رحيل إيتيل عدنان: كانت ترسم بالكلمات وجه الأنوثة الأكثر إمكاناً

عبد اللطيف الوراري
حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي»: توفيت الشاعرة والكاتبة والرسامة اللبنانية إيتيل عدنان عن عمر يناهز 96 عامًا، في باريس حيث عاشت معظم أيام حياتها، متنقّلةً بين بيروت وكاليفورنيا، وبرحيلها يخسر الأدب العالمي المعاصر وجها نسويا مضيئا جمع في تقاسيمه بين بكارة العناصر وشهوة الابتكار.
ولدت في بيروت عام 1925 من أم مسيحية يونانية وأب مسلم سوري، وتعلمت في مدارس الراهبات الفرنسية. غادرت بيروت في الرابعة والعشرين من عمرها لتدرس الفلسفة في جامعة السوربون وبعض جامعات أمريكا مثل، هارفارد وبيركلي بين عامي 1958 و1972، وعملت محررة ثقافية في الصحافة، وكتبت الرواية، لكن شهرتها تجسدت في الشعر الحديث، وفي الرسم، حيث شاركت في معارض دولية وأبرزت تأثّرها بكبار الفنّانين مثل بول كلي وكاندينسكي وديلاكروا، وبالفرنسي نيكولاس دي ستايل، الذي يُمثّل مرجع لوحاتها الأساسي، وهي تقول: «أنا أكتب ما أرى، وأنا أرسم ما أنا عليه». كما يُقدّمها بعضهم باعتبارها مناضلة نسوية عاصرت ذروة الحركة المطالبة بحقوق المرأة. وقد نالت جوائز عالمية؛ منها: وسام الفنون والآداب الفرنسي (2014) وحصلت على جائزة لامبادا للآداب، وجائزة كاليفورنيا للشعر عن مجموعتها الشعرية «البحر والضباب» (2013) .
كتبت إيتيل عدنان معظم أعمالها بالفرنسية، قبل أن تتحول عنها إلى الإنكليزية، لكنها كانت تقول تخاطب من يسألها، بنبرة استعادية ودالّة في آن: «أنا فعلا أنظر إلى نفسي على أنني شاعرة عربية في اللغتين الإنكليزية والفرنسية، وهذه مشكلة أعيشها، وهي بلا حلّ. في طفولتي ذهبت إلى مدارس فرنسية في بيروت وكانت الراهبات اللبنانيات ضد اللغة العربية، ويرفضن تعليمها لنا. في البيت أمي يونانية وأبي كان مضطرا إلى استعمال اللغتين التركية والفرنسية في حديثه معها. هكذا لم أسعد بأن أتكلم العربية وأجيدها كتابة».
تنتمي إيتيل عدنان (1925- 2021) إلى جيل مثقفي الخمسينيات، الذي هزّته سرديّات القرن العشرين الأكثر تأثيراً، فقد شهد هزيمة 1967، وعاصر اقتلاع الشعب الفلسطيني وشتاته في المخيّمات، والحرب على فيتنام، ومظاهرات مايو/أيار الطلابية في عام 1968، وميلاد الثورة الفلسطينية، واحتلال الجيش الإسرائيلي لبيروت، والغزو الأمريكي للعراق، وهو ما جعلها تنتصر في أدبها لقضايا الحرية والعدالة والمساواة، وتنحاز إلى معاناة الشعوب، على نحو أغنى هذا الأدب وأحدث فيه نقلات نوعية في أشكال التعبير والتمثيل الثقافي، كما يتجسد ذلك في أعمالها: «خمس حواسٍ لموت واحد» (1971) و«الهندي ليس له حصان» (1985) و«يوم القيامة العربي» (1980) و«27 أكتوبر 2003»؛ قصيدة كتبتها بالفرنسية بعد الغزو الأمريكي للعراق (2008). ورواية «الست ماري روز» التي تتحدث عن الحرب الأهلية اللبنانية (1978).
من أبرز أعمالها كذلك في الشعر والسرد: «هذه السماء ليست هي» (1997) و«رحلة إلى جبل مونتالباييس» (2013) و«باريس عندما تتعرى» (2011) و«أورفيوس في مواجهة العدم» (2016) وغيرها. وقد تُرجم بعضها إلى العربية، مثل: «الست ماري روز» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1979/ الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2000) و«كتاب البحر، كتاب الليل، كتاب الموت، كتاب النهاية» (دار أمواج، بيروت 1994) و«عن مدن ونساء: رسائل إلى فوّاز» (دار الحوار، بيروت 1998) و«سفر الرؤيا العربي» و«يبوس وقصائد أخرى» (دار التنوير، بيروت 2016).

