«بإمكاني تحمل قوة وحشية لكن المنطق الوحشي لا يمكنني تحمله تماما. ثمة شيء ظالم في استخدامه. إنه يضرب تحت حزام الفكر». أوسكار وايلد
مفتاح كل إنسان أفكاره. ما الذي نقوله عن شخص مصاب بصمم فكري محكم، ويدافع عن آرائه ومعتقداته بحجج منطوقة معلنة، وأخرى مكنونة، تتقاطع وتتداخل، وقد تم إعدادهما إعدادا متقنا؟
أتراني أتخيل كل هذا؟ لا أعتقد ذلك.
الطائفي، رجلا كان أو امرأة، هو شخص له سحنة نارية لا يغيرها في جميع الأحوال، إذا تحدثت معه فإنها الحرب التي على الخصمين فيها ألا يزيح الواحدُ نظره عن الآخر، وعليهما كذلك ألا يقتربا من بعضهما بعضا أكثر من اللازم، كما أنه على استعداد لفعل أي شيء باستثناء التسامح والتساؤل والحب. كيف حدث هذا كله؟ ليس في مقدورك البتة أن تتوصل إلى تفسير لذلك. هل تعرض إلى حادثة في طفولته مثلا أجهزت على عقله؟ هذا أمر غير مستبعد. هل هو مخبول؟ حتى وهو صامت، يخيل إلى من يراه أنه يعارك عدوا خفيا في خياله. صادفتُ مجنونا هاربا من المستشفى يمشي في الشارع، وكان يحدث نفسه بكلام غير مفهوم، وينطح الهواء برأسه الضخم. كان مشهدا مخيفا انتقل بسببه المارة إلى الجهة الأخرى من الشارع، فلا أحد يضمن سلامته إذا قرر المجنون مهاجمته بسلاحه الفتاك، أعني رأسه، وهو ينطح به بلا هوادة.
الحديث مع الشخص الطائفي يشبه معاشرة هذا المجنون، من يصبر أكثر من نصف ساعة فهو يمتلك فراهة روح الحكماء، وما أندرهم في هذا الزمان، وفي كل زمان!
الطائفية أنواع، منها الدينية والسياسية والقومية والقطرية والمحلية والعشائرية والأهلية والأنوية، ومثلما عصف التعصب الحزبي في بلادي في الماضي القريب بين حزب البعث والحزب الشيوعي، جاءت الطائفية الآن بوجهها الديني، وفعلت ما فعلت، بين السنة والشيعة، وبين السنة أنفسهم، والشيعة كذلك، وبعد البحث والتفكير تمكنت من العثور على بعض الفوائد في هذه النعرة، ويشبه عملي هذا ما يقوم به الحواتون في عرض البحر عندما يستخرجون زيت العنبر زكي الرائحة من جثة حوت متفسخ تملأ نتانتُه الهواءَ.
الفائدة الأولى: تكشف الطائفية بوضوح عن وعي الشخص المقابل، الطائفي بريء مستبعد تماماً من كونه إنساناً سوياً، ولا يستحق ما يحمله في ذهنه وفي قلبه أي احترام وتقدير، مهما علت رتبته في العلم أو الأدب.
فائدة أخرى: تنقية الدين من الشوائب التي لوثته عبر القرون، وصار بهذه الواسطة خرافة تؤذي، ولا تنفع أحداً غير أولئك الذين لا يملكون في قلوبهم ذرةً من سماحة النفس من العامة، ونظائرهم من أهل الفكر والسياسة. تحدث الفتنة الطائفية في حقب تاريخية، وتؤدي إلى ما يشبه الحرب الأهلية، ثم تنتهي، وينقضي زمانها، ويعود المجتمع إلى حالة الوئام بين مكوناته، التي هي الحالة الطبيعية له. ونفهم من هذا أن الدين، وأغلب رجاله المؤمنين الصالحين بعيدون تماما عن التفكير في أمور الفُرقة والتنافر والتشاحن…
الفائدة الثالثة قليلة الحصول، بل هي نادرة، وظهورها يشبه المعجزة، لكنها قوية، وتحمل في معناها ما يجعل الحياة مقدسة، وتستحق أن يعيشها البشر، وقد دلتني عليها قصة قصيرة لفرج ياسين عنوانها «نزع الأقنعة» وفيها شرح مفصل لهذه الفائدة العظيمة.
«نزع الأقنعة»
«خالد سماوة» بطل القصة، رجل ستيني ولد في مدينة تكريت، وعاش أغلب سِنِيهِ في مدينة السماوة الواقعة جنوبَ العراق، ولما صارت حوادث التهجير الطائفي عقب الغزو الأمريكي للعراق، عقد الرجل عزمه على الرحيل، رغم أنه لم يتعرض إلى أي تهديد، وأنكر الجميع عليه الأمر؛ أهل الحي الذي يسكنه، وكذلك معارفه وأصدقاؤه، وفعلوا كل ما في وسعهم لمنعه من الهجرة، لكنه غادر في الأخير لأن الأمر صار «يشبه وسواسا كابوسيا لم أستطع تخطي أثره الذي كان يتفاقم في داخلي». حمل خالد سماوة أولا ما خف من متاعه، وبعثه مع زوجته وأولاده إلى مدينة تكريت، على أن يلحق بهم بعد أن يتم بيع بيته. وبعد أسبوع غادر الرجل وهو «دامع العينين» وكان معه في السيارة التي تنقله إلى تكريت أربعة مسافرين. عندما ابتعدوا في الطريق تم أسرهم من قبل جماعة مسلحة. كبلوهم، وعصبوا أعينهم، وأخذوهم إلى بيت ريفي. وبعد أن ألقوا عليهم بعض الأسئلة القصيرة والسريعة حكموا عليهم بالموت، وصادف أن قائد المجموعة كان متوعك الحال، فتم تأجيل ذبحهم حتى الغد. ذاق خالد سماوة في تلك الليلة مع رفاقه الأربعة كل أنواع التعذيب، ولما حضر القائد في الصباح تفاجأ الجميع وهم يشاهدونه يسجد على الأرض أمام المخطوفين، وظل ساكنا ساكتا عدة دقائق، ثم أمر رفاقه أن يحلوا وثاقهم، ويقدموا لهم الطعام والشراب، وكان ينظر إليهم منكسرا وهو ينشج، طالبا العفو والمغفرة والدعاء له، وخاطبهم متوسلا: ادعوا الله أن يغفر لي… اللهم إنني لست من كان بالأمس!
ما الذي جرى، كيف تحول الرجل في ليلة واحدة من ذباح إلى رجل وديع طاهر القلب؟
عندما ذهب القائد إلى بيته في الليلة الفائتة كان متعبا جدا، فأخلد مباشرة إلى النوم، دقائق، وضج في وجدانه مواء قطة جائعة لحقت به إلى المطبخ. فزّ من نومه ومواء القطة يتردد في أذنه، ويعلو، والرجل يغالبه بنعاسه، إلى أن تمكن جوع القطة منه في الأخير، و»انقدح نور غامر في قلبه، فجعل يرى بألف عين جميع الكائنات، وهي تفغر أفواهها طلبا للطعام والشراب. البشر والحيوانات والنباتات والجمادات، كانت كلها تسير في طوابير طويلة قاصدة نقطة ما في أفق بعيد». ترك فراشه وهرع إلى القطة الجائعة، وهناك: «كانت الريح تعول والرعود تتفجر والأشجار تنشج بحفيف جنوني. ومن بين كل ذلك الضجيج سمعتُ عواء كلاب مسعورة… في لحظة الرعب تلك عزمت على التراجع والعودة إلى الفراش، فمسّ قدمي جسم بالغ النعومة». هي القطة الجائعة، كلمته بصوت خافت: «لا تقلق. لا تقلق!» وكانت تنظر إليه بوجه أبيض صاف تعلوه ابتسامة آدمية عريضة. قدم إليها صحن لبن فيه قطع من الخبز، وبدأت تأكل وتلعق اللبن. رفعت له في الأخير يدا بيضاء: «وقالت بصوت والدتي الراحلة منذ بضعة أعوام: ها أنت ذا تستطيع فعل ذلك يا بني!». في تلك اللحظة راود القائد شعور بأن عذوبة روحانية تمس شغاف قلبه، وتفعل فعلها في عموم بدنه. كان باب المطبخ مشرعا إلى الخارج، وانتبه الرجل إلى السكون يعم المكان. توقفت العواصف، وسكتت الرعود، وكفت الكلاب عن النباح.
فرج ياسين قاص من مدينة تكريت، وأهدى قصته إلى يحيى السماوي، وهذا يعني أن بطلها «خالد سماوي» له من يشبهه في الواقع. هيكل القصة حقيقي، وليس من صنع الخيال، وعمل المؤلف لا يتعدى لمسات فنية هنا وهناك، كما أن ما جرى لقائد المجموعة مع القطة فيه خيال قصصي يفسر الواقع، ولا يلغيه أو يختلف عنه كثيرا.
الطائفي، رجلا كان أو امرأة، هو شخص له سحنة نارية لا يغيرها في جميع الأحوال، إذا تحدثت معه فإنها الحرب التي على الخصمين فيها ألا يزيح الواحدُ نظره عن الآخر، وعليهما كذلك ألا يقتربا من بعضهما بعضا أكثر من اللازم، كما أنه على استعداد لفعل أي شيء باستثناء التسامح والتساؤل والحب.
تحليل
كما خاطب الإنسان الأول الطبيعة بلغة الأسطورة، نجد أنفسنا أحيانا، وعندما تشتد بنا الظروف، نرحّل همومنا ومتاعبنا إلى لغة تتماهى مع ما في الأساطير القديمة من رموز، أو يلجأ بعضنا إلى الأدب، لأنه يقدم لنا معرفة جديدة بمفاهيم عصرنا، ويثبت لنا يوما بعد يوم، بكشوفاته، أن العالم الذي نعيش فيه ممتلئ بالأساطير في جميع جهاته، وعندما يقوم الكاتب بإعادة اكتشاف أسطورة ما، فإنه يستعيد صوتا من الماضي يساعده على كشف الأمور الخافية عنه في عصره.
هنالك أساطيرُ تندثر، وأخرى تقوم في مكانها، كما لو أن هنالك رقاً أثرياً تُكتب عليه بعد محو الأساطير القديمة. نامت أسطورة موت تموز وبعثه حيا قرونا عديدة، ثم استيقظت في الدين المسيحي، وبعد ذلك في الدين الإسلامي، وينطبق هذا الكلام على أوديسيوس، البطل الأسطوري الإغريقي، الذي اختفى زمنا وظهر بصورة السندباد في قصص ألف ليلة وليلة، وكذلك أسطورة أدونيس وأوزيريس… إننا نعيش في كون شاسع تملؤه الكائنات، ويتدفق الزمان فيه بحكايات وفيرة تتكرر لأنها تبقى محفوظة في ذاكرة الأجيال. حكاؤو الشرق يعيدون صياغة ما تم بناؤه في الغرب من قصص، وبالعكس. استوحى أوفيد أسطورة بيراموس وثيزبي في كتاب «التحولات» من قصص «ألف ليلة وليلة» وانتقلت أجواء الحكاية منه إلى شكسبير في «حلم ليلة منتصف الصيف» وفي هذا المعنى يذهب الكاتب الأرجنتيني بورخيس إلى أن «كل شيء موجود مسبقا، وجميع القصص هنالك ثمة من رواها من زمان، وإن فن تأليف الحكايات يقوم على إعادة تركيبها وروايتها من جديد، وكتابة القصة القصيرة هي بالنسبة إليّ اكتشاف أكثر مما هي اختراع مقصود». كم يشبه هذا قول بيكاسو الشهير: «إنني لا أبحث. إنني أجد».
القطة التي صارت أماً لقائد مجموعة الذباحين وأنقذتهم جميعا كان لها وجود حتما في الماضي في صورة أخرى، طائرا أو سمكة أو دبا، وقام الطائر أو السمكة أو الدب بعمل جليل، تبعاً لما دونته الأسطورة القديمة الراسخة في لاوعينا الجمعي، وانتقلت أفكارها عبر السنين لتظهر في صورة قصة قصيرة يكتبها فرج ياسين، مثلما تظهر لنا اللقى الضائعة والمدفونة منذ ألوف السنين تحت التراب أو في أعماق البحار، وقد عمل فيها الزمن، حتى اختلفت كثيرا عن صورتها الأولى، لكنها احتفظت بجوهرها ونواتها ولبها، وتقدم لنا الموعظةَ ذاتَها التي توصل إليها أسلافنا، بعد أن مرت بهم ظروف مشابهة. يقول كلود ليفي شتراوس: «إن الفكر البدائي لا يمثل مرحلة من مراحل التطور، بل يمثل منطق الفكر البشري في كل زمان ومكان». وبالنسبة إلى يونغ، فإن الأسطورةَ تعبيرٌ رمزي عن مشاعر مجتمع ما، وعن رغباته المكبوتة في اللاوعي الجمعي، مثلها في ذلك مثل الحلُم بالنسبة إلى الفرد، وكلاهما، الحلم والأسطورة، يمثلان «إرادة التوازن الداخلي، الذي يتخذ موضع الدفاع وصولا إلى الشخصية المتوازنة».
يلجأ الإنسان في مواقف اليأس إلى سبل يائسة، وأبسط مثال على ذلك استخدامنا للمنهج الأسطوري القديم نفسه في تفسير معضلة الموت الذي هو مصير كل فرد، الخوف من المجهول هو الذي صاغ حلم العودة بعد الممات واكتساب الحياة من جديد، الحياة تستطيل بالموت حسب الأسطورة التي يتحدث بها الدين، والعكس يصح أيضا، فليس الموت هو النهاية الطبيعية للحياة، وإنما يشكل الاثنان نصفي الدائرة التي يتكرر السير على محيطها إلى ما لا نهاية. وعندما يكون الموت جماعيا بصورة وباء أو حرب يكون الحل كذلك بواسطة قوى لا يلجأ إليها أحد في الحالة الطبيعية، وبهذه الصورة تنشأ الأساطير، وتتوالد، وتنتقل عبر الأجيال. لا أسطورة تنشأ من الفراغ، مثلما لا أحد يعيش في اللامكان. إنها تقوم على أساس متين من الواقع، ولهذا السبب يتقبل الجميع فكرتها حتى لو كانت خرافة أكثر مما يؤمنون بما يدور حولهم، الماضي الأسطوري يصير حاضرا رائقا يكذب الحاضر الواقعي، ويقف هذا أمام الطاقة السحرية التي تحملها الأسطورة وجوها المليء بالإثارة بلا حول ولا قوة.
البراءة الأولى
إن العصور القديمة لا تأفل أبدا وكل الجراح حتى أقدمها ما برحت تنز، فهي محفوظة في الذاكرة الجماعية، ويولد هذا رؤية درامية للطبيعة البشرية، فكل واحد منا يتبع منذ الولادة قدرا معلقا بخيط رفيع، وهذه الأسطورة الأولى في الوجود، وما يتبعها ينبع من هذا المصدر، ويذكر الإنسان بأنه ضعيف في آخر الأمر، وإن أوتي قوة الجبابرة. وضعت القطة في قصة فرج ياسين يدها على حقيقة هي أن في داخل أقوى إنسان ثمة هشاشة تؤدي به يوما إلى أن ينشد التآخي مع الغير، وإن كان عدوه. وهذا الفعل يفسر استمرار الوجود البشري، وعدم فنائه، وبعكسه فإن حربا واحدة من ذلك العدد الذي لا يحصى من النزاعات التي جرت بين البشر كافية لزوال الإنسان من الوجود. وبهذا يكون الدور الذي قامت به القطة أكثر تمثيلا للحقيقة من جميع حوادث القتل والتهجير الطائفي، فقد أثبتت أن هناك وقتا ومكانا نستعيد به براءتنا الأولى، عندما كانت الحياة تعيش فجرها الأول، حيث عالم الطهارة وصفاء الروح، وهو الحدث الوحيد الذي يبدو، رغم غرابته، واقعيا في القصة لأنه يبرر وجودنا، ويجعلنا نتصل بأسلافنا بطريقة حية. إننا نشعر بهم حاضرين بيننا، لأنهم عاشوا في الماضي مثلما عشنا، وقعت عليهم أهوال مشابهة لما نحن كابدنا، وها هم يقدمون إلينا المساعدة. ولا يخفى على أحد الدلالة التي يحملها عنوان القصة؛ نحن نرتدي أقنعة تحجب وجودنا في حياتنا العادية، وتأتي الظروف التي تساهم في خلق الأسطورة، وتقوم بخلع أقنعتنا.
وبالنسبة إلى أرسطو فإن أهم شروط التأليف الأدبي لديه هو خلق الأسطورة، أي أن الإبداع لا يتم إلا إذا توج بهذا الهدف، وإذا لم يجد الكاتب أسطورَته، فإنه يحاول أن يجعل من حياته أسطورة قائمة وكاملة. عاش المؤلف فرج ياسين حياته مثل بقية العراقيين، عاصر ثلاث حروب كونية، ومزقت الحرب الأهلية الأخيرة التي سببها العنف الطائفي بلاده وغطت بأهوالها كل ما مضى، فالأسطورة التي عاشها القاص تجعل منه معايشا فريدا لأسطورتين، إحداهما واقعية، والأخرى عملت فيها صنعة الأدب كي تبرهن للجميع أننا نعيش حياة متصلة، الماضي هو جزء من الحاضر ومن المستقبل.
سوف تتكرر أسطورة القطة في المستقبل حتما، وربما ظهرت في صورة شجرة أو بقرة أو امرأة منقذة يخلد اسمها الزمان، ويظل الأدباء يستنسخون أمثالها طالما بقي الزمان.
أخيرا، هل يمكننا تعريف الإنسان بأنه حيوان يخلق الأساطير؟
كاتب عراقي