هجمات باريس من منظور السلفية الجهادية: الخروج على قواعد اللعبة

حجم الخط
2

إذا نظرنا إلى حدث «شارلي إيبدو» من منظور أوسع، سيمكننا تجاوز ذلك النقاش العقيم حول حرية التعبير وحدوده، وحول مشروعية الاستهزاء بقيم الجماعات الدينية أو العرقية من عدمها. ذلك أن منظمة القاعدة (التي تبنى فرعها اليمني الهجوم رسمياً) لم تكن بحاجة إلى «استفزاز» المجلة الباريسية الساخرة لـ»مشاعر المسلمين» (قبل سنوات!) لتنفذ هجماتها ضد «بلاد الكفار» وفقاً لمفاهيم أدبيات الجهادية العالمية. ولو لم تكن هناك ذريعة مماثلة لاستهدفت خلايا القاعدة النائمة أهدافاً أخرى ضد «العدو الصليبي». كان الهجوم المتزامن على متجر يهودي في باريس تطبيقاً حرفياً لأحد المبادئ الحربية للجهادية العالمية في إطار عمليات «النكاية والإنهاك» كما يسميها مؤلف «إدارة التوحش»، بهدف «تشتيت جهود العدو» من جهة، وخلق أكبر ضجة إعلامية لمصلحة الدعاوة الجهادية، من جهة ثانية.
لسنا، إذن، أمام عملية إرهابية معزولة ومحدودة بإطار ردة فعل متشنجة دافعها «حرص» مزعوم على قيم الدين الإسلامي. بل إنها تندرج في إطار الحرب الجهادية العالمية ضد مراكز «الاستكبار العالمي» وفقاً لمصطلح الجهادية الشيعية الإيرانية، أو «بلاد الكفر» وفقاً للجهادية السنية، أو «الامبريالية العالمية» بلغة اليسار العالمي البائد الذي تتحدر من أحد فروعه – للمفارقة – مجلة شارلي إيبدو ضحية عملية 7 كانون الثاني/يناير في باريس.. أو، أخيراً، في إطار الحرب المضادة «على الإرهاب» الإسلامي التي سبق وأطلقها المحافظون الجدد في ظل إدارة جورج دبليو بوش في العام 2001.
إنه «صدام الحضارات» كما أراد له عتاة اليمين الغربي المجاهد من جهة، ومرضى البارانويا الحضارية التاريخية في المجتمعات الإسلامية من جهة ثانية. لنتوقف عند هؤلاء الأخيرين (تيار الجهادية العالمية) ونحاول فهم العقلانية الخاصة بهم التي يفكرون ويتحركون على ضوئها.
قلما تهتم أدبيات هذا التيار بهموم ماضوية، كما توحي صفة الأصولية الملتصقة بهم، إلا كمرجعية عريضة لهموم اليوم ومشكلاته. وتتشارك الجهادية العالمية مع التيار اليساري البائد في رؤيتهما المتطابقة إلى النظام الدولي القائم على سيطرة «المركز على الأطراف» (سمير أمين) أو «الدول الإمبريالية» على «الدول النامية» (الشيوعية السوفييتية) أو «الدول الصليبية الكافرة» ضد «بلاد المسلمين». وتتشارك، من جهة أخرى، مع تيار المحافظين الجدد في تقسيم العالم إلى محوري «الخير والشر» بصورة متقابلة. فكل يعتبر نفسه في محور الخير، وخصمه في محور الشر.
والحال أن هذين التطابق والطباق في المفاهيم ليس عبثاً، بل هو الانعكاس الفكري للنظام شديد التفاوت في أسباب القوة المسمى في آخر مراحله بـ»العولمة». وإذا كان اليسار العالمي قد وجد ضالته، بعد انهيار دولته المتحققة في الامبراطورية السوفييتية قبل عقدين ونصف العقد، في تيار «مناهضة العولمة»، فقد وجد التيار الإسلامي ضالته في منظمة القاعدة وفروعها وتنويعاتها من المنظمات الجهادية الناشطة على كامل مساحة الكرة الأرضية، من خلال شبكة الانترنت والتقنيات المرتبطة بها.
تقوم فلسفة الجهاديين على قلب قواعد اللعبة التي وضعها الأقوياء ليلتزم بها الضعفاء. الليبرالية الجديدة «المتوحشة» كما يطلق عليها خصومها، حددت أصول اللعبة في السياسة الدولية لتلزم بها الدول والمجتمعات الضعيفة، ولتخرقها بنفسها كلما اقتضت الحاجة، فهي وحدها المسموح لها بهذا الخرق سواء في بلدانها (في الغرب) أو في البلدان الضعيفة بصورة خاصة.