شهادات:
كاتبة ومناضلة نسوية. نسويتها غير المدّعية هي رهافةٌ وقوة معا. لا تتغرغر بأنّ الأنثى هي الأصل. ولا تغريها أصوليات نسوية متفاحلة ومعادية للذكور. تلعب بالأسطورة لعباً: المرأة هي ما فقده الرجل منذ آدم. والأنِثى هي النقصان في الذكر. كأن الرجل يقضي العمر والدهور لاستعادتها. ولعل إيتيل ترجع هنا صدى معادلة كارل ماركس الشهيرة التي تقول: إن المرأة هي مستقبل الرجل. لا تكتفي إيتيل بهذا. تلتقط أقوى ما في الرجل لتؤنثه. تقبض على الذكر في أضعف حالاته وأجملها: حالة اللذة. إن الرجل إذ يستسلم للذة، يتأنث. واللذة مؤنث لا محالة.
هذه المرأة التي «تفضّل الموج على البحر» وجهت رسالة إلى الشعراء تقول: «أيها الشعراء، غيّروا العالم او اذهبوا إلى بيوتكم». رسالة التحدي هذه موجهة إلى جميع من ينتج في الأدب والفن والفكر. إتيل، وأنت لم توجدي إلا للحب، تعرفين كم أحبك. هذه مناسبة أخرى لتتعرفي على الكثيرين الذين يحبونك ويقدّرون موهبتك ونبلك وشجاعتك.
أتمنى لك الحب المديد. (فواز طرابلسي)
لقّنها والدها الكتابة بالعربية عندما كانت صغيرة ولم تكتب بها الشعر عندما كبرت، وهذا هو محور أحد مؤلفاتها عن تجربة الكتابة بلغة أجنبية، بل هو تجربة حياتها في التنقل والعيش بين أكثر من لغة وغير مكان. درست الفلسفة، وحاضرت فيها، وكتبت الشعر والرواية والنصوص النثرية والنقد التشكيلي والموسيقى، وهي رسامة وحروفية. لها بيوت وأصدقاء في بيروت وباريس وكاليفورنيا. مفارقة الاغتراب تلازم كتابتها، وتجعلها متورطة بفكرة الضياع التي تقلّب من خلالها صور المدن في تحولاتها الذهنية. (فاطمة المحسن)
في أحد لقاءاتي معها، في بيتها في شارع «مدام» قربَ حديقة اللوكسمبور، أهدتني كتابها الأخير، وبدلاً من الإهداء، رسمَت على صفحته الأولى قلباً من خلال خطّ واحد، بدأَ من نقطة محدّدة ثمّ حامَ قليلاً ليعود إليها. داخل هذا الخطّ الذي يتألّف منه القلب، داخل هذا الفراغ المُسَوَّر بقلم الفحم، بدت لي حدودُ الوطن الذي لا حدود له، وهو، في هذا العالم، الوطن الوحيد الذي يمكن الانتماء إليه. هل حقّاً رحلتِ يا إيتل، كما كلّ شيء يرحل؟ سيظلّ قلبكِ ينبض في قلوبنا طالما نحن أحياء. (عيسى مخلوف)
يبدو أن الطير الذي كان يسكن جسد إيتيل عدنان، فرد جناحيه وغادره. أقرأ خبر وفاتها وتنتابني قشعريرة أشبه برؤية حبيب ضائع في زحام مدينة شتوية، مدينة «تتعرى» كما تفعل باريس. ماتت التي، في نصّها البديع عن العاصمة الفرنسية، جعلتني أعرف المدينة جيداً قبل زيارتها. في واحد من نصوصها الأخيرة المنشور في العام الماضي، تلخص الحب كما لو أنها تلخّص حياتها كلها، هي التي عاشت دائماً كعصفور بين نقاط الماء المنهمرة كدمع قديم فوق المدن الحزينة. تقول إتيل، العذبة كالماء، الكثيفة كغيمة: «عندما نعشقُ ننقلبُ إلى طير: نمدّ عنقنا وننصت إلى أغنية لم نسمعها. ينكتم منّا الصوت. لكنّ كثيرين هم الذين ليسوا مستعدّين للمخاطرة بحيواتهم من أجل تلك اللحظة، بل ليسوا مستعدّين للمجازفة بما هو أقلُّ من ذلك: أن يتزحزحوا من أمكنتهم فقط! إنّهم خائفون، يؤْثرون المحافظة على تفاهتهم. يمكننا أن نفهمهم: الحبّ بكلّ أشكاله هو أعظمُ ما نواجه على الإطلاق، لكنّه أخطرُ ما نواجه أيضاً، والأقلّ توقّعاً، والأكثرُ امتلاءً بالجنون. ومع ذلك، فالحبّ هو الخلاص الوحيد الذي أعرفُه». (رامي الأمين)
«إيتيل عدنان.أنت الشاعرة وأنت الرسامة في الحياة وما بعدها، وأكثر من ذلك أنت ذات الحياة» (عباس بيضون)
إيتيل عدنان الفراشة التي أحبتها الحياة… وداعا:
أتّبعني، قال الملاك
ثم انزلق من على كتفيّ
وهجم الضوء
من كل صوب. (غسان زقطان)
«ضع نفسك بعيداً عن الأشياء
آه يا قلبي، أنت يا من يتيه
في أوراق الشجر»
هذه الكلمات مقطع من النشيد التاسع لأناشيد الفنانة إيتيل عدنان، التي كانت حاضرة في وجداني أمس وأنا أجوب جبل «تملبايس» في سان فرانسيسكو أنظر إلى الأشجار العالية ويهرب قلبي مني. تذكرت رسوماتها بخطوطها البسيطة وألوانها المختلفة، حاولت رؤية الجبال كما رأتها بعينيها وريشتها. نسجتُ الحكايات وبحثت عن أثر لها في المكان. ثمة ما يبقى من أثر أرواحنا في المكان سيأتي من يلتقطه! (غادة نورالدين)

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية