ثورة مصر لم تكن ثورة شعب يفحسب ولكنها كانت قبل ذلك
، سبَّب أسبابها الله عز وجل بأن طمس على قلب وعقل مبارك ورجاله وجعلهم يظنون أنهم ملكوا مصر بما عليها، وإعتقدوا أن الشعب صدَّق ما يبيعونه من وهم ومن بضاعة فاسدة، لقد كان غباؤهم السياسي سبباً في سقوطهم المدوي، فماذا لو تراجع مبارك ورجاله عما توافقوا عليه ومضمونة ‘المحروسة مصر للواد جمال’، هذا الكابوس الذي عشناه مع مسلسل التوريث كان في الحقيقة نعمة على مصر ولم يكن نقمة، لقد كان المُقدّر للشعب المصري أن يعيش في جلباب مبارك لعقود أخرى فوق الثلاثة السابقات، سواء بأن يمنحها مبارك كهبة أو كعطية لجمال أثناء حياته أو يورثها لأحد أصدقائه، إنها حقاً مأساة، ولأن الثورة المصرية ثورة ربانية فكان فضله عز وجل على الشعب عظيم، لأن من قام بها هم بقايا الطبقة الوسطى ـ التي دمرها نظام مبارك ـ بخلاف ما كان يتوقعه الجميع من قيام ثورة جياع، وأنقذها الله من المؤامرات ـ حتى الآن ـ التي دُبرت لإجهاضها والإلتفاف عليها، وجعل كل طلقة يتم إطلاقها ضدها تقويها وتؤججها بعكس ما كان يقصده مناهضوها، وكان فضله عز وجل أن جعل هذا الشعب الطيب والعظيم لا يستمع ولا يرضى أو يُصدِّق بتنازلات مبارك المتتالية، ورفض تعيين عمر سليمان نائباً مع أن الجميع ـ وأنا منهم ـ كان يتمنى ذلك قبلها بأسبوع، ورفض الشعب شفيق رئيساً للوزراء فتم إشعال النار فى مباني أمن الدولة وفرم وثائقها فإكتشفنا أننا أفلتنا من مُستنقع يُحاك لنا، وكانت الثورة ربانية بأن إشتعلت أولاً في العاصمة قاهرة المعز مع بعض عواصم المحافظات مما عجل بتحقيق مطالبها وخلع مبارك، بخلاف ما حدث فى كل من تونس وليبيا والتي بدأت ثوراتها فى مناطق نائية عن العاصمة وإستغرقت وقتاً حتى تصل للعاصمة، لذلك نتوقع أن يستمر الوضع فى سورية بعض الوقت إلى أن تتحرك العاصمة دمشق وعندها سيكون النظام السوري في مهب الريح لنرى الشكل الجديد للنهاية الخامسة في المنطقة، وكان من فضل الله أيضاً أن قابل الشعب الثائر جيشه الوطني بالأعناق والهتاف مما كان لِزاماً ألا يتم إطلاق رصاصة واحدة في صدر مصري، ومن فضل الله أن كان رئيس أركان حرب الجيش وقت نزوله للشارع قادماً من العاصمة الأمريكية واشنطن فأعطى ذلك فرصة للتفكير والتدبر، ومن فضل الله أن القائد الأعلى للمجلس العسكرى عمره يقارب الثمانين عاماً لذلك لن يطمع فى الحكم، حتى الأخطاء ـ المقصودة وغير المقصودة ـ التي وقع فيها المجلس العسكرى كانت في صالح الثورة.
هشام رفعت صالح الشرقاوي – مصر