القاهرة ـ «القدس العربي» تنامت خلال السنوات القليلة الماضية ظاهرة إيقاف ومنع الجهات الأمنية في مطارات مصر، بعض المصريين المسافرين إلى الخارج أو العائدين، خاصة المحسوبين على المعارضة أو الحقوقيين والباحثين والصحافيين، دون أسباب قانونية غالبا، ولأسباب تبدو «قانونية متعسفة في بعض الأحوال» حسب ما قالت «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» في تقرير لها، أمس الأحد.
الشبكة بينت في تقريرها الذي حمل عنوان « المصيدة… عن تحول المطارات المصرية إلى فخ للمنتقدين والمعارضين» أن «الأمر يصل أحيانًا إلى الاحتجاز لبضع ساعات وصولاً إلى الإخفاء القسري، ومرورا بالاحتجاز في المطار نفسه أو اصطحاب الضحية إلى أحد مقار الأمن الوطني إذا كان المنع غير قانوني».
وحسب التقرير: «يظهر بعضهم فيما بعد على ذمة قضايا سياسية، أو يتم احتجازهم لبعض الوقت وتفويت ميعاد السفر عليه، ثم تركه لحال سبيله».
كما «لا يقتصر ترصد أجهزة الأمن للمسافرين إلى الخارج فقط، أيًا كان سبب هذا السفر، سواء للدراسة أو الهجرة أو زيارات سريعة لبلدان أخرى بهدف السياحة والاستجمام، بل امتد الأمر لترصد العائدين من الخارج إلى أرض الوطن والقبض عليهم واحتجازهم وعرضهم على نيابة أمن الدولة العليا تمهيدًا لمحاكمتهم أو لحبسهم الاحتياطي غير محدد المدة أو تركهم يرحلون بعد أن يرد تليفون الجهة أو الشخص المسؤول، وهذا ما يطلق عليه «ترقب الوصول وإخطار أمن الدولة» تبعا للشبكة.
الخوف من السفر
ووصف التقرير المرور على بوابات مطار القاهرة بمثابة «المغامرة غير محمودة العواقب وأصبح كثير من المعارضين، سواء حقوقيين أو صحافيين أو أكاديميين أو حتى الشباب غير المنخرطين في السياسة، يخشون فكرة السفر والمغادرة كي لا يتم استيقافهم أو حبسهم».
وتابع: «أما من هم في الخارج، فالعودة إلى مصر صارت بالنسبة إليهم حلمًا بعيد المنال بعدما شهدوا بأعينهم القبض على بعض العائدين ووضعهم قيد الحبس الاحتياطي أو محاكمتهم وإصدار أحكام ضدهم بالحبس لسنوات أو منعهم من العودة والسفر للخارج لو كانوا مقيمين هناك، وأصبح مطار القاهرة بشكل ما أقرب إلى فخ أو مصيدة لاصطياد المغادرين والعائدين ممن تعتبرهم أجهزة الأمن في صفوف المعارضة».
مخالفة الدستور
وأكد أن «مثل هذه الإجراءات تخالف نصوص الدستور المصري الذي نص في مادته رقم 26 على: حرية التنقل والإقامة والهجرة مكفولة، ولا يجوز إبعاد أي مواطن عن إقليم الدولة ولا منعه من العودة إليه، ولا يكون منعه من مغادرة إقليم الدولة، أو فرض الإقامة الجبرية عليه، أو حظر الإقامة في جهة معينة عليه، إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة، وفي الأحوال المبينة في القانون».
قوائم في المطارات
ولفتت الشبكة إلى «وجود قوائم في المطارات يمكن أن يجد المسافر أو العائد اسمه ضمن إحداها وأهمها، وتتمثل في قائمة المنع من السفر، وهي قائمة ترسل لأجهزة المطار دون تحديد السبب ويتم منع المواطن بناء عليها من السفر دون القبض عليه ودون إخطاره بالأسباب التي قد لا يعرفها رجال أمن المطار أنفسهم، وقائمة ترصد السفر، وهي قائمة تعني توقيف المواطن خلال إنهائه إجراءات سفره، ويتوقف قرار سفره أو منعه على التليفون والمسؤول أو الجهة التي طلبت إخطارها بسفر المواطن، وقائمة ترصد الوصول، وهي قائمة تعني توقيف المواطن العائد من الخارج، لحين اتخاذ قرار بشأنه، غالبا بعد إجراء اتصال هاتفي لجهة أو شخص ما، هل يقبض عليه أو يسمح بدخوله للبلاد دون القبض، وقوائم المنع من الدخول، وهي قوائم غالبا لأشخاص غير مصريين، يتم توقيفهم في المطار ومنعهم من الدخول، مثل الصحافيين والحقوقيين الدوليين».
وتناول التقرير أمثلة عن ضحايا التوقيف في المطارات، ومنهم المحامي الحقوقي إبراهيم متولي، الذي توجه في 10 سبتمبر/ أيلول 2017 إلى مطار القاهرة قاصدًا السفر إلى جنيف للمشاركة في الدورة 113 لمجموعة عمل الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري، كونه منسقًا لرابطة أسر المختفين قسريًا، إلا أن سلطات المطار ألقت القبض عليه، وعُرض على نيابة أمن الدولة العليا بتاريخ 12 سبتمبر/ أيلول 2017 على ذمة القضية رقم 900 لسنة 2017 باتهامات «تولي قيادة جماعة أسست على خلاف الدستور والقانون، ونشر أخبار كاذبة، والتواصل مع جهات أجنبية ».
وظل متولي قيد الحبس الاحتياطي في سجن العقرب شديد الحراسة في زنزانة انفرادية في ظروف شديدة السوء حتى أُخلي سبيله في أكتوبر/ تشرين الأول 2019 بعد قضائه عامين كاملين، إلا أن القرار لم يُنفذ وتم تدويره على ذمة قضية أخرى أًخلي سبيله منها في أغسطس/ آب 2020 إلا أن أجهزة الأمن قررت تدويره على ذمة قضية ثالثة تحمل رقم 786 لسنة 2020 وما زال قيد الحبس الاحتياطي حتى الآن بعد قضائه أربع سنوات في زنزانة انفرادية بسجن شديد الحراسة.
عضو «العيش والحرية»
الناشط السياسي محمد وليد، عضو حزب «العيش والحرية» تحت التأسيس، أحد الأمثلة التي تناولها التقرير، بعدما تعرض إلى الإيقاف في مطار القاهرة أثناء توجهه إلى المملكة العربية السعودية في 30 سبتمبر/ أيلول 2019.
كما تعرض للاختفاء القسري، وهناك مزاعم لتعرضه للتعذيب لمدة أسبوعين حتى ظهوره أمام نيابة أمن الدولة العليا في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 على ذمة القضية رقم 1358 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا.
وأُخلي سبيل وليد في 26 أغسطس/ آب 2020 إلا أن القرار لم يُنفذ وتعرض للاختفاء القسري من جديد، حتى ظهوره على ذمة قضية جديدة في 5 ديسمبر/ أيلول 2020، ولا يزال وليد قيد الحبس الاحتياطي حتى الآن.
وتناول التقرير أيضا حالة الباحث وليد سالم الذي منع من السفر للمرة الأولى في 8 مايو/ أيار 2020 من قبل الجهات الأمنية في مطار القاهرة أثناء محاولة سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومصادرة جواز سفره دون إبداء أي أسباب قانونية أو إبلاغه بإدراج اسمه ضمن قوائم الممنوعين من السفر.
وكان الباحث وليد سالم أُلقي القبض عليه مسبقًا في مايو/ أيار 2018 بسبب رسالة الدكتوراة الخاصة به التي تتناول تاريخ القضاء المصري، وتم التحقيق معه على ذمة القضية 441 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا باتهامات «الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة» وأُودع في سجن القاهرة للمحبوسين احتياطيًا المعروف باسم طرة تحقيق، حتى أُخلي سبيله بتدابير احترازية في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، وظل ملتزمًا بحضوره التدابير الاحترازية وجلسات تجديدها حتى رفعت عنه في فبراير/ شباط 2020، ورغم ذلك مُنع من السفر.
إسماعيل الإسكندراني
حالات أخرى تناولها التقرير تعرضت للتوقيف خلال عودتها من الخارج، منها الصحافي إسماعيل الإسكندراني، الذي ألقت قوات الأمن في مطار الغردقة القبض عليه في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 بعد عودته من ألمانيا، ووجهت إليه اتهامات بـ«الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة» قبل أن تتم إحالة قضيته للنظر أمام القضاء العسكري التي أصدرت حكمها بالحبس لمدة 10 سنوات باتهامات متعلقة بإفشاء أسرار عسكرية، هذا على الرغم من أن الكثير مما نشره اسماعيل عن الأوضاع في سيناء كان صحيحا، خاصة عن قيادة ضابط سابق لجماعة إرهابية، وهو الضابط هشام العشماوي.
كما تناول حالة الباحث أحمد سمير سنطاوي، الذي تعرض للإيقاف والتحقيق من قبل الجهات الأمنية في مطار شرم الشيخ في الخامس عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2020 أثناء عودته من فيينا حيث مقر دراسته، قبل أن يتم إطلاق سراحه، وبعد وصوله إلى القاهرة بفترة بسيطة، اقتحمت قوات الأمن منزله أثناء غيابه، فتوجه بنفسه إلى قسم شرطة التجمع الخامس في الأول من فبراير/ شباط 2021 لمعرفة سبب ملاحقته، ليتعرض للاختفاء القسري والتحقيق معه بأحد مقرات الأمن الوطني بشكل غير قانوني، ثم يظهر بنيابة أمن الدولة العليا كمتهم بـ«الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة».
باتريك جورج
وألقت قوات أمن مطار القاهرة القبض على الباحث باتريك جورج في 7 فبراير/ شباط 2020 أثناء عودته من إيطاليا، وهو طالب ماجستير في جامعة بولونيا، ويعمل باحثًا بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وأحيل إلى محكمة أمن دولة طوارئ في سبتمبر/ أيلول الماضي، قبل أن تؤجل المحاكمة أكثر من مرة لتُحدد لها جلسة يوم 7 ديسمبر/ كانون الأول المقبل.
من بين الأمثلة التي تناولها التقرير حالة الصحافي في شبكة قنوات الجزيرة ربيع الشيخ، وتعرض أثناء عودته من قطر للاحتجاز والتحقيق معه على ذمة القضية رقم 1365 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا، باتهامات «الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة».
وطالبت الشبكة السلطات المصرية بـ«ضرورة التوقف عن الترصد للمسافرين أو العائدين من الخارج، أيا كانوا، لا سيما المحسوبين على المعارضة أو الحقوقيين والصحافيين والباحثين والنشطاء».
وأكدت على «ضرورة أن يخطر الممنوع من السفر بالأسباب المحددة طبقا للدستور، وأن تكون كذلك مده محددة وليست مفتوحة».