فينيسيوس جونيور جوهرة اكتشفت في برك البرازيل الموحلة!

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: بمجرد أن تنظر الى الكرة بين قدميه، لن يخونك توقعك لوطنه، كيف لا وهو سليل أرض السحرة والسامبا، متسلحا بالجينات المتوارثة هناك في كوبا كابانا وباقي الشواطئ الرملية الصاخبة، حيث التعامل مع الكرة على أنها صديقته في رقصة «كابويرا» أو «جونجو»، أو بمصطلح عالم كرة القدم «المهارة البرازيلية»، التي يميزها عشاق اللعبة، بالتقنية المختلفة في كل فنون كرة القدم الممتعة للعين، خاصة فن الترويض والمرور من المدافعين كالسكين الحاد في الزبد، ما ساعده على تحقيق ما فاق أحلام الطفولة في وقت قياسي، مجسدا المثل المحلي الشهير «الرجل الذي يطور نفسه… وُلد مرتين».

طفولة كادحة

وُلد فينيسيوس جونيور في 12 يوليو / تموز 2000، لأبوين برازيليين من الفئة الكادحة في حي ساو غونزالو، الذي يُعد واحدا من الأحياء المعدمة والمتهدمة في ريو دي جانيرو، وكان الأب فينيسيوس خوسيه دي أوليفييرا، يُعيل الأسرة بتنقله في الأعمال الحرة، بينما الأم تاتيانا فينيسيوس، كانت تُشرف على تربية جونيور وأشقائه الثلاثة (ولدان وبنت)، في زمن يقول عنه الفتى العشريني: «لم يكن من السهل على والدي توفير المال لإحضار الطعام على الطاولة، ومع ذلك، بدعم من عمي يوليسيس، كانت الأمور تسير على ما يرام».
ولم يكن ذاك الطفل «الشقي»، الذي يورط أهله في معاركه مع باقي الأطفال، بل كان من النوع النادر، حيث يقضي جُل وقته بالقرب من برك المياه الموحلة لخليج غوانابارا، الذي لا يسكنه سوى من يعيشون تحت خط الفقر، أو من يعرفون باسم «السكان الأصليون الفقراء»، وكان ذلك لإشباع رغبته في ممارسة لعبته المفضلة طوال اليوم، ولا يعود إلى المنزل سوى في المساء. أما في المنزل، فكان مهووسا بألعاب الفيديو، خاصة «البلاي ستيشن»، كملايين الأطفال، الذين تعلقوا بالمركولة المجنونة، بعد الاستمتاع باللعب بليونيل ميسي في لعبتي «فيفا» و«برو».

نقطة تحول

بدأ يجني «الفتات» من المال، باللعب في نادي نيتيروي، الشهير في كرة الصالات في جنوب ساو غونزالو، وذلك تأثرا بمثله الأعلى في الطفولة المبكرة روبينيو، حيث كان يتفاخر بتقليد رقصة روبينيو الشهيرة، والمعروفة باسم «القبعة»، باستخدام مهارة الاحتفاظ بالكرة وتمريرها فوق الخصم بطريقة مُذلة، ولولا تمسك والديه بانضمامه إلى أكاديمية فلامنغو، لا سيما بعد تأجيل ضمه في العام 2006، لصغر سنه، تلك الفترة التي استغلها الصغير، بقضاء وقته مع عمه في بيدادي، وهي بلدة قريبة من ساو باولو، لعدم قدرة الوالد على توفير مصاريف نقله بالعبارة يوميا من ريو دي جانيور، حيث كان يتعامل مع معسكر تدريب كرة الصالات، على أنه منزله الثاني، ما منحه الكثير من الاستقرار والراحة، لتنفجر موهبته في الصالات، بعد تصنيفه كأفضل لاعب في فئته العمرية، غير أنه لم يكتف بقدراته المذهلة في المراوغة في موقف لاعب ضد لاعب، بل طور نفسه في ما يخص تطويع موهبته في المساحات الضيقة، الأمر الذي ساعده على تحسين خفة حركته وجعله يطلق العنان لإمكاناته الكروية في سن مبكر.
وفي عام 2009، اتخذ الوالد قرارا حاسما، باصطحاب نجله الموهوب إلى أكاديمية فلامنغو، وذلك على عكس رغبة الصغير، الذي كان يطمح آنذاك باستكمال رحلته في كرة الصالات، لكن بعد قبوله في الأكاديمية، اشترى له الوالد تذكرة لحضور أول مسرحية في حياته، رغم أن الوالد، كان يمر بأصعب ضائقة مالية، بقضاء أكثر من 12 شهراً بدون عمل، فيما كانت الأم تلازم طفلها في منطقة غافيا البعيدة عن المنزل بـ70 كيلومتراً. وبالصبر، تحسنت الظروف المعيشية رويدا رويدا، وبدأت بعثور الوالد على وظيفة جديدة، ثم بشراء سيارة مستعملة لنقل فيني الصغير من المنزل الى النادي والعكس، بدلا من الشقاء مع الوالدة في المواصلات.

صعود صاروخي

وعلى غرار ما فعله كاسيميرو، بتسجيل نفسه كلاعب مدافع في اختبارات قبوله في نادي ساو باولو، قام فينيسيوس بتسجيل نفسه، كمدافع أيسر، لكن سرعان ما فرض نفسه في مكانه المفضل، كمهاجم جناح في الجانب الأيسر، وأبعد من ذلك. وبداية من أواخر 2015، بدأ يحظى بمعاملة «الجواهر الثمينة»، بعد ظهوره اللامع مع فريق الشباب، بوصفه «وريث نيمار»، للتشابه الكبير في أسلوب المراوغة المذلة بينهما، ومن هنا، قرر النادي رفع قيمة الشرط الجزائي في عقده من 30 مليون يورو إلى 45 في بداية 2017، تحديدا بعد الحصول على معلومات موثقة، بدخول المدير التنفيذي لمانشستر يونايتد إد وودورد في مفاوضات مع العائلة، لكنه رفض الفكرة برمتها، لاعتقاده بأن إدارة فلامنغو تبالغ في مطالبها المادية، لاحتمال أن يكون اللاعب من النوع المنتشر، الذي لا يتطور بعد الشهرة والأضواء السريعة، رغم تألقه مع شباب السيليساو في بطولة كوبا أميريكا للشباب، التي سجل خلالها سبعة أهداف، أكثر من أي لاعب آخر في المسابقة، وذلك تزامنا مع توهجه مع فريق فلامنغو الأول في الدوري وكوبا ليبرتادوريس، قبل أن يكسر ربيعه الـ17.

هلا مدريد

وتحول فيني إلى مادة إعلامية دسمة في الصحف الإسبانية، ما بين مصادر بيضاء تراهن على ذهابه إلى «سانتياغو بيرنابيو»، وآخر باللون الأزرق والأحمر تؤكد أن انتقاله إلى «كامب نو» مجرد مسألة وقت، استنادا إلى مصادر مقربة منه، تقسم أنه عاشق للكيان الكتالوني، وبالأخص البرغوث ليونيل ميسي، لكن في الأخير، انحاز جونيور للعرض المدريدي، الذي كان أكثر جدية، بتفعيل الشرط الجزائي في عقده، ليصبح أغلى لاعب تحت 18 عاما يقوم فلامنغو بتصديره إلى القارة العجوز، وأحدث اكتشاف لعراب مواهب الميرينغي جوني كالافات، الذي اتضح في ما بعد، أنه يراقب فينيسيوس منذ أن كان مراهقا بعمر 15 عاما، كما فعلها مع كاسيميرو ورودريغو وفيدي فالفيردي وآخرين. ومنذ تلك الفترة، انتهت علاقة أسرة فيني بالمنازل والشقق المستأجرة، كما روى بنفسه في مقابلة مع صحيفة «آس» بعد أيام من ذهابه إلى النادي الملكي. ورغم أن بدايته لم تأت كما خطط لها، بالإبقاء عليه تارة مع فريق الشباب وتارة أخرى مع «الكاستيا»، بتوصية من خليفة زين الدين زيدان الأول، جولين لوبيتيغي، إلا أن أوضاعه تحسنت كثيرا بعد تصعيد مدربه في الكاستيا سانتياغو سولاري إلى سُدّة القيادة الفنية، بعد إقالة المدرب الإسباني لسوء النتائج.

انتكاسة وصدمات فرنسية

وبينما كان الحظ يبتسم لتوه لفيني، جاءته صفعة غادرة، بإصابة نتيجة حماسه الزائد في مباراة الكلاسيكو، لينتهي موسمه في منتصف شهر الحب في 2019، وما زاد الطين بلة، أنه عاد على أسوأ سيناريو كان ينتظره، وهو إقناع المدرب الجديد القديم آنذاك زيدان في مارس / آذار 2019، بإمكاناته وأحقيته في الحصول على مكان في التشكيل الأساسي، وانعكس ذلك على قرارات اللاعب والنسخة التي كان عليها على مدار عامين ونيف تحت قيادة زيدان، وبين شخصيته وأسلوبه المتحرر في الثلث الأخير من الملعب، لدرجة أن الشاب البرازيلي، تحول إلى لغز، وفي بعض الفترات الى مادة ساخرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتكرار نفس أخطائه في جُل المباريات، إما بالإفراط في الاعتماد على الحل الفردي، أو إنهاء الهجمات بطريقة كارثية، تماما كما قال مهاجم وقائد الفريق كريم بنزيمة بين شوطي مباراة بوروسيا مونشنغلادباخ في دور مجموعات دوري أبطال أوروبا، في اللقطة التي وثقتها العدسات في الطريق المؤدي لغرفة خلع الملابس، وأثارت جدلا على نطاق واسع، كون بنزيمة أقسم لمواطنه فيرلاند ميندي أن فينيسيوس يلعب ضد ريال مدريد.

بداية المجد

وأثبتت التجارب، أن الفتى البرازيلي، كان الأكثر حظا وسعادة برحيل زين الدين زيدان ووصول الأستاذ كارلو أنشيلوتي، ووضح ذلك في الطفرة الملموسة في مستوى وتأثير اللاعب في الثلث الأخير من الملعب، أو بالأحرى من ذاك اللاعب الذي لا تثق فيه الجماهير قيد أنملة، إلى الشريك الإستراتيجي لبنزيمة، وحلال العقد والمشاكل، بانطلاقاته العنترية المخيفة للمنافسين في الرواق الأيسر، والأهم ظهور علامات نضوجه، في حُسن تصرفه بالكرة سواء على حدود مربع العمليات أو خارجه، على عكس الأنانية التي كان عليها قبل وصول كارليتو، وإلا لما أسفرت بدايته النارية عن توقيعه على تسعة أهداف بالإضافة إلى 7 تمريرات حاسمة، وهو ما عجز عن تحقيقه على مدار موسم كامل من قبل مع الملكي، كثاني أكثر لاعب تأثيرا في نتائج الفريق بعد الهداف كريم بنزيمة، صاحب الـ14 هدفا و8 تمريرات حاسمة، ليتحول في وقت قياسي، من لاعب منبوذ من قبل الجماهير، إلى واحد من أبرز نجوم مشروع أنشيلوتي، الذي تحسب له شجاعته في وضع ثقته في لاعب شاب مثل فينيسيوس على حساب آخر أكثر خبرة مثل إيدين هازارد، ليجني ثمار تطبيق العدل، بالنسخة المرعبة التي يبدو عليها جونيور في الأسابيع القليلة الماضية، وجعلت النادي يتحرك لبدء المفاوضات معه، بهدف مكافأته بعقد جديد من أصحاب الفئة الأولى، بدلا من عقده الحالي الذي لا يليق بما يقدمه على أرض الملعب، وأيضا لتحصينه من مطامع الأثرياء الذين يقدرون موهبته منذ فترة، وحاولوا أكثر من مرة استغلال تهميشه من قبل زيزو.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية