الخرطوم ـ «القدس العربي»: بعد ثلاثة أسابيع من انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، يزداد المشهد في السودان تعقيدا، ففي الوقت الذي مضى فيه البرهان لتشكيل مجلسه السيادي، أعلنت قوى «الحرية والتغيير» تكوين جبهة وطنية واسعة لمقاومة الانقلاب، اعتبرها تجمع المهنيين «خطوة في طريق التسوية مع الجيش».
وبعد اجتماع في دار حزب «الأمة» السوداني، مساء الأحد، أعلنت قوى «الحرية والتغيير» تكوين جبهة وطنية واسعة مكونة من (26) من الأحزاب والحركات والمجموعات السياسية والمدنية، قالت إنها لـ«منازلة ومقاومة الانقلاب وإسقاطه».
وحسب بيان القوى «ناقش الاجتماع التحول النوعي الذي حدث بعد الانقلاب على ثورة الشعب السوداني السلمية، لمقاومة الانقلاب وإسقاطه، واستمعت إلى مجموعة من التقارير من مختلف الجهات المختصة الصحية والقانونية وقيادات الميدان».
وحّمل البيان «مجموعة الانقلاب مسؤولية ما حدث في تظاهرات السبت، من عنف مفرط وقتل ومداهمة منازل المواطنين» واعتبرها «جرائم وانتهاكات مخالفة للقوانين والأعراف الدولية وحقوق الإنسان تستوجب بالضرورة أن يقدم مرتكبوها إلى ساحات العدالة».
واتفق أطراف الاجتماع على «تكوين جبهة وطنية عريضة من خلال التواصل مع قوى الثورة الفاعلة بهدف استعادة السلطة المدنية كامله غير منقوصة». وطالبوا بـ«إطلاق سراح رئيس الوزراء عبدالله حمدوك لمزولة مهامه وفقاً للوثيقة الدستورية وإطلاق سراح معتقلي لجان المقاومة والثوار، وجميع المعتقلين السياسيين».
التمسك بالوثيقة الدستورية
وأكد البيان أيضا على «التمسك بنصوص الوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس/ آب 2019 المعدلة في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، والتمسك بتنفيذ اتفاق سلام السودان والعمل على استكمال السلام الشامل والعادل».
وشدد على «تصعيد ثوري لمقاومة الانقلاب حتى استعادة السلطة المدنية كاملة والوصول إلى التحول الديمقراطي المنشود».
ومن أبرز الأحزاب والتنظيمات والكيانات الموقعة على البيان، الأمة القومي والمؤتمر السوداني والبعث الأصل والتجمع الاتحادي، بالإضافة إلى حركة جيش تحرير السودان المجلس الانتقالي، والحركة الشعبية لتحرير السودان شمال، ومجموعة من تجمع المهنيين السودانيين.
وعلى الرغم من مشاركة قادة الجبهة الثورية الثلاثة الهادي إدريس، والطاهر حجر ومالك عقار، في اجتماع المجلس السيادي الجديد أول أمس، لكن يبدو أنهم ما زالوا منخرطين في اجتماعات المجلس المركزي لقوى «الحرية والتغيير» الرافضة لانقلاب الجيش وخطواته الأخيرة التي تشمل تكوين مجلس سيادي جديد.
في المقابل، رفض تجمع المهنيين السودانيين الخطوات التي قام بها المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، والجبهة الواسعة التي قام بتكوينها مع (26) حزبا وحركة ومجموعات سياسية ومدنية.
بيان «مؤسف»
ووصف التجمع بيان المجلس بـ«المؤسف» وقال في بيان أمس الإثنين، إن «بيان المجلس يؤكد انفصامه عن الواقع وعن نبض الشارع والقوى الثورية المقاومة للانقلابيين ويبدي تهافت المجلس للعودة لشراكة الانقلابيين».
وشدد على أنه «لم يحضر الاجتماع الذي تحدث عنه بيان المجلس المركزي، واتهمه بمـ»ممارسة التشويش والكذب الصريح باستخدام اسم التجمع في البيان لأغراض مشبوهة ومضللة تنسف كل ما يقال عن تعلمهم الدرس أو أهليتهم للعمل مع قوى الثورة» حسب البيان.
وقال إن «موقفه واضح ومعلن في منابر التجمع الرسمية وصفحته الموثقة ويقف في قلب قوى الثورة التي ترفض أي مساومة أو عودة للوراء» مشيرا إلى أنه «سبق وسحب اعترافه بالمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير منذ يوليو2020».
وقال إن «المجلس والقوى المنضوية تحته فارقت خط الثورة والقوى الثورية وتورطت في الشراكة المعيبة مع الانقلابيين، طمعًا في محاصصة المناصب والحصول على امتيازات لا تمت للثورة وأهداف الشعب السوداني في شيء، وما زال يمارس ألاعيبه في تقسيم قوى الثورة ومحاولات استخدامها لتمرير أجندته الخانعة والغادرة بتطلعات شعبنا ونضالاته».
وأضاف: «موقفنا من الانقلابيين معلن وهو رفضهم التام، والطريق الوحيد هو إسقاطهم والتأسيس للسلطة الوطنية المدنية الانتقالية الكاملة النابعة من القوى الثورية والمتمسكة بأهداف التغيير الجذري وثورة ديسمبر المجيدة، ولسنا جزءًا من أي دعوات للتسوية أو العودة للوراء، بل نعتبرها خيانة لثورة الشعب وتطلعاته».
ودعا لـ«تكوين الجبهة الثورية الواسعة لإسقاط انقلاب المجلس العسكري، وتأسيس السلطة الوطنية المدنية الانتقالية الخالصة من قوى الثورة الملتزمة بلاءاتها الواضحة (لا تفاوض، لا مساومة، لا شراكة)».
دعت لإطلاق سراح المعتقلين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات والجرائم
وقال إن «الجبهة الثورية الواسعة التي دعا لتكوينها ستكون محمية ضد الاختطاف والتزوير، وإن الأدوار فيها ستكون قاعدية ممثلة في لجان المقاومة بالأحياء والقوى النقابية للمهنيين والعمال والحرفيين والمزارعين والأجسام المطلبية، تأسيسا لدولة المواطنة والحقوق والحرية الكاملة والسلام المستدام والعدالة الشاملة».
جبهتان
جبهة واسعة كونها المجلس المركزي لقوى «الحرية والتغيير» مقابل جبهة ثورية واسعة يدعو تجمع المهنيين السودانيين لتكوينها، الأولى ترتكز في تكوينها على الأحزاب والحركات وبعض الكيانات المدنية، بينما الثانية تؤسس لقوى سياسية حديثة قوامها لجان المقاومة والقوة والنقابية والمهنيون.
وفي السياق، قال الصحافي والمحلل السياسي، ماجد محمد علي، لـ«القدس العربي» إن «الأهداف الكامنة وراء تكوين الجبهة الثورية التي يدعو لها تجمع المهنيين هو إيجاد معالجة لأزمة غياب القوى الحديثة عن المعادلة السياسية في السودان».
ورأى أنها «تمثل صوت الشارع المطالب بحكم ديمقراطي مدني وأن حظوظها في صناعة المستقبل السياسي في السودان أكبر، كما أنها الأكثر فاعلية في صناعة المشهد الراهن في السودان. في المقابل هناك الجبهة الواسعة التي كونها المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير والتي تطالب بتسوية تشمل إطلاق سراح حمدوك وجميع المعتقلين السياسيين، كما تتمسك بالعودة للوثيقة الدستورية التي تعني عودة الشراكة إلى وضعها ما قبل انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول».
وحسب علي «الشراكة في شكلها قبل 25 أكتوبر/ تشرين الأول، لن تعود، باعتبار الخطوات التي قام بها قائد الجيش وتكوينه مجلسا سياديا جديدا ومضيه في عملية إعفاء المسؤولين وتعيين آخرين، فضلا عن قمع حريات التظاهر والتعبير وغيرها، وما يحدث من انتهاكات للصحافيين».
وبين أن «بيان المهنيين سيقدم بشكل أو بآخر خدمة للمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير وربما يعيده إلى مسرح المبادرات والتسويات السياسية، باعتبارها القوى السياسية الأكثر مرونة والأقرب للتسوية، في ظل وجود الموقف المتشدد لتجمع المهنيين السودانيين الرافض للشراكة والتفاوض مع قادة الانقلاب».
ولفت إلى أن «مواقف القوى السياسية لا تنطلق من فراغ، وأن خطوة تكوين الجبهة الواسعة التي قام بها المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير غالبا مؤشر لتحركات تسوية غير معلنة وأنها ربما تعيد قوى الحرية والتغيير للمشهد ولو بشكل مرحلي».
القيادي في قوى «الحرية والتغيير» شهاب الدين الطيب، أكد لـ«القدس العربي» أن «قوى الحرية والتغيير متمسكة بالمقاومة وتوحيد موقفها مع الشارع ورفض الحوار مع العسكريين إلى حين اطلاق سراح رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وكل المعتقلين» لافتا إلى أن غياب السند الدستوري وقمع الحريات يجعل البيئة غير متهيئة للحوار، وحال تهيئة البيئة للحوار وإعادة السند الدستوري ـ الوثيقة الدستورية ـ العملية السياسية وقتها ستقتضي شكلا من أشكال الحوار».
في الموازاة، علمت «القدس العربي» أن رئيس الحركة الشعبية شمال ـ الجبهة الثورية ـ مالك عقار، استضاف مساء أمس اجتماعا للمجلس المركزي لقوى «الحرية والتغيير» لمناقشة الوضع الراهن في البلاد.
ومنذ 25 أكتوبر الماضي، يعاني السودان أزمة حادة، جراء إعلان البرهان، حالة الطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين وإعفاء الولاة، عقب اعتقال قيادات حزبية ووزراء ومسؤولين، مقابل احتجاجات مستمرة ترفض هذه الإجراءات، باعتبارها «انقلابا عسكريا».
ومقابل اتهامه بتنفيذ «انقلاب عسكري» يقول البرهان إن الجيش ملتزم باستكمال عملية الانتقالي الديمقراطي، وإنه اتخذ هذه الإجراءات «لحماية البلاد من خطر حقيقي» متهمًا قوى سياسية بـ«التحريض على الفوضى».
والسبت، شارك آلاف السودانيين في أحياء الخرطوم، وعدة ولايات أخرى، بتظاهرات للمطالبة بالحكم المدني، وأعربوا عن رفضهم لما أسموه «الانقلاب العسكري».
وأعلنت لجنة أطباء السودان، أمس الإثنين، ارتفاع حصيلة قتلى احتجاجات السودان إلى 23 إثر وفاة متظاهر متأثرا بإصابته بالرصاص في تظاهرات 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وقالت اللجنة (غير حكومية) في بيان، إن «عمر عبدالله آدم كان قد أصيب برصاصة في العنق في احتجاجات 25 أكتوبر من قبل المجلس العسكري الانقلابي». وأضافت: «ليرتفع عدد الشهداء المؤكدين لدينا منذ وقوع الانقلاب (إجراءات الجيش) إلى 23 شهيدا».