ينتمون اليه وحصروها بأربعة عشر مطلبا كيف تبخرت الآن؟ مع أنهم كانوا ينادون بأعلى أصواتهم استدرارا لعطف أمريكا، فلم تلق لهم بالا وأهملتهم، فبأي وجه سيواجهون أمريكا بعد أن أسلمت العراق لقمة سائغة الى إيران، بحمايتها للعملية السياسية، وهي تعلم علم اليقين أن الفاعل على الأرض هو الميليشيات التابعة لإيران، بل أن أمريكا رضيت أن تكون غطاء جويا لهذه الميليشيات تساندها بالمعلومات وتفتح لها مغاليق الطرق وبإسناد لا يخفى بالتسليح وفض المحتدم من الاشتباكات، هل كانت مناشداتهم وسعيهم لكل من ميليشيات إيران وأمريكا ترمي لإحقاق حقوق من قتلوا في الفلوجة من محافظة الأنبار، والحويجة من محافظة التأميم، وجامع سارية في محافظة ديالى وغيرها؟
لا أظن أن هذا ما يشغل ذهن الذاهبين لأمريكا ولا حتى المناشدين للميليشيات بخلاصهم، بل ولا حتى المنتظرين لانجلاء الموقف لاتخاذ ما يلزم تبعا لمقتضيات الاستثمار، فجل ما يسيطر على اهتماماتهم الاعتماد الرسمي من أمريكا وإيران للبقاء على قيد الاستعمال، وربما يكون هذا تفسيرا منطقيا لظهور سليم الجبوري رئيس مجلس النواب – وهو الذي صعد الى المجلس بعنوان ديالى هويتنا – محتفلا بصورة تجمعه مع وزير الداخلية محمد سالم الغبان وأبو مهدي المهندس رئيس ما يسمى الحشد الشعبي البديل القوي لمؤسسة الجيش التي بات لا يختلف اثنان على انتهائها.
خلاصة القول في أوراق اللعبة السياسية في العراق، انهم بلا وزن وليس لهم دور سوى أنهم أوراق لعبة بين طرفين يسعيان فقط للتدافع والتزاحم في خضم مشهد مزدحم بالمصالح على الأرض العراقية، بل يتعداه إلى مصالح خارجية في سوريا ولبنان واليمن والخليج العربي ليس أدناها ملف إيران النووي.
٭ كاتب عراقي
حارث الأزدي