مبنى التلفزيون المصري في القاهرة
في عام 1960 أنشئ التلفزيون العربي على كورنيش النيل في القاهرة، وكان المبنى الإعلامي الفريد من نوعه بعد التلفزيون العراقي، الذي أنشئ قبله بسنوات قليلة، ووفق البرنامج التثقيفي لثورة يوليو/تموز 52 بدأت أجندة النشاط الإعلامي، واعتمدت الفكرة الرئيسية على العملية التعبوية الخاصة بتوعية الجماهير بأهمية القضايا العربية الكبرى، وبالقطع كان على رأس القضايا قضية الصراع العربي الإسرائيلي، والتصدي لنفوذ القوى الإمبريالية المُتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن المعلوم بالضرورة أن مهام التلفزيون العربي، إبان تأسيسه لم تكن تقتصر فقط على الوظائف التثقيفية والتنويرية وحسب، لكنها كانت تمتد إلى قضايا الخلاف السياسي بمستويات عمقها وأهميتها، فقد ارتبطت الرسالة الإعلامية بالمصالح العربية، حتى بعد أن تغير اسم التلفزيون العربي إلى التلفزيون المصري، بقرار من الرئيس السادات، لم تختف البرامج السياسية تماماً، بينما اختفى البعد العربي من بعض البرامج، على أثر الشقاق الذي أحدثته اتفاقية «كامب ديفيد» حيث الخلاف العربي مع مصر على مبدأ المُصالحة مع إسرائيل.
وقد امتدت الخلافات المصرية العربية لفترة طويلة، استقل خلالها التلفزيون المصري بقراراته وخصوصياته وخطابه، ومن هنا حدث المُتغير الكبير الذي ازدادت هويته بمرور الوقت، إلى أن اغتيل الرئيس السادات في حادث المنصة الشهير في أكتوبر/تشرين الأول عام 1981، وتولى الرئاسة حسني مبارك، الذي انتهج نهجاً آخر في ظل عودة العلاقات المصرية العربية، وبالتبعية تغيرت السياسات الإعلامية، وحدث نوع من التواصل والاتصال الحذر في أول الأمر. ومع بداية فترة التسعينيات حدث تشكيل إعلامي جديد بفعل المبادرات التي قام بها وزير الإعلام صفوت الشريف وأدت إلى توسع غير مسبوق في شبكات التواصل، حيث تمت دراسات بشأن إطلاق قمر صناعي يكون من شأنه تسهيل إنشاء القنوات الفضائية الخاصة، وبالفعل شهدت الألفية الثانية طفرة كبيرة في هذا الصدد، وأطلق القمر الصناعي المصري 101 مُحملاً بعدد كبير من القنوات، بتقنية تكنولوجية خاصة بالتعاون ما بين شركة نايل سات المصرية وشركة ماركوني الفرنسية، التي استفادت كثيراً من المشروع الإعلامي الفضائي وحققت أرباحاً طائلة من عائد بيع القنوات، والنسبة العائدة إليها من الإيرادات.
وقد امتدت الخلافات المصرية العربية لفترة طويلة، استقل خلالها التلفزيون المصري بقراراته وخصوصياته وخطابه، ومن هنا حدث المُتغير الكبير الذي ازدادت هويته بمرور الوقت.
ولكي تُضاعف شركة ماركوني من استثماراتها وأرباحها لجأت إلى وسائل الإغراء فسمحت بتسهيلات كبيرة لإطلاق القمر الصناعي المصري 102 في حال تمكن شركة نايل سات من بيع القنوات كافة المُحملة على القمر الصناعي الأول، وإزاء هذا الإغراء جرت عمليات بيع الأسهم للقنوات الفضائية بأرخص الأسعار، وقد بلغ سعر السهم أربعة جنيهات فقط في وقت من الأوقات، فسارع الراغبون في امتلاك المحطات الفضائية بالشراء، وبناءً علية اكتملت المنظومة الإعلامية وفق مقاييس التجارة والسمسرة، وليس بمقياس الأداء المهني.
وذراً للرماد في العيون وضعت الجهات المُنظمة لعملية البيع والاستئجار ثلاثة محاذير من باب الحيطة والحذر، كميثاق شرف يحكم العملية الإعلامية، وتلخصت المحاذير الثلاثة في الدين والجنس والسياسة كخطوط حمر، يجب عدم تجاوزها. والتزمت معظم المحطات بالميثاق في بادئ الأمر، لكن مع الممارسة الفعلية للأنشطة الإعلامية تراجعت نسبياً مسألة الالتزام بالموانع الثلاثة، وكان ذلك مُتوقعاً، لأنه لا حرية في ظل قيود، فالقضايا الجماهيرية فرضت نفسها وطرحت البرامج في سياقات معينة ومُتعددة، موضوعات ساخنة كالتحرش الجنسي على سبيل المثال، باعتباره جريمة وقضية اجتماعية بالغة الخطورة وتستحق المناقشة والتدارس، كما أن الصراعات الفكرية بين التيارات الدينية حتمت تناول الموضوع من كل زواياه، وبتفاقم الأزمات الاجتماعية وظهور موجات العنف والإرهاب بدأت وسائل الإعلام في فتح الملفات السياسية، كرد فعل للظواهر التي أصبحت مفروضة بالقوة ولا يُمكن تجاهلها. وعلى أثر التفاعل الطبيعي بين الخطاب الإعلامي الحر في المحطات الفضائية الخاصة والجماهير العريضة، التي رأت في طرح القضايا الخاصة بها مُتنفساً، اتسعت دائرة الحوار الشامل، وبات الحديث عن أي شيء مُباحا وغير قابل للحظر وألغيت تلقائياً المحاذير الثلاثة المذكورة سلفاً.
في هذا الوقت كان التلفزيون الرسمي يقوم بدره في تخفيف الصدمات وتقليل التأثيرات السلبية للحوار المفتوح والشائك في المحطات الخاصة، وهو ما كان يُسمى بالتوازن الإعلامي قبل قيام ثورة 25 يناير/كانون الثاني وما بعدها بقليل لزوم الحفاظ على الاستقرار العام، حسب وجهة النظر الرسمية، التي حرصت على أن يسود الخطاب الإعلامي الهادئ كل النوافذ في تلفزيون الدولة منعاً للتوتر. وبالاتفاق الضمني أو الصريح بين أصحاب القرار والقيادات الإعلامية في ماسبيرو جرى العمل بهذه القاعدة، وتحددت الضمانات الداعمة لحرية الرأي في الحدود المسموح بها، لكن المُتغيرات الطارئة على الأداء الإعلامي في التلفزيون الرسمي الحكومي، أخلت نوعاً ما بهذا الاتفاق، حيث الشعور العام بتراجع الدور القوي للإعلام الرائد خلق حالة من الخوف بين العاملين، وولد لديهم فكرة سلبية بأن ما يقدمونه مجرد تحصيل حاصل، وأن أدوارهم الأساسية كمطورين للأداء الإعلامي وحراس على القيمة الأدبية والتنويرية والتعليمية باتت في ترتيبات متأخرة.
ولعل ما خلق هذا الإحساس هو لجوء المحطات الخاصة إلى الإثارة والجرأة الشديدة، كمسوغ للاستقطاب الجماهيري، وهي الحيلة التي أفلحت بالفعل في سحب البساط من تحت أقدام الإعلام الرسمي المُلتزم بالهدوء والرصانة، في مرحلة زاخرة بالأحداث المهمة على مستويات كثيرة، وهو ما يستوجب ارتفاعاً نسبياً في حرارة النقاش والطرح، كي لا يشعر الجمهور المُتمسك بالتلفزيون المصري بالفارق المحسوس والملموس في الأداء والشكل والموضوع، لأن الاستمرار على هذا النمط قد يؤدي إلى فقدان البقية الباقية من النسبة الجماهيرية والشعبية المُشجعة والمُنحازة لتلفزيون الدولة باعتباره ملكية عامه للشعب.
كاتب مصري