لندن ـ «القدس العربي»: استقبل عشاق توتنهام خبر إقالة البرتغالي نونو اسبيريتو سانتو وتعيين الإيطالي أنطونيو كونتي، بسعادة غامرة مع القليل من التفاؤل المحفوف بالمخاطر، لتخلص النادي من كابوس مدرب ولفرهامبتون السابق، الذي أعاد السبيرز سنوات إلى الوراء، برؤيته وأفكاره البعيدة تماما عن سياسة ونهج الديوك، والتي ترتكز على الجمع بين الانتصارات واللعب بالأسلوب الأنيق المعروف عن أصحاب القميص الأبيض اللندني، لينتهي به المطاف، بإعفائه من منصبه، بعد كارثة عطلة نهاية الأسبوع الماضي، بالسقوط أمام مانشستر يونايتد بثلاثية نظيفة في قلب ملعب «توتنهام هوتسبر».
تفاؤل محفوف بالحذر
بصرف النظر عن قناعات كونتي وفلسفته في التدريب، والاختلاف حول تصنيفه كواحد من أفضل مدربي العالم من عدمه، فهذا لا يمنع حقيقة، أنه يعد واحدا من أنجح المدربين في العشرية الأخيرة، ولعل أرقامه وبطولاته في تجاربه السابقة مع يوفنتوس وتشلسي والإنتر، تتحدث عنه، لكن أكثر ما يُثير قلق مشجعي «الليلي وايتس»، تاريخ النادي المعقد مع بقايا العدو الغربي تشلسي، وبالأخص في السنوات الأخيرة، على غرار ما حدث في صيف العام 2012، بإعادة البرتغالي فيلاش بواش إلى البريميرليغ، بعد تجربته غير الناجحة مع البلوز العاصمي في حملة 2011-2012، وآنذاك أقيل بواش بعد 18 شهرا من تعيينه مدربا لتوتنهام، وتحديدا بعد 24 ساعة من الهزيمة الخادشة للحياء أمام ليفربول، والتي وصل قوامها لخماسية نظيفة في ديسمبر / كانون الأول 2013، وبعد ست سنوات، كرر دانيال ليفي نفس الرهان على البرتغالي الآخر جوزيه مورينيو، وأيضا بعد طرده من تشلسي وابتعاده عن التدريب قرابة العام بسبب تجربته القاسية مع مانشستر يونايتد، وكما كان متوقعا، لم تكلل مهمة «سبيشال وان» بالنجاح، لكثرة صداماته مع اللاعبين في غرفة خلع الملابس، إلى جانب صداع تذبذب النتائج والأداء من مباراة لأخرى، ليدفع كلا الطرفين، المدرب والنادي، فاتورة باهظة الثمن، بعد صدور قرار إقالته قبيل أيام من نهائي كأس الرابطة، الذي خسره الفريق أمام مانشستر سيتي بهدف إيميريك لابورت الوحيد، فهل يا ترى سيسير كونتي على خطى من سبقوه من «ستامفورد بريدج» إلى «توتنهام هوتسبر»؟ أم سيكسر هذا القاعدة؟
الإجابة على التساؤل
الأمر المؤكد، أن أوضاع توتنهام تحت قيادة كونتي لن تكون أسوأ مما كانت في حقبة سانتو الكارثية، على الأقل لن يخرج من قمة من دون أن يهدد مرمى المنافس، كما حدث أمام الشياطين الحمر، لكن هل سيُحمل على الأعناق في النصف الثاني من الموسم؟ ويحصل على لقب «الرجل المخلص»، الذي استطاع إنهاء سنوات السبيرز العجاف، المستمرة منذ آخر تتويج بكأس الرابطة على حساب تشلسي في العام 2008؟ في الحقيقة، كل الحقائق والمؤشرات لا تقول إلا ذلك، كيف لا والحديث عن الرجل الذي يعرف أقصر طريق للألقاب، ولنا في بداياته الحقيقية خير مثل ودليل، بوضع حجر أساس مشروع يوفنتوس، الذي سيطر على جنة كرة القدم بالطول والعرض طيلة العقد الماضي، وذلك بعد سنوات من المعاناة والتأثر من توابع فضيحة «الكالتشيو بولي»، وفعلها بقيادة اليوفي لاحتكار الكالتشيو 3 مرات على التوالي، تاركا لميستر ماكس أليغري التوليفة السحرية، التي مكنته من إبقاء اللقب في الخزينة 5 سنوات تواليا، كما أن عشاق البريميرليغ، ما زالوا يتذكرون صولاته وجولاته مع أسود العاصمة، حين قادهم لمعانقة لقب البريميرليغ في موسمه الأول، بعد معركة حامية الوطيس مع فريقه الحالي في أوج سنوات عراب المشروع ماوريسو بوتشيتينو، حتى موسمه الثاني المترنح، ختمه بالفوز بكأس الاتحاد الإنكليزي بالفوز على مانشستر يونايتد في وجود صائد الألقاب جوزيه مورينيو، فيما كانت مباراته الأخيرة في القيادة الفنية للفريق اللندني الأزرق، حتى أصحاب ذاكرة السمك، لم ينسوا بعد ما فعله مع الإنتر، بنجاحه في ما عجز عنه كل من تعاقب على تدريب النيراتزوري منذ رحيل مورينيو عام 2010، وذلك بتحقيق لقب السيريا آه، واضعا حدا لمسلسل هيمنة اليوفي على اللقب، مثلما كان المسؤول عن سيطرة فريقه السابق على اللقب طيلة السنوات الماضية.
نسخة كونتي
قبل أن يستهل مشواره بالفوز على فيتيسه آرنهيم بنتيجة 3-2 في بطولة المؤتمر الأوروبي، كان الجميع على دراية، أن نسخة توتنهام مع كونتي، ستكون مختلفة عن كل التجارب السابقة، أولا شكل الفريق وأسلوبه سيكون مغايرا للصورة النمطية المعروفة عن توتنهام اللطيف، ستكون الفكرة الرئيسية، هي التعامل مع المباريات على أنها معارك حياة أو موت، ويكفي ما قيل في الإعلام المدريدي قبل عامين، أن نجوم ريال مدريد الكبار، اعترضوا على فكرة تولي كونتي قيادة الفريق، لصعوبة التعامل مع عقليته الحادة جدا، وهذا أمر معروف عنه وموثق أمام الشاشات ووسائل الإعلام، كما يبدو في انفعالاته مع الأهداف وعدم تقبله الهزيمة بصدر رحب أو روح رياضية، لأنه لا يعرف في قاموسه سوى الانتصارات والتضحية بكل قطرة عرق داخل المستطيل الأخضر، وإلا يتحول إلى ذاك الشرير الوسيم، الذي لا يتحكم بتصرفاته وردود أفعاله وتصريحاته أمام الكاميرات. كل ما سبق، يعني أن لاعبي توتنهام سيكونوا على أطراف أصابعهم في الفترة المقبلة، أما إستراتيجية اللعب، فلن تخرج عن 3-4-3 أو 3-5-2 بكافة مشتقاتها، وذلك استنادا إلى كل تجاربه التدريبية السابقة، بما في ذلك فترته مع منتخب بلاده الإيطالي.
براءة الاختراع الجديدة
ربما لا يملك كونتي مدافعين من نوعية محاربي يوفنتوس جورجي كيليني وبونوتشي، ولا نوعية الجوكر المخضرم مثل سيزار أزبيليكويتا الذي كان معه في «ستامفورد بريدج»، لكن القوام الحالي، فيه من الأسماء والمواهب ما يكفي لمساعدة كونتي على تطبيق أفكاره المقدسة، وبالتبعية يجعل الدفاع أكثر ثباتا وصلابة. ومن ضمن الأسماء المرشحة بقوة للانفجار في وجود المدرب الجديد، كريستيان روميرو، الذي لعب أكثر من مرة كمدافع ثالث مع أتالانتا قبل ضمه بـ42 مليون يورو، ولأنه لا يؤمن إلا باللعب بثلاثة مدافعين في الخلف، سيكون لُجل المدافعين فرصة عظيمة للحصول على دقائق لعب أكثر، والحديث عن قائمة مكونة من أسماء بحجم ونوعية إيريك داير ودافينسون سانشيز وجافيت تانغانغا، وكما أعاد اكتشاف ماركوس ألونسو في مركز الظهير الأيسر المهاجم مع تشلسي، وفي الرواق الأيمن فيكتور موزيس، وفجر طاقة أشرف حكيمي في الجهة اليمنى للإنتر، سيكون هدفه المقبل، اكتشاف سلاحه الطائر الجديد على الأطراف في «توتنهام هوتسبر»، وأكثر المرشحين للتوافق مع أفكاره، هو المدريدي سيرجيو ريغيليون، الذي سيقوم بتعديل مركزه، من ظهير بمهام 4-4-2، إلى مفتاح لعب في الجهة اليسرى، من دون أن ينسى واجباته الدفاعية الأساسية، ومثله إيميرسون، الذي ظهرت لمحاته الفنية مع ريال بيتيس، قبل أن ينتدبه توتنهام من برشلونة الصيف الماضي، أما في الجهة اليمنى، فلا يمكن استبعاد سيناريو تعديل مركز لوكاس مورا إلى ظهير أيمن جناح، أو ينجح في إخراج أفضل ما لدى مات دوهيرتي في الأدوار الهجومية.
باقي الملامح
من يعرف كونتي منذ سنوات ويفهم أسلوبه في إدارة معركة الوسط، على دراية بأهمية لاعب الوسط صاحب اللمسة المميزة في منظومة أنطونيو، مثل أندريا بيرلو في تجربته مع يوفنتوس، وسيسك فابريغاس مع تشلسي ومؤخرا مارسيلو بروزوفيتش في الإنتر، فيما يكون توظيفه في الملعب كلاعب وسط ثالث أقرب لصانع الألعاب، لضمان دقة التمريرة في الهجمات المرتدة، وفي توتنهام، يبدو الاسكندينافي بيير إيميل هويبييرغ، هو الأقرب لتحمل هذه المسؤولية، بعد نجاحه في نفس الدور مع منتخب بلاده الدنماركي في يورو 2020. أما لاعب الوسط المهاجم، ستكون المفاضلة بين جوفاني لو سيلسو وتانغي ندومبيلي وديلي آلي، لما يعرف عن كونتي حبه لهذا النوع من اللاعبين الذين يجيدون عملية المساهمة في تسجيل الأهداف، ويمكن القول، أنه يتشابه كثيرا مع مؤسس المشروع بوتشيتينو في هذه الجزئية، بتألق أصحاب هذا المركز معه، وفي مقدمتهم آلي، الذي قد يولد من جديد مع كونتي. أما في الهجوم، فلا خلاف أبدا على قدرة ودهاء كونتي في صناعة «ثنائيات هجومية مرعبة»، كما استفاد من قبل بثنائية إيدين هازارد ودييغو كوستا في تشلسي، والموسم الماضي روميلو لوكاكو ولاوتارو مارتينيز، فما بالك عندما يكون لديه ثنائي مثل هاري كاين وهيونغ مين سون، حتما سيصنع بهما ثنائية، ربما أكثر شراسة من وقتهما مع البوش ومورينيو المميز، فهل ستسير الأمور كما يخطط لها أنطونيو كونتي ويواصل نجاحاته وصيده للألقاب في تجربته الرابعة على التوالي على صعيد الأندية؟ أم ستتمنع عليه الألقاب ككل من تعاقب على تدريب الفريق بعد خوان دي راموس صاحب التتويج الأخير بلقب كأس الرابطة؟ هذا ما سيُجيب عليه صاحب الشأن ورجاله الجدد.