لست أنا، هي أسئلة الشعر أيضاً وهل تنبأ محمود درويش حين قال:
أَما أَنا – وقد امتلأتُ بكُلِّ أَسباب الرحيل – فلستُ لي. أَنا لَستُ لي أَنا لَستُ لي …
فهل فعلاً أنا لست لي وعلى الذات الخضوع؟
ليست الذات من تعمل، في المجتمع، معلم، محام، قصاب، عامل، فلاح، رجل دين، طبيب، إلخ، هؤلاء غالباً يتأطرون في منظومات مجتمعية ومؤسسات حكومية وغيرها، ويغلب عليهم طابع الوظيفة والشغل، وكسب القوت والخدمات والمعاملات.
ليست الذات ثراء ممتلكات وفيرة وخزائن ثمينة، أو فقرا وحاجة وعوزا، وليست فتى أو فتاة، وزيرا، عامل تنظيفات، وعضوا في البرلمان، أو.. الذات لا تنتمي لنسب أو عرق أو حدود أو مناصب أو مكاسب أو طبقات أو فئويات أو…
ليست الذات من يراها الآخرون بملابس مرفهة وإطلالات منمقة، ومع كل حفل وحضور وظهور، تتقنع بأقنعة وتتماهى وفق الطلب، ليست الأنا من تخضع لرغبات الآخرين فتتجمل لأجلهم وتعزف على هواهم، وتختار ما يختارونه لها، وحتى حق الاختيار ليس من حقها، إنها أيضا هنا ليست الذات هي الذات.
ليست الذات مطلقة وتخضع للتضحية والفداءات المتعددة، ليست كلباً على بوابة، وليست خادمة وعبدة، ليست أيضاً من تفعل الأشياء خوفاً أو شغفاً لجذب الآخرين ورضاهم، ليست ذليلة، لا تتسول الكرامة، ومهما أخطأت تتصالح مع أخطائها، وتعيد ترتيب أفكارها وتقيم سلوكها، ولا تستصغر حتى اللاشيئيات في متاهات أغوارها، وتجاعيد أيامها، ولا توصم ولا تنمط ولا تقمع بذورها مهما كانت عقيمة عن الحياة، فإن من يمنح الحياة الحياة هي الذات.
إنها الذات التي ترى نفسها كما هي شفيفة، جميلة، محبوبة، لطيفة، مخلصة، كريمة، حرة، ومستقلة. المرتاحة والهادئة الصاخبة والثائرة، المتمردة، غير متعصبة وغير عدوانية، تمنح الإنسان جوهره وروحه في الحب والحرية والمسؤولية، وتمقت الحقد والعنصرية والكراهية. هذه الذات التي تحب ذاتها، وتستأنس بها وتضحك معها من أعماقها، تتصارع في خلجاتها، تتجلى بوضوح دون قلق وريبة، مهما تعرضت للوم والإهانة والنعت بالجنون وغيره، تظل هي الوجود والحياة كما تريد، ولا تنتظر من الآخرين أن يهبوها هذا الوجود، إنها الذات حتى لو ظلت وحيدة معزولة لا ترضخ رغم عزلتها فهي الحرية.
هذه اللوحة الذاتية متوفرة ألوانها فينا جميعاً في عمق وجودك وامتداد روحك، وسماء فطرتك، التي تصر على إخفائها أو سجنها بشكل أو بآخر، وحتى طمسها بألوان القيود والخوف والعبودية، التي لم تكن خيار ذاتك مرة، لكنك تصر على اعتناق هذه الخيارات المؤلمة، لتعيش الحياة كما يشاء قتلة الحياة، وليس كما تشاء ذاتك الحياة.
كاتب سوري