تصلح المشكلة الفلسطينية معياراً نموذجياً لهذا الوضع غير العادل، وهي أحد أهم روائز مقاومته في الوقت نفسه. فقد مضى اليوم نحو عقدين من السنين على اتفاقيات أوسلو المجحفة أصلاً، وما زال عالم الأقوياء يطلب من الضحية تقديم الضمانات للجلاد الإسرائيلي ليس لكي يحصل الفلسطينيون على دولتهم المستقلة على جزء من أرضهم، بل لفتح معبر هنا أو إطلاق سراح أسرى فلسطينيين هناك، مع وعود غامضة بشأن مستقبلهم السياسي. وكلما جرح جندي إسرائيلي دقت طبول الحرب على كامل الشعب الفلسطيني الموصوف بأنه إرهابي.
لا تملك الدول والمجتمعات الضعيفة القوة العسكرية الكافية لمقارعة القوة الجبارة التي تملكها الدول المسيطرة على العالم. هنا يأتي الجهاديون ليقلبوا الطاولة ويلعبوا مع عدوهم وفقاً لقواعد تلائم القوة التي بحوزتهم. هذا منطقي وعقلاني من منظور أصحابه، فضلاً عن أنه يجد تبريراته الإيديولوجية في الموروث الثقافي المعادة قراءته وفقاً للحاجات الراهنة. وقد تمكنوا، بواسطة سلسلة من العمليات الإرهابية توجوها بالهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في 2001، من جر عدوهم إلى حرب وضعوا قواعدها بأنفسهم وحددوا مصيرها الفاشل سلفاً. حرب استنزاف طويلة الأمد لا يمكن أن ينتصر فيها «العدو الصليبي». أما أن تلك الحرب أدت إلى تدمير دول كأفغانستان والعراق، واليوم ليبيا واليمن وسوريا وغيرها، وأعادتها إلى أطوار بدائية، فهذا لا يعني الجهاديين في شيء، بل العكس: هذا وضع نموذجي لانتشار دعوتهم ولإيجاد أرض لدولتهم الإسلامية المفترضة انطلاقاً من «إدارة التوحش». ذلك أن فلسفة الجهاديين تتصف بنزعة نخبوية مخيفة: هناك أشخاص «اختارهم الله» ليحددوا الصح من الخطأ، وأين تكمن مصالح «الأمة الإسلامية» وأي حروب عليها أن تخوض. وعلى «العامة» أن يتبعوا هذه القيادة المختارة بلا سؤال. ولا يعترف الجهاديون بحدود الدول ولا بسيادة الشعب كمرجعية للحكم ويحاربون الديمقراطية بوصفها كفراً، وكذا مفهوم الوطن.
هنا يأتي مناخ ثورات الربيع العربي كشرط جديد لانطلاقة جديدة ونوعية في تاريخ الحركة الجهادية العالمية. وقدم نظام الأسد الكيماوي، بطريقة مواجهته الوحشية لثورة الحرية والكرامة، كل المقدمات الضرورية لإنعاش تلك الحركة بعدما تلقت ضربات موجعة في العقد التالي على هجمات 11 أيلول/سبتمبر. أما المناطق التي حررها الجيش السوري الحر من سيطرة النظام الكيماوي (نحو 70% من الأراضي السورية) فقد أصبحت، بسبب سياسات «المجتمع الدولي»، لقمة سائغة للجهاديين الذين حصلوا على جغرافية ملائمة لإدارة التوحش تحت قصف براميل الأسد وصواريخه، وصولاً إلى إقامة دولتهم على مساحات واسعة من العراق وسوريا.
هناك اليوم انشقاق عميق في الحركة الجهادية العالمية بين منظمة القاعدة الأم وأحد فروعها المسمى «داعش». الموجة الجديدة من الحرب التي انطلقت من باريس، مطلع الشهر الجاري، جاءت بحافز التنافس بين الجناحين بعدما أقامت داعش دولتها وحققت نجاحات كبيرة في استقطاب أفواج جديدة من الجهاديين، كما في استدراج عدوها إلى حرب جديدة فاشلة لم يكن يريدها.

٭ كاتب سوري

بكر صدقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية