غيوم بغداد الانتخابية تمطر حيرة وقلقا في أربيل

براء صبري
حجم الخط
0

لا تمر الأحداث التي أعقبت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في بغداد بيسر وسلامة كما يتمناه من رسموا خريطة العملية الانتخابية في العراق بعد ما يقارب العقدين من إسقاط نظام صدام حسين المديد، والمتخم بلحن الحزب الواحد والقائد الواحد. الأوضاع الخطيرة التي تظهر بين الفينة والثانية، في البلاد التي يتقاطعها الاستقطاب السياسي والعسكري والمذهبي، وحتى الحزبي التقليدي، لا تُبشر بالخير في منظور التحليل لدى الكثيرين من المتابعين للشأن العراقي الصاخب. هذا الاستقطاب الذي لم يمر بمراحل التنافس السياسي الطبيعي، ووصل إلى مرحلة الحراك العسكري غير الرسمي التي سببت مخاوف واسعة من ولادة كيانات تجد في المؤسسات العسكرية الرسمية عبارة عن هياكل مرتبطة لجهات دولية غير وطنية. بسياق أكثر وضوحا يعتقد الكثيرون أن من أكثر علامات الخطر على الخريطة السياسية العراقية هو أن يتم النظر إلى المؤسسات الرسمية التي تدير البلاد على أنها عميلة لجهة دولية. قبل العام 2003 كان الأكثرية من الشيعة والكُرد ينظرون إلى المؤسسات العراقية الرسمية على أنها كيانات تعمل لقمعهم وإنهاء تطلعاتهم، وعلى كونها مؤسسات سنية الهوية، بالأخص، الجيش والأمن. بعد العام 2003 ظل الكثير من السنة ينظرون إلى المؤسسات العراقية، وخاصة الأمنية والعسكرية، على أنها ولدت لتحاربهم. بعدها، ومنذ ما قبل حرب «داعش» بفترة قصيرة، فقد الأكراد الكثير من الثقة بالمؤسسات العراقية الأمنية والاقتصادية، واعتبروها وسائل لتمرير سياسات إقليمية تُعاديهم. هذه الأيام تولّد الشرخ ذاته بين شيعة العراق أنفسهم. فئة تنظر إلى المؤسسات العراقية على أنها أدوات غربية خليجية ضدهم وفئة تنظر إلى تلك المؤسسات على كونها تعمل ضد إرادة العراق وتخدم طهران فقط. هذا الاستقطاب عندما يتجذر بهذا الشكل لن ينفعه وضع رئيس وزراء وسطي يحاول التهرب من مواجهة المشاكل من خلال استخدام بضعة تصريحات وطنية عامة، أو يدير قمما إقليمية هنا وهناك، ويقوم بزيارات ترقيعية للمراجع السياسية والدينية للفئات المختلفة، ويبدع بخطابات تحشيدية قديمة الطراز. هذا الواقع بدأت جذوره تتعمق في العراق الذي يبحث عن حلول آنية ولا يعرف كيف يشق طريقه للوصول إلى حلول ذات ديمومة ومستدامة فيما يبدو. هذا الشعور الجديد في الوسط والجنوب العراقي يسبب زعزعة في طبيعة العلاقة بين بغداد مع الخصوم والمتنافسين القديمين في المحفل السياسي العراقي التقليدي. أي بين الجماعات السنية والمركز من جهة والإقليم وبغداد من جانب. وهذا النوع من الاغتراب في فهم العلاقات سبب بتلبد في الرؤية لدى القادة المحليين في إقليم كردستان الذين ينتظرون ما يحدث في بغداد من خطوات لكي يشقوا طريقهم للوصول إلى المراكز التي يجدونها تقارن قوتهم البرلمانية التي تولدت مع زيادة في عدد المقاعد في بغداد لصالحم.

حياد أربيل

يزداد مع الوقت ارتفاع وتيرة الخلافات في العراق. صراعات السلطة التي أعقبت الانتخابات تبدو أخطر بكثير من الحالة التي سبقت الانتخابات نفسها. كان الجميع يعتقد أن التظاهرات السابقة للانتخابات والخسائر فيها هي أكثر ما يمكن توقعه من توتر في المحفل السياسي المحلي، بالتحديد في المناطق ذات الكثافة الشيعية. لكن، مع بروز النتائج تحول الفريق المُتهم بسرقة السلطة ومُحاربة التظاهرات إلى من يعتبر نفسه ضمن خانة الضحايا ومهدوري الحق. الهدر الذي جاء بعد النزيف الناجم لخسارة بعض الكتل الشيعية المحسوبة على إيران لمقاعدها، وخاصة تحالف الفتح الذي كان الوصيف في الانتخابات السابقة. هذا التحول ولّد شيئا من احتمالية انفجار الوضع أمنياً. وهذا ما لا يرغب به حتى كبير الفريق الفائز أي السيد مقتدى الصدر.
الهجمات الإعلامية الأخيرة على الانتخابات، ووصول بعض الطيارات المُسيرة إلى منزل رئيس الوزراء الكاظمي، وعدم وضوح المعالم لشكل الحكومة المقبلة بعد الخلافات المتفاقمة في بغداد بين من يرغب بحكومة «أغلبية وطنية» حسب الفريق الصدري ومن يرغب بالتوافقات السياسية للبيت الشيعي على رئيس الوزراء المقبل للفريق الخاسر وبين من يرفض النتائج جملة وتفصيلاً كفريق القيادي العسكري قيس الخزعلي، عزز صورة مدى هشاشة الواقع العراقي في المركز، ودفع بكافة الأطراف السنية والكردية لتبني خطابات عامة والقيام بتحركات دورية غير نهائية لإعطاء المجال لفهم أكبر للمستقبل. هذا النوع من التروي، جاء بعد شعور العديد من الأطراف إن العراق يتجه إلى استقطابات جديدة قد تشهد بعض الأحداث الساخنة المُنفلتة من عقالها. شيء من التوقع بالخطر الذي يدفع الإنسان إلى التراجع إلى خطوطه الدفاعية المؤمنة ويلجم الطموح لديه. لذا، كان الجميع من الحراكات القادمة التي تبعت الهجمات على منزل الكاظمي دقيقة، محاولة إيران إظهار براءتها من خلال قاآني ومشاوراته المحدودة بقادة الجماعات الشيعية المسلحة أو «المقاومة» بحسب التوصيف الذاتي لنفسها هي شيء من هذا القبيل. الاستثمار الإعلامي الخليجي المُكثف لتلك الحادثة كانت وسيلة لزيادة الضغط على موقف حلفاء إيران في العراق. التصريحات الأمريكية التي إدانت الحدث كانت بدورها لإظهار أن خيار الدولة التي تتحدث عنه أفضل بكثير من غيرها. وهو بحد ذاته رسالة رضا على الكاظمي (بحسب المتابعين) وما تبقى من إظهار لوزن واشنطن المتداعي في المنطقة. هذه الخلافات المتفاقمة والمعقدة عقدت المشهد السياسي الطامح لتشكيل الحكومة لدى قادة الإقليم، وصعّبت مهتمهم الحساسة.

كردستان تمشي على رؤوس الأصابع

ما أن ظهرت النتائج الانتخابية البرلمانية حتى تأكدت الساحة السياسية الكردستانية من أن موقع الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) يتعزز. النتائج التي قدمت البارتي على أنه سيد المشهد السياسي الكردستاني بالمطلق لم تمنع الاتحاد الوطني الكردستاني من محاولة الصمود رغم أمواج الخلافات الداخلية لديه. هذا مع عزف الانتخابات لتراتيل العزاء على حركة التغيير التي ظهرت واعدة بالتغيير الديمقراطي الشامل قبل ما يقارب العقد. هذا كله، مع تقدم حركة الجيل الجديد خطوة للأمام بحصوله على تسعة مقاعد لم تكن متوقعة لدى العديد من المقربين لأحزاب السلطة في أربيل. لكن، الخريطة السياسية الواضحة الملامح في الإقليم تخشى من التحرك بسرعة نحو بغداد مع ما سبق من قضايا خلافية وخطيرة. الخشية هذه جاءت مع الحيرة التي انهمرت على الإقليم من جراء أمطار الخلافات المُتصاعدة والمتداخلة والكثيفة الغيوم في بغداد.
هذه الحيرة لا تتشابه بين أطراف الإقليم المُنتصرة في الانتخابات. بل أصبحت حكراً على الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني مع إعلان حراك الجيل الجديد في بيان بتاريخ 18 تشرين الأول/اكتوبر الماضي إنه» لن يشارك في تشكيلة الحكومة العراقية المقبلة ولا يريد اية مناصب أو وزارات». هذا النوع من الموقف يسهل على الحراك معرفة موقعه ويبعده عن ضرورة قراءة الواقع العراقي المتداخل خلال احتدام الصراع على مقاعد السلطة في بغداد.
على غير سياق الجيل الجديد دخل الحزبان الرئيسيان في الإقليم في جولات من الاستكشاف السياسي في بغداد. الحزبان قاما بإرسال وفديهما بصورتين منفصلتين تنمان عن قناعة بإن دخولها في تكتل واحد في المفاوضات لم يعد طرحا مقبولا مع شعور البارتي بإنه يستحق أكثر من خصمه اليكيتي ومع شعور اليكيتي أنه قد يحصل من الجهات العراقية القريبة منها أكثر من ما قد يحصله من توافقاته مع الديمقراطي الكردستاني. الوفد الديمقراطي الذي يترأسه هوشيار زيباري كان خلال الأسبوعين الماضيين ضيفاً على عدة قوى منها الهيئة السياسية للتيار الصدري ورئيس حركة تقدم في العراق محمد الحلبوسي، وزعيم ائتلاف الوطنية رئيس الجبهة الوطنية المدنية اياد علاوي، في حين ان وفد الاتحاد الوطني برئاسة خالد شواني حل ضيفاً على رئيس تحالف الفتح هادي العامري، وكذلك مع زعيم ائتلاف النصر في العراق حيدر العبادي ، بالإضافة إلى لقاء الوفد مع الهيئة السياسية للتيار الصدري.
هذه اللقاءات المنفصلة والمتزامنة لوفدين من أربيل في بغداد تشير إلى أن الطرفين يبحثان عن مكاسب حزبية قد تفيد موقفها في الانتخابات البرلمانية المقبلة في الإقليم نفسه. ورغم ان الكثير يتحدث عن احتمال ولادة حكومة من تحالف التيار الصدري وحركة تقدم والديمقراطي الكردستاني إلا أن تصريحات الأطراف الكردية حذرة جداً وتحاول إظهار اعتدالها مخافة الانجرار إلى الصراع المحلي في بغداد قبل ظهور التوافقات النهائية على الحكومة. هذا النوع من الحذر يدفع الوفدين الكرديين إلى السير بحذر في خضم الضجيج المحتدم في بغداد.
هذا الحذر لم يمنع الكثير من الكرد المقربين من الديمقراطي الكردستاني على التعبير عن سخطهم لمحاولة إعادة تعويم العبادي المتهم بالهجوم على البيشمركة في المناطق المُتنازعة عليها. هذا السخط يبدو هو الموقف الوحيد الصادر من الطرف الكردي الرابح في الانتخابات ضد الحراك السياسي المحلي في بغداد. أي الموقف الوحيد الواضح تجاه رغبات بعض الجهات النافذة في بغداد. في حين يعتقد الكثيرون ان ظهور هوشيار زيباري نفسه في قيادة الوفد هو رسالة واضحة عن رغبة الديمقراطي الكردستاني في تقديمه كمرشح مناسب لرئاسة الجمهورية، وهو ما لم يتم التصريح به من قبل أي جهة بعد. ويظل في طور التخمين السياسي للبعض. لكنه، طرح قوي في بغداد لدى الجهات التي تبحث عن شراكة مع الحزب الأقوى في الإقليم.
إن عملية الحراك الحذر للقوى الكردستانية في بغداد يوضح كيف ان بغداد نفسها تحولت إلى حقل كبير للشِراك السياسية والعسكرية المُرتبطة بقضايا أكبر من حدود العراق الرسمية. وهذاىيزيد من قلق القادة السياسيين في الإقليم من احتمال فلتان الأمور في العراق إلى أبعد من تنافس بعض القوى على النفوذ على السلطة أو تقديم القرابين العراقية للأطراف الخارجية الشرقية منها أو الغربية. هذا القلق المشروع في أربيل جعل الجميع يحاول الاعتماد على سياسة الصبر التي تبدأ ببناء مظلة المراقبة والهدوء التي تحمي الإقليم من شدة الأمطار القادمة من الغيوم السياسية والأمنية الداكنة في بغداد حيث لا صورة ونور واضح لمسيرة التحول السياسي والأمني هناك سوى ما هو واضح من تهديدات سياسية وخروقات أمنية وعلاقات تصادمية غير صحية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية