هل نجحت نجومية جوني ديب في إنقاذ الفيلم من الفشل؟ «تفوق» للأمريكي والي فيستر: خطر الذكاء الاصطناعي على البشرية

منذ سنوات لم تعد السينما تلتفت كثيرا إلى مواضيع من قبيل الذكاء الاصطناعي، وانتاج أفلام غامضة ومتشعبة المعاني، لأن صناعتها اليوم تنحو إلى القصص سهلة الفهم، تجنبا لكساد في شبابيك التذاكر، لكن المخرج والي فيست سيغرم بقصة من هذا النوع، ويصر على اخراجها، وسيستشير لهذا الغرض فريقا من المختصين من جامعة كاليفورنيا، لدراسة نص الفيلم ومناقشة العديد من القضايا التي تتعلق بالوعي وكثافة الدماغ وأدائه، ثم انتقل بعد ذلك إلى موقع التصوير لتطبيق رؤيته.
القصة التي يقترحها علينا المخرج تبدأ عندما يتعرض ويل كاستر (جوني ديب) لاطلاق نار بعد انتهائه من إلقاء محاضرة حول مساره ونظرياته في البحث العلمي، وسيعجل هذا الحادث بوفاته، الشيء الذي يجعل زوجته افلين (ربيكا هال) التي تشاركه همومه العلمية  أن تحّمل وعيه، وتوصله بالأجهزة كي تحتفظ بنسخة رقمية عن زوجها، وأثناء التواصل بينهما ستقنعها النسخة الإلكترونية من زوجها بالقدرة على التحكم بالعالم، لأن ويل كان يؤمن بأن التكنولوجيا تعادل امتلاك القوة، وسيبني مشروعه العلمي حول هذه الفكرة، فيصنع بمساعدة زوجته مختبرا يطبق فيه تجاربه حول الجمع بين الذكاء الاصطناعي وقدرات الإنسان، بهدف تغيير طريقة سير العالم وتبديل سننه، كالتحكم في الموت والمرض، والموارد الطبيعية وغيرها، لكن هذا الواقع الجديد خلق جبهة مضادة تجمع السلطة الحكومية التي رفضت وجود قوة تخرج عن سيطرتها، واصدقاء ويل القدامى ماكس واتر (بول بيتاني) وجوزيف تاجر (مورغان فريمان) وزوجته افلين، وستكون هناك مواجهات بين الجيش الذي أعده ويل وبين معارضيه، ولولا اقناع افلين لويل بالتوقف لغير كل شيء في العالم.
لاشك أن هذه القصة تمتلك ما يلزمها لتصبح فيلما جيدا، خصوصا إذا استحضرنا هنا الابتعاد عن المواجهة الكلاسيكية بين البشر والآلة، وهي الفكرة التي حامت حولها أفلام عديدة عن قصص الذكاء الصناعي، واستبدالها بمواجهة بين البشر/البشر، كما يظهر الجانب العلمي بشكل مغاير تماما لما نعرفه، فوالي فيستر وكاتب السيناريو جاك باغلن قدما عملا خياليا لا يبتعد عن نطاق الإنسان، بخلق جو من الألفة بين الحياة الواقعية وتلك الدائرة على الشاشة، وهذا الامر نال إعجاب بطلة الفيلم (ربيكا هال) نفسها عندما قالت: «الفيلم يدور عن عالم أعرفه لا نرى فيه خوذات من ورق الألمنيوم وسفنا فضائية».
ويبقى أهم عنصر في هذه القصة هو معالجتها لمسألة جوهرية تتعلق بتحكم التكنولوجيا في حياة البشر، وعدم قدرتهم على رد سيطرتها التي تزداد كل يوم، خصوصا تكنولوجيا التواصل التي تستعبد البشر، وهذه الفكرة تجد امتدادا عميقا في الواقع الذي بدأ البشر يفقدون فيه التحكم في حياتهم بفعل التطور التكنولوجي الهائل، وهي فكرة ظهرت أيضا في فيلم هي/ Her لسبايك جونز، ما يعني ان السينما تستشعر الخطر الذي أصبحت تشكله التكنولوجيا على حياة الإنسان. ومخاطر التكنولوجيا هنا تنسحب على كل استخدام لها يشكل خطرا على حياة الأفراد. والفيلم نجح كثيرا في تقديم أسئلته ولفت الانتباه إليها والانتقال بها من الافتراض الذي يلفّ القصة إلى الواقع الذي يهم الجمهور، من دون أن يدير الظهر إلى جانب الترفيه والتشويق، وهو مزيج محكم ينم عن عمق التصور الذي يحرك مخيلة المخرج وطاقمه، ورهانا منه على ارتفاع نسق الأداء، فقد ضم فيستر إلى طاقمه أسماء لامعة، كجوني ديب الذي يعرف بتماهيه مع الأدوار الغريبة، فكان مطالبا هنا أن يساير غرابة القصة وموضوعها، وقد قدم أداء يليق باسمه، ثم  ربيكا هال التي يمكننا اعتبارها البطلة الرئيسية في الفيلم، فقد تفاعلت مع دورها بقدرات لافتة، خصوصا في جزء كبير من الفيلم حيث كانت تبادل مشاعرها مع أجهزة إلكترونية، إضافة إلى ذلك فقد ضم الطاقم الرائع موغان فريمان المتعود على سينما الخيال العلمي والمحب لها أيضا، بالإضافة إلى سليان مورفي الذي قدم دور العميل بوشنان، والقاسم المشترك بين هذا الطاقم هو المعرفة العميقة بسينما الخيال، حيث سبق لأغلب هؤلاء النجوم لعب أدوار قريبة مما طلبه المخرج، الذي زاد من بروزها بطرقه الجميلة في الالتقاطات والإحاطة الشاملة للمكان والشخصية وفقا لمتطلبات التصاعد الدرامي.
ورغم هذه الجوانب الحسنة ففيلم «تفوق» لا يحتفظ بالميزات السابقة نفسها، خصوصا في جانبه الفني والتقني، أضف إلى ذلك أن جل الأعمال التي قد تشبهه هي متفوقة عليه كثيرا، رغم استفادته من التقدم التكنولوجي الكبير يمكننا أن نعود في هذا الصدد، إلى سلسلة أفلام ماتريكس وسلسلة أفلام ترميناتور، وكلها أفلام أبرزت بطرق مثيرة ومشوقة مخاطر الذكاء الصناعي، وقدرته على تدمير العالم، كما أن أحداثها ترابطت بمنطقية كبيرة، رغم إيغالها في عمق الخيال. فمن جهة يبدو أن المخرج لم يكن مستعدا بعد لاقتحام عالم الإخراج من هذا الباب تحديدا، بعد أن أبدع فيها كمصور رائع رفقة المخرج كريستوفر نولان، بل فاز بالأوسكار كذلك، ومن جهة أخرى فحماس المخرج للقصة وجودتها بشكل مبالغ فيه، منعاه من الالتفات لمجموعة من الجوانب الفنية.
ولم يظهر أي اجتهاد في ابتكار وتهيئة أماكن التصوير ولا العمل على تنويعها، بشكل يغني المكان ككون فاعل في القصة، بل اقتصر العمل على بضعة أماكن مكررة، الشيء الذي اعطى الانطباع بفقر فني لم يشاكل  التشعبات التي فرضتها القصة. وهذا إن كان من سقطات السيناريو فالمخرج هو المسؤول الأول عنه، لأنه تحمس للنص كثيرا.
وعلى العموم فالتميز في هذا العمل ليس فنيا، لكنه في المضمون، من حيث تحريك القصة لمعان راكدة وأخرى مستحدثة، فالتكنولوجيا اليوم خطر يهدد حياة الناس من كل الجوانب، وعدم استعمالها بطرق مغايرة لما نشهده اليوم سيؤدي حتما إلى نهاية مأساوية لحياة البشر على هذا الكوكب، هذه المعاني كافية لكي يكون الفيلم على قدر معقول من الجودة كان بإمكانه تجاوزها بالعمل على بعض الجوانب الفنية الأخرى.

 ناقد سينمائي من المغرب

سليمان الحقيوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